متابعات ثقافية و فنية

محمد بركة: العلاقات العامة تتحكم بالوسط الأدبي

خالد بيومي

يمتلك المصري محمد بركة الجسارة على ممارسة التجريب وتغليب منطق الإبداع على منطق الاتباع، والرغبة العفوية المفتوحة على فعل المساءلة. في روايته «الزائر» الصادرة عن دار «سما»، يهاجم الثقافة الأصولية التي تنبني على التعصب وتقتات بالتطرف. رواية «الزائر» هي الرواية الثالثة لبركة بعد «الفضيحة الإيطالية»، و «عشيقات الطفولة»، وله مجموعتان قصصيتان هما «كوميديا الانسجام»، و «3 مخبرين وعاشق».
هنا حوار معه:
> البعض يرى في روايتك «الزائر» هجوماً على الأديان، باعتبارها تكرس لفكرة انسحاق مصير الإنسان أمام قوى غيبية هائلة… ماذا تقول؟
– الرواية ترصد فقط وجعاً للبطل الذي فقد عائلته في حادث مأسوي ومن ثم تستحوذ عليه فكرة الانتحار فتصير هوساً لا فكاك منه. على هذه الخلفية، يصبح من الطبيعي أن تصدر عن شخص بهذه المواصفات تأملات حول الوجود والحياة تحمل حساً عدمياً وسخرية مريرة. هذا هو السياق الذي يجب ألا ننتزع منه جملة من هنا أو هناك ونصدر حكماً يدين مجمل النص. والأهم أنه حتى وسط هذه الأفكار النقدية للبطل هناك طرف آخر يتمثل في الزائر الذي يرد عليه معترضاً ومصححاً كثيراً من أفكاره. الرواية إذاً لا تهاجم ديناً ولا تحطم مقدساً.
> ولكن بطل الرواية ينتقد «الثقافة البدوية الذكورية وهيمنتها على تفسير النصوص المقدسة»؟
– تفسير النصوص وليس النصوص ذاتها. لم يعد سراً أن الدين، أي دين، هو فكرتك عنه وفهمك له الذي لم نعد للأسف نأخذه بالفطرة أو من خلال استفتاء قلوبنا طبقاً للحديث النبوي الشريف، وإنما من خلال تفسيرات لفقهاء قدامى تحمل نفياً للآخر، ومصادرة لحق المرأة في أن تعيش ككائن إنساني تم تكريمه من فوق سبع سماوات. ومن خلال إقامتي في أوروبا، أؤكد لك أن الغرب أصبح واعياً بفكرة أن هناك أكثر من مدرسة فقهية في العالم الإسلامي تكرس للتشدد، أو التسامح والاعتدال.
> عنوان الرواية يشير إلى ملاك يهبط إلى الأرض في محاولة لإثناء البطل عن الانتحار…؟
– هذه مجرد قراءة، فالزائر قد يكون كذلك فكرة متوهمة في ذهن البطل أو هلاوس بصرية لمضطرب عقلي.
> يشعر بطل العمل بمحبة تجاه اليهود ويدافع عنهم… كيف تفسر ذلك؟
– مرة أخرى نعود إلى انتزاع جملة أو فقرة من السياق العام وتوجيه طلقات الإدانة إلى النص بسببها. البطل لم يدافع عن اليهود كيهود والرواية لا تتناولهم كفئة دينية بل كبشر. كل ما هنالك أن البطل مغرم بالسينما ويكنّ غراماً خاصاً لفيلم «عازف البيانو» الذي يرصد محنة يهود بولندا على يد الممارسات الوحشية للنازيين. على المستوى الشخصي أشارك البطل الإعجاب بهذا الفيلم الذي أخرجه رومان بولانسكي وحصد جوائز عالمية مهمة، لكن الأهم أن ما ذكره البطل كان حقائق تاريخية. على سبيل المثل ،تلك الفقرة الواردة في الرواية والتي تقول: «هنا يود يوسف صديق أن يمسك بميكرفون ويصرخ: نحن أتباع محمد أنقذنا أيضاً الآلاف من أتباع موسى. ساعدناهم على الهرب ووفرنا لهم المأوى ودفع بعضنا حياته ثمناً… فكيف نُتهم الآن بمعاداة السامية والعرب ساميون ينتهي نسبهم إلى سام بن نوح؛ عليه السلام؟ دعكم من حقيقة أن مئات الآلاف من الجنود المسلمين من أفريقيا والهند والاتحاد السوفياتي السابق ساعدوا على هزيمة الفاشية في أماكن مثل العلمين، ومونتي كاسينو، وشواطئ البروفانس، وستالينغراد، وأن البلد الوحيد في أوروبا الذي شكل ملاذاً آمناً لليهود بعد الحرب العالمية الثانية كان ألبانيا المسلمة. لكن ألم تسمعوا عن درويش كوركوت؛ الشاب البوسني الذي آوى فتاة يهودية تدعى ميرا بابو، كما أنقذ «هاجاديه سراييفو»، الذي يعتبر من أهم المخطوطات العبرية في العالم؟ ألم تسمعوا عن صلاح الدين أوكلومن، الذي أنقذ 50 يهودياً من أفران معسكر أوشفيتز؛ مما تسبب بوفاة زوجته ميرينسا بعد فترة وجيزة من ولادتها ابنها محمد، وذلك عندما عمد النازيون إلى الانتقام من بلدة البطل التركي. ألم يصلكم خبر رفيق فاسيلي الذي استشهد في سن 16 سنة، إثر إنقاذه لثمانية من اليهود كانوا مختبئين في منزل أسرته في جبال إحدى القرى في ألبانيا؟ هي حقائق تاريخية.
> لماذا وصفت تجربتك في نشر رواية «الزائر»، عبر دار نشر خاصة، بأنها من أفضل التجارب التي صادفتها في مشوارك الإبداعي الذي بلغت محصلته الآن عشرة كتب؟
– لقد تحمس الناشر للعمل على رغم أن صداقة ما أو حتى معرفة ما لم تكن تجمعنا آنذاك، ولمست في أدائه حماساً وسرعة في الإنجاز ومهنية عالية على عكس معظم دور النشر الخاصة التي تنام في العسل ولا تبذل مجهوداً يذكر في إخراج الكتاب أو تسويقه وتسعى فقط لابتزاز المؤلفين مالياً.
> أليس غريباً أن مؤلفاتك صادرة عن دور نشر خاصة، هل هو موقف من النشر عبر وزارة الثقافة؟
– لا، ليس موقفاً بل يمكنك أن تقول إنني كنت أستسهل الناشر الخاص حيث سرعة إصدار الكتاب ولا تنس أن النشر الحكومي كان يعتمد في ما سبق على العلاقات الشخصية في المقام الأول. الموقف الآن أعتقد أنه اختلف نسبياً بفضل وجود قيادات مبدعة في الهيئة المصرية العامة للكتاب على سبيل المثل. وأخص بالذكر الكاتبة سهير المصادفة التي تحمست في وقت قياسي لنشر مجموعة قصصية لي تحمل عنوان «عشيقة جدي». هذه المجموعة ستكون بمثابة «مصالحة» بيني وبين النشر الحكومي.
> بعد صدور روايتك «الفضيحة الإيطالية» عام 2005، مرت ثمانية أعوام حتى صدرت روايتك التالية «عشيقات الطفولة»، لماذا كل هذا الغياب عن الساحة الإبداعية؟
– هذه هي المرحلة الرمادية للإحباط حيث أصدرت في هذا التوقيت كتاب «لماذا كرهت المثقفين؟» الذي كشف صدمتي في التناقض الهائل بين ما يرفعه مثقفونا من شعارات براقة على مستوى النظريات وبين ممارساتهم وسلوكياتهم على أرض الواقع. أيضاً فقدت إيماني بجدوى الكتابة بسبب ممارسات الوسط الأدبي المصري حيث مافيا العلاقات العامة تتحكم في كل شيء وغياب القارئ أدى إلى ازدهار الرشاوى الأدبية التي يسعى من خلالها المبدع إلى استرضاء الناقد أو الإعلام.
> كيف تنظر إلى الجوائز الأدبية؟
– الميزة الوحيدة التي تتضمنها تلك الظاهرة هي أنها منحت زوجات الأدباء مبرراً للصبر على جنون أزواجهن! لكن المشكلة أنها صارت معياراً للقيمة، فمن حصل على جائزة ينال اعتراف الكهنة به ومباركتهم له، ومن لم يحصل عليها يهيل التراب على لجان التحكيم ويطلق الرصاص على الجميع!
> أخيراً، كيف ترى انعكاسات إقامتك في بلجيكا على تجربتك الإبداعية؟
– أقيم في بروكسيل حيث أعمل مراسلاً لصحيفة «الأهرام» القاهرية. هناك وجدت الهدوء والفرصة الأفضل لتنظيم يومي بين القراءة والكتابة بعيداً من صخب القاهرة. والأهم أنني أنجزت رواية تحمل عنواناً هو «المدينة الرمادية» مستوحاة من وجودي في شمال غربي القارة العجوز.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق