حوارات

وجدي الكومي: الكتابة تعينني على منغصات الحياة

عمرو عاشور

صدرت للمصري وجدي الكومي (1980) بين عامي 2008 و2017 أربع روايات: «شديد البرودة ليلاً»، «الموت يشربها سادة»، «خنادق العذراوات»، «إيقاع» (فازت بجائزة مؤسسة الفكر العربي)، ومجموعتان قصصيتان: «سبع محاولات للقفز فوق السور»، و «شوارع السماء». وفي تلك الأعمال يتضح انشغال الكومي، الذي يمارس الصحافة منذ عقدين، بعوالم المهمشين التي يجد فيها أحد أهم بواعث الكتابة، على حد تعبيره.
هنا حوار معه:
> لماذا تكتب؟
– عندما يغضب الناس بسبب ارتفاع الأسعار، مثلاً، يعجز بعضهم عن التعبير عن غضبهم. البعض ينتحر. وهناك مَن يدمن المخدرات. أنا أكتب. أتذكر أنني تعثرت مرةً أمام بالوعة مفتوحة في شارعنا. كدتُ أهلَك. عدتُ إلى المنزل، وكتبتُ قصةً عن شخص يصارع الوحل. الكتابة تعينني على منغصات الحياة، وما أكثرها.
> قبل الكتابة، كانت هناك نشأة سحبتك إلى عالم الأدب؟
– أتذكر أن أبي كان يحرص على أن يجلب لي القصص المصورة، فكنت أقبل على قراءتها بنهم شديد. واحدة من تلك القصص، كانت نهايتها حزينة. قصة عصفور اسمه «صو صو» يتعلم الطيران، حذَّرته أمه من أن يجرب الطيران في غيابها. جرَّب العصفور أن يطير في يوم اشتدت فيه الرياح، فجرفته وضاع في هبوبها العاصف، بعيداً مِن العش. أبكتني القصة، ولم أزل أتذكر أبي الذي كان يشاهد التلفزيون، وفجأة وجد دموعي تنهمر بغزارة، فقرأ القصة، وشعر بالضيق لأن أحدهم كتب قصة مؤلمة في هذا الشكل للأطفال. نهاية مدرسية تحذر الصغار من عصيان أوامر الكبار، لكنها كانت شديدة الفجاجة.
> روايتك «شديد البرودة ليلاً» تناقش قضية المهانة التي قد يتعرض لها أحدهم من أجل الحصول على سيارة وبيت وراتب كبير، إلى درجة التورط في أعمال إباحية… ما هي التجربة التي دفعتك إلى الكتابة عن تلك الإشكالية؟
– عايشتُ عبر وسائل الإعلام، وأنا في نــحو العــاشرة من عمري، حدث الغزو العراقي للكويت. وقتها كتبــتُ قصة عن طفل يتخيل قسوة الحرب. شعرت بعد سنوات أنني في حاجة إلى كتابة رواية قصيرة عن حرب الخليج، يكون بطلها شاباً تم تجنيده إبان الحرب، ثم عـــاد منها فـــاقـداً الإيمان بالقومية العربية، ثم يعود إلى البقعة ذاتها التي سبق أن شارك في الحرب دفاعاً عنها، ليــجد في نفسه رغبـة عـــارمـــة في الثـــراء المادي، بـغض النظر عــن مـدى أخلاقيــة سبل بلوغ ذلك. إنها رواية الإنسان الذي تتــهاوى قيمه، أمــام ماديــة الواقع، وقسوته.
> في روايتك «الموت يشربها سادة» يتحول رجل الإسعاف إلى قاتل رحيم ينهي عذابات البشر… هل تتكئ هنا على نظرة سوداوية؟
– يبدو أن الروائيين يتفقون على أن الموت هو حل من الحلول الدرامية الجاهزة، أو هو وسيلة تدفع بالدراما والحبكة إلى الأمام. الموت هو حل. ربما لا يكون راحة، إلا في حالة الأشقياء، الذين بموتهم يرتاح الأحياء. طلب الموت لا ينطلق دائماً مِن نظرة سوداوية في المطلق. الموت هو الحقيقة، وكل ما نعيشه هو حلم. البعض جعل من الموت أمراً صعب المنال، مثلما فعل خوسيه ساراماغو في «انقطاعات الموت». هنا الروائي استخدم الحقيقة الوحيدة في الكون وتلاعب بها. في «الموت يشربها سادة»، كان رجل الإسعاف يسير في الاتجاه المضاد لمهنته، لأن الحياة عبث، والموت حقيقة. كان يؤمن أن خلاص ضحاياه أفضل لهم من حياة كذوب.
> هل كانت رواية «خنادق العذراوات» مدخلاً لرواية «إيقاع»؟
– لا يمكن أن نجزم بذلك. هناك أشياء تعكف على العمل عليها، وبينما أنت في المنتصف تكتشف أنك لم تنته، وأنه كان عليك أن تطور الحكاية في شكل ما. في «خنادق العذراوات» كنت مهموماً بالبلد المسروق، ضرع لم يجف، لكن لبنه يذهب إلى اللصوص والمارقين، وقطاع الطرق. حكاية المصنع – في الرواية – حقيقية، من حيث خصخصته على رغم أنه كان شركة ناجحة، لحساب رجل أعمال قريب من السلطة السياسية، قبل أن يبيعه إلى شركة عالمية. هذه الدائرة جعلتني أتأمل في أسباب اندلاع الثورة فجاءت رواية «إيقاع».
> «عزبة الوقف»، حيث تدور أحداث رواية «إيقاع»، هل هي نموذج مُصغر للوطن؟
– ليس بالضبط. عزبة الوقف هي المسمار الذي يحتاجه الروائي ليثبت أول أوتار روايته، ويبدأ العزف. مكان مجهول، وجدته على خريطة قديمة لمنطقة بين السرايات الواقعة في الجيزة. تخيلت أن العزبة تم منحها لأجير قبطي، مقابل خدماته للخديوي إسماعيل. هذا هو الخيال، الذي استند على تفصيلة عزبة الوقف. لا يمكنك أبداً أن تقول إن العزبة نموذج مصغر للوطن، إنما الحكاية كلها تتضمن الكثير مما يحدث في هذا الوطن.
> «زهران» في رواية «إيقاع» لم يكن يحلم سوى بالحياة الطبيعية، سقف، ولقمة، وكسوة، غير أن الظروف جرفته نحو التطرف… ما مدى واقعية هذا التصور؟
– الظلم هو السبب الأبرز لأي وقائع تطرف. القمع، وغياب العدالة والقهر عوامل تفجر التطرف، أو الثورة. في الغالب تؤدي إلى التطرف. أحدهم عجز عن القصاص العادل في دم، فتطرف وحمل السلاح وقتل. أحدهم عجز عن الحصول على حياة كريمة، لأسرته، وعانى من التشرد، فاضطر للتطرف، لأن العدل غاب، والمجتمع تحول إلى فوضى، يأكل فيه الكبير الصغير. الظلم بمختلف صوره، هو الذي أدى بزهران ليرتمي في أحضان المتطرفين، لأنهم سيوفرون له اللقمة، والسقف، والكسوة. زهران نجا من الموت تحت الصخرة التي انهارت على رؤوس الآلاف عند سفح جبل المقطم في القاهرة. كان يعيش شريداً، ونجا من الموت الذي افترس الآلاف وهم نيام. ظلم مثل هذا يدفع إلى الارتماء في أحضان الجماعات الإجرامية.
> كيف للأدب أن يغير الواقع؟
– لا أعرف كيف، وأنا لا أكتب لأغير أي واقع، أنا أكتب لنفسي، أكتب لأستمتع، أكتب لأشعر بالسعادة، والتحقق. ربما أكتب لأغير واقعي أنا، أن يكون هناك شيء في حياتي، غير رعاية الأسرة، والسؤال عن الأقارب، والذهاب الممل إلى العمل. العمل الذي أتمناه هو الكتابة. الاستيقاظ وأنا أفكر في القصة، والنوم وأنا لم أنته منها، هذا هو ما أرغب فيه، أن يغير الأدب واقعي، ويجعلني لا أعمل شيئاً إلا الانشغال به.
> كيف عملت على تعدد الرواة في «إيقاع»؟
– تدربتُ كثيراً. كتبتُ فصل كل شخصية على حدة، ثم اقتطعت بعض المشاهد، وأعدت تضفيرها في فصول أخرى. قدمتُ بعض الأحداث عند بعض الشخصيات، وأخَّرت أحداثاً أخرى، وهكذا. كان عملاً مرهقاً، يبعث على اليأس أحياناً، لكنني كنتُ مستمتعاً، لأنني شعرتُ أن هناك لعبة ما، ومتعة لن تكتمل إلا بالسطور الأخيرة. تعدد الرواة في «إيقاع» هو ما منح الرواية تناغمها حتى النهاية.
> ماذا قدمت لك الجائزة؟
– أنت لن ترضي كل الناس كل الوقت. جائزة مؤسسة الفكر العربي قدمت لي المجد الذي تستحقه «إيقاع»، والإنصاف لكتابتي. شعرت بسعادة هائلة لأنني فزت بجائزة خارجة عن المألوف، وغير متصارع عليها، ولا تحيط بها هواجس، أو تلاسنات. الجوائز دائماً ما تثير اللغط، والاستنكار، لكنني حينما فزت بجائزة الإبداع العربي، وجدت ما يشبه الاتفاق، على أنني أستحقها، وهذا أسعدني بالطبع.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة