.

عبد الرزاق الربيعي يحاور ذاكرة الشعر

محمد الغزي

في سلسلة «كتاب نزوى» الفصلي صدرت مجموعة الشاعر عبد الرزاق الربيعي الجديدة «ليل الأرمل»، وهذه المجموعة وإنْ أحالت في الكثير من قصائدها على مجموعته «قليلاً من كثيّر عزّة» فإنّها، ظلت على صلة وثقى بكلّ أعماله الشعريّة السابقة.
فالمتأمّل في مدونة عبد الرزاق الربيعي الشعرية يلحظ أنّها، على اختلافها وتعدّد أساليبها، يشدّها خيط ناظم وهو إحساس الشاعر الحادّ بالوحدة. الوحدة بوصفها الاسم الآخر للغربة. بوصفها الاسم الآخر للوجود وسط الجماعة. إنّها غربة مستحكمة لا يمكن توقّيها أو التخلّص منها. غربة غريبة، على حدّ تعبير أبي حيّان التوحيدي لأنّها لا تنبع من الخارج وإنّما من الداخل… غربة يحملها الشاعر معه أنّى ذهب، ينوء بعبئها أنّى توجّه.
هذه الوحدة تبدو في المجموعة الأخيرة «ليل الأرمل» أكثر وطأة وقسوة، أكثر فداحة وهولاً: «في ليلة سنة القرد لن أسرج الشموع/لن أفتح بابي لأيّ طارق/بل أدخل غرفتي الباردة/ أنصب شباكي لي /وبلحظة طائشة / أرمي عبد الرزاق الربيعي / بكل خيباته التاريخية على السرير». فالوحدة هنا باتت رديفة الفقد والغياب أو بعبارة واحدة رديفة الموت والبلى فالربيعي بعد فقدانه وطنه الأول هاهو يفقد وطنه الثاني: حبيبته عزّة. فليس غريباً، بعد هذا، أن تتحوّل الكتابة عنده إلى ضرب من العزاء، إلى ضرب من الاحتجاج. ولعلّ العتبة الأولى وهو العنوان «ليل الأرمل» من شأنها أن تلفت انتباه القارئ لغرابة عبارة الأرمل للدلالة على الرجل الذي فقد زوجته… فلئن أقرّ لسان العرب استخدام هذه العبارة للدلالة على الذكر إذا كان لا امرأة له فإنّه يذكّر قارئه أنّ العبارة المتداولة في اللغة هي الأيّم.
لهذا يعدّ ابن جنّي عبارة الأرمل من الغريب الشاذّ «قلما يستعمل الأرمل في المذكر إلا على التشبيه والمغالطة» وجليّ إنّ الربيعي اختار، عن وعي عامد، هذا اللفظ يريد أن يحييه، على غرابته، ويضخّه بماء الروح، فالأرمل كانت، في نظره، الأكثر تعبيراً عن معاني الفقد والغياب والموت.
لعلّ أهم خصيصة تتميز بها هذه المجموعة هي «تسريد الشعر»، وفق تعبير الناقد فتحي النصري، أي تحويل الشعر إلى خطاب يجمع بين صيرورة القصّ وكينونة المجاز. لهذا نجد قصائدها تستند إلى ما يمكن أن نسمّيه، مستلهمين مصطلحات السرديّات، بالسرد الاسترجاعي وهو السرد الذي يعوّل على الذاكرة، ذاكرة الذات الساردة، تمدّه بالأحداث، والوقائع… هذه الحالة السردية من شأنها أن تتستحضر الماضي عبر التذكر والاسترجاع فتتولّد القصائد وقد أخذ بعضها برقاب بعض في حركة هي أقرب ما تكون إلى التداعي الذي لا يقف عند حدّ معلوم.
كل القصائد هي عبارة عن مشاهد يلتقطها الشاعر من الذاكرة ليحوّلها إلى خطاب دراميّ فيه تتوافر عناصر الدراما التقليدية من مكان وزمان وأحداث وشخصيّات. فالقصائد هنا لا تستمدّ شعريتها من الصور والإيقاع فحسب وإنما من بنيتها الحكائية، من لغتها البصريّة، من جنوحها إلى النبرة الشفوية: «هكذا جرى الأمر / بدون أجراس / وأناشيد سود / والأمرّ /أنّها أسلمت / لأصابع الأبد روحها الأخيرة /… ولأنّنا /لم يكن لدينا غيرها لم نضعها / في هواء الحديقة». في هذه القصيدة يميل الشاعر إلى الأسلوب الحكائي حيث تتعدّد الأفعال، وتتنوّع المشاهد، وتتعاقب الأحداث لتنفتح في النهاية على مفاجأة لافتة :»قبل أن تعطي ظهرها الجدار/بهدوء ملاك أليف / قطتنا التي ماتت/ ولم يكن لدينا غيرها».
وتبلغ هذه النزعة المشهدية أوجها في قصيدة المشهد الأخير حيث يوظف الشاعر لغة السينما ومصطلحاته الفنية: الملاك جاهز وكادر السماء/ جاهز /العرش والضياء/لقطة رأسية/تنزل من أعلى تسابيح العصافير/لقطة قريبة/ من وجهه البشوش…/من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين».
إنّ الشاعر يتوسل بعين الكاميرا ليصور اللحظات الأخيرة قبل الانتقال إلى الضفة الأخرى. فالقصيدة ترصد، بدقة عالية، تلك اللحظات، تتأنّى عند تفاصيلها، تحوّلها إلى لقطات قريبة عسى أن تباغت وتدهش.
هذه المجموعة لا تحاور ذاكرة الشاعر فحسب بل إنّها تحاور ذاكرة الشعر، الشعر على وجه الإطلاق والحقيقة إذ عمدت إلى عقد حوار مع نصوص تنتمي إلى أزمنة شعرية مختلفة. هذا الحوار من شأنه أن يسعف الشاعر بنصوص تقول تجربته… أو بعض تجربته… ومن ثمّ تندغم تجربته الذاتية في تجربة إنسانية أعمّ.
ومثلما قال الناقد الفرنسي ريفاتير فإنّ الكلمات داخل النص الأدبي لا تحيل على الأشياء والمفاهيم أي لا تحيل على عالم غير لغويّ وإنّما تحيل على تمثلات سبق إقحامها في العالم اللغويّ وتجلى هذا واضحاً في هذا الديوان الذي تقصّد استحضار عدد من النصوص تصوّر انشداه الكائن أمام سؤال الموت.
ويمكن، في هذا السياق، الإشارة إلى زمرتين من النصوص: الزمرة الأولى تضمّ كلّ النصوص التي استرفدها الشاعر من المدونة الشعرية العربية وأثبتها في الديوان من غير تعديل أو تغيير. والزمرة الثانية تضم كل النصوص التي لوّح لها الشاعر من خلال بعض الصور أو العبارات.
الزمرة الأولى تظهر جليّة في إحدى عتبات النصّ، ونعني بها المقدّمة، وتضمّ أبياتاً لابن خفاجة والسيّاب والكميت بن زيد الأسدي وأخرى مقتطفة من ملحمة كلكامش. كلّ الأبيات التي استرفدها الشاعر من التراث، تدور، على اختلافها، حول الغياب. واستدعاء الربيعي هؤلاء الشعراء بدا وكأنه ضرب من الحلول إو التقمص… أو إذا استدعينا لغة النقد الحديث قلنا إنّ الشاعر ارتدى عن وعي عامد أقنعة هؤلاء الشعراء ليصوّر من خلالهم فداحة الفقد.
أما الزمرة الثانية فهي تضمّ جملة من النصوص التي تشربتها القصائد واكتفت ببعض العبارات للإشارة إلى منابتها الأولى… ففي قصائد الربيعي تتردّد صور مستلهمة من القرآن الكريم (انظر إلى قصيدتيه في حضرة فاطمة وعلى حائط يوليوس قيصر) وأخرى مستلهمة من النصوص الصوفية (أبيض وأسود) وقصائد ثالثة مستلهمة من التراث الشعبيّ (بيض اللقالق).
هذه النصوص الغائبة من شأنها أن تفتح القصيدة على الزّمن، مطلق الزّمن بحيث تصبح قراءتها ضربًا من التيه الذي لا يقف عند حدّ معلوم فالنصّ يسلمنا إلى نصّ والرّمز إلى رمز في ضرب من التداعي الذي لا يردّ.
إنّ الربيعي وهو يرهف باستمرار أدواته الشعرية، أصبح أكثر حماسة لقصيدة النثر يوظف إمكاناتها الجمالية الكبيرة، وبخاصّة قدرتها على التسريد… فالشعر بات لدى الربيعي أكثر من تدفق عاطفي لقد أصبح تصويراً للحياة في تناقضها وتوترها وانفتاحها على أسئلة تتعذّر الإجابة عنها.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة