.

غراهام سويفت يروي يوماً سعيداً من حياة خادمة

أنطوان جوكي

يحدث أن نشعر بروعة الكتاب الذي نقرأه منذ الأسطر الأولى. شعور نردّه إلى موسيقى، إلى وقعِ بضع كلمات عاديّة يتمكّن ترتيبها من نقلنا فجأةً إلى مكانٍ آخر، من جعلنا ننسى فوراً كل شيء وإيقاظ كل حواسنا. هذا ما ينتظرنا في الرواية العاشرة للكاتب الإنكليزي غراهام سويفت، «أحد الأمّهات»، التي صدرت ترجمتها الفرنسية حديثاً عن دار «غاليمار»، بعد أشهر قليلة من صدورها في لندن، وتشكّل تحفة فنّية صغيرة (140 صفحة) يتقاطع فيها السرد الحميمي مع ذلك الذي يميّز الكوميديا الأخلاقية، على خلفية تأمّلٍ مثير في فن الكتابة وفي الظروف التي يصبح فيها شخصٌ ما روائياً، وإن لا شيء في حياته كان يُنذر بذلك.
أحداث الرواية تنطلق في 30 آذار(مارس) 1924، في مقاطعة باركشير الإنكليزية الريفية حيث تعيش، من جهة، عائلات أرستقراطية ما زالت متشبّثة بامتيازاتها وماضيها العريق، ومن جهة أخرى، الخدم الذين يعملون في منازل هذه العائلات، كمدبّرة المنزل والطبّاخة والخادمة والحدائقي… وبما أن «أحد الأمّهات» يصادف التاريخ المذكور، تمنح هذه العائلات، مثل كل عام، عطلة لخدمها كي يزوروا أمّهاتهم.

سؤال القراءة
بطلة الرواية شابة تدعى جاين فيرتشايلد وتعمل خادمة في منزل الزوجين نيفين. وبما أنها يتيمة، نجدها في صباح ذلك اليوم مشتّتة وحائرة من أمرها. فهل ستمضي نهارها في القراءة (لأنها قارئة نهمة)، أم ستقوم بنزهة في الطبيعة على درّاجتها؟ وقبل أن تصل إلى قرار، تتلقى اتّصالاً من عشيقها، الشاب الثري بول شيرينغام، الذي يقترح عليها ملاقاته في منزل والديه حيث ما زال يعيش.
للمرة الأولى – والأخيرة – تكتشف جاين غرفة بول، لأن مواعيدهما السابقة كانت تحصل في أمكنة أخرى، ولأن عشيقها يتحضّر للزواج بعد أسبوعين من الشابة الثرية إيمّا هوبداي، ما سيضع حدّاً لعلاقتهما السرّية التي تدوم منذ سبع سنوات. لكن لا أهمّية لهذا التفصيل في ذلك النهار المشمِس، لأن العشيقين سيمارسان الحبّ بشغفٍ كبير، متساويين في عريهما ورغباتهما المتبادلة، وغير عابئَين بالمحظورات والحواجز الاجتماعية.
خلال هذا اللقاء السرّي المثير، تجهد جاين في تسجيل كل لحظة في ذاكرتها. ومع أنها تعي مآل علاقتها ببول، لكنها لا تدري بعد إلى أي حد يمكن للقدر أن يمازحنا فيقلب كل حساباتنا. وعن طبيعة هذه العلاقة، نقرأ داخل الرواية: «كانت تعرفه، وفي الوقت نفسه، تجهله. من جوانب معيّنة، كانت على يقين من أنها تعرفه أكثر من أي شخصٍ آخر، وإن كانت تدرك أن لا أحد يجب أن يعرف حدود معرفتها به. لكن هذه المعرفة كانت كافية لإدراكها الجوانب التي تصعب فيها معرفته. فهي تجهل مثلاً ما يدور في خلده الآن، أثناء تمدده عارياً قربها».
معجزة هذا اللقاء المثير والمؤثّر لن تدوم سوى بضع ساعات من ذلك الصباح، لأن على بول أن يتناول الغداء مع خطيبته التي لا يحبّها. ولذلك نراه، حين يأتي موعد رحيله، يرتدي ثيابه ببطءٍ شديد أمام جاين. مشهدٌ يصفه سويفت بأقل تفاصيله، كما لو أنه يسعى بذلك إلى مساعدة بول على تأخير اللحظة التي سيستقلّ فيها سيارته للافتراق نهائياً عن عشيقته. لحظة يرمي بول خلالها جاين بنظرة أخيرة «كما لو أنه يمتصّها، كما لو أنه يشربها حتى النقطة الأخيرة»، يكتب سويفت الذي يترك بطلته بعد ذلك تتنقّل عاريةً وبحرّية في ذلك المنزل الصامت والمليء بالسجّاد الثمين والكتب التي لم يفتحها أحد واللوحات التي لم تتأمّلها عين…
إنها قصة لقاء انتهاكي إذاً تلك التي يرويها الكاتب لنا في نصّه الأخير. لقاء يتحوّل تدريجياً تحت أنظارنا إلى استعارة ذات رمزية عالية لكونه يجمع شاباً وشابة بريئَين في إطارٍ عدني، خلال صباحٍ جميل ومشمِس يُقدِمان فيه على سلوكٍ محظَّر تشهد عليه تلك «البقعة الفاضحة» على شرشف السرير. بقعة لن تلبث أن تشكّل هاجساً يلازم جاين طوال ذلك اليوم، خصوصاً بعد تبلّغها خبر المأساة التي تقع بعد رحيل بول وتحكم عليها باسترجاع أسرارٍ لا يمكنها أن تبوح بها إلى أحد.

قدر الكتابة
لكن هذه الأسرار بالذات هي التي ستقرر قدر هذه الشابة السعيد، إذ لن تلبث جاين أن تغادر عملها كخادمة، بعد ذلك اللقاء، وتتوجّه إلى مدينة أوكسفورد للعمل في مكتبة، قبل أن تلبّي دعوة الكتابة وتصبح روائية. دعوة لا تفاجئنا حين نعرف شغفها بالكتب والكلمات، لكنها تنبثق خصوصاً من ذلك الشعور بالحرّية الذي اختبرته خلال «أحد الأمّهات» ونتج من ممارستها الحب مع عشيقها من دون إحساس بالذنب، ثم من «تنقّلها داخل منزله عاريةً كما جاءت إلى هذا العالم».
وفقط من ذلك النهار الحاسم في حياة جاين يستقى سويفت مادّة روايته الجميلة التي تتميّز ببُعدٍ مسارّي وينير معظم صفحاتها ضوء ذلك النهار الذي تتركّز فيه معظم أحداثها. أما الصفحات الأخيرة فيرصدها الكاتب لحياة جاين الغنية والطويلة بعد 30 آذار 1924، من أجل إظهار كم كان مفصلياً وجوهرياً ذلك النهار الذي تبلورت فيه شخصيتها ورغباتها وإرادتها. نهارٌ نعود إليه بانتظام داخل الرواية نظراً إلى طريقة تشييدها على شكل دوائر متراكزة تعكس كل موهبة سويفت السردية.
لكن قيمة «أحد الأمّهات» لا تقتصر على ذلك، بل تعود أيضاً إلى نصّها المصقول مثل جوهرة، وإلى المستويات المتعدّدة التي يتحلّى بها. فعلى خلفية وصفه مجتمعاً أرستقراطياً يعاني من انحدار في طريقة عيشه ويحمل نُدَب الحرب العالمية الأولى (موت الأبناء في هذه الحرب، ضرورة الاقتصاد في المصروف، وبالتالي تخفيض عدد الخدم، حلول السيارة مكان عربة الخيل…)، يصوّر سويفت بحساسية كبيرة يقظة امرأة وأيضاً ولادة كاتبة، مستعيناً بلغةٍ مكثَّفة وأسلوب شعري مقتضَب، وببراعته المعهودة في حبك نصٍّ يتحلّى كل تفصيل فيه، كل وقفة صمت، بدلالة مهمة.
وتكمن أيضاً قيمة هذه الرواية في تشكيلها برهنةً مُحكَمة لقدرة الروائي (أي روائي قدير) على ابتكار حياةٍ ومدّها بمعنى، وفي إظهارها أيضاً كيف يمكن ليومٍ واحد في حياة شخصٍ ما أن يغيّر قدره. وفي حال أضفنا التأمل العميق والثاقب في متعة القراءة وفن الكتابة وسيرورة السرد، لتبيّن لنا مدى غنى هذا العمل الذي لا نبالغ بقولنا إن صاحبه بلغ فيه قمة فنّه.
يبقى أن نشير إلى أن الطريقة الإيروسية الفجّة التي يقارب سويفت بها موضوع الجنس والرغبات تستحضر إلى أذهاننا رواية «على شاطئ شيسيل» (2008) لمواطنه يان ماك إيفان الذي يبتكر، مثله، حياةً كاملة فيها انطلاقاً من مُرَكَّز أحاسيس داخل وحدة زمنية قصيرة. لكن بقدر ما يطغى على هذه الرواية مناخاً رمادياً، بقدر ما تبدو رواية «أحد الأمّهات» مشبعة بالنور.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق