حوارات

القاصة الأردنية نسرين اختر خاوري: الترجمة نقل روح النص والحفاظ على صوت الكاتب

نضال القاسم

نسرين أختر خاوري مغامرة، اجتازت أطر المحلية منذ عقود، وقدمت العديد من الترجمات والروايات العربية للإنكليزية، معززة بمعرفة معمقة بالآداب العربية، وصلات واسعة بالأوساط العلمية والثقافية الأمريكية، حيث تعمل أستاذة للدراسات الشرقية والعربية في جامعة ديبول/شيكاغو، وقامت من خلال عملها الأكاديمي، وبالتعاون مع رابطة الكتَّاب الأردنيين بترجمة أعمالٍ إبداعية أردنية وقدَّمتها للقارئ الأمريكي، كان من أهمها ترجمة رواية الراحل تيسير سبول «أنت منذ اليوم» وترجمت في الوقت نفسه مجموعة «مشي» للقاص سعود قبيلات، كما قامت بترجمة ديوان «أحزان صحراوية» للشاعر الراحل تيسير سبول بالتعاون مع الشاعر الأمريكي من أصول أفريقية، أنثوني لي، وقامت بعد ذلك بترجمة ونشر رواية هاشم غرايبة، «القط الذي علمني الطيران». ولم تزل خاوري تحمل قدراً كبيراً من التفاؤل تجاه مستقبل الثقافة العربية رغم قتامة الواقع.
هنا حوار معها حول تجربتها الأدبية..
■ البداية الأولى في ترجمة الرواية العربية كانت مع رواية «أنت منذ اليوم» لتيسير سبول. كيف كانت هذه التجربة وبماذا تميزت هذه الرواية من وجهة نظرك؟
□ إنه أول نص عربي يمثل أدب «ما بعد الحداثة»، بما في هذا النمط من تعقيد وتفكك متعمد في السرد، وتوظيف لمرجعيات دينية وسياسية ضاربة في عمق التاريخ، تتميز أعمال تيسير ببعد إنساني مكثف وواقعية مجردة، تفيض بما تختلج به روح الكاتب المعذبة التي تتماهى على متن النص وتُغرق القارئ في تجربة مميزة. لقد فرض عليّ التعامل الوطيد مع الرواية، فوجدتني «متورطة» مع النص والكاتب معاً، كما قال (عتبة السبول) في مقدمة ترجمتي للرواية. لقد كنت خلال تلك التجربة، غارقة حقاً في دوامة المشاعر والآلام العامة والخاصة التي عرضها تيسير بشفافية باهرة.
■ هل تحتاج الترجمة إلى موهبة أم تكفي الممارسة والخبرة وما هي شروط المترجم الناجـــــح؟
□ تحتاج الترجمة الأدبية في رأيي إلى اختيار موفق للنص الذي يتوافق مع اهتمامات المُترجم والقدرة على فهم الكاتب ومعرفة مرجعياته وأفكاره والأيديولوجيات والحقبة التاريخية والثقافة التي ينتمي إليها. فالفهم العميق لسياق النص ضروري لنقل صــوت الكاتب ومشاعره بدقة وأمانة وصدق. وتساعد الخبرة والممارسة وإتقان اللغة المُترجم لها النص على تقديم الترجمة في لغة سليمة، ولكن المهم أن تكون الترجمة قادرة على نقل روح النص ومضمونه. فالمترجم الناجح كالرسام الواقعي الذي يرى منظرا باهرا فينقله لنا بكل ما لديه من حس فني ومهارة وخبرة.
■ ما هي معايير اختيارك للعمل الأدبي الذي تقومين بترجمته؟
□ على الصعيد العام، يهمني أن يكون للعمل بعد إنساني يمثل حقيقة الواقع الذي يعرضه، بدون حشو أيديولوجي مزيف، بغض النظر عن الفكر الذي يطرحه الكاتب، ويهمني في هذه المرحلة، الأعمال الأدبية التي تمثل الثقافة العربية بشمولها، وتتعرض لخصوصية المكان والشخصيات التي تطرحها بمهارة وإتقان. أما على الصعيد الخاص، فيهمني تقديم أعمال تحارب النمطية التي تقدمها وسائل الإعلام الغربية وبعض الأعمال المترجمة عن الإنسان العربي، كما يهمني أن تساهم ترجماتي في تعريف الغرب بتجربتنا العربية الإنسانية، أكثر من اهتمامي بالترويج لمرجعيات سياسية معينة، لأنني أؤمن بأن الأدب أقصر السبل لاكتشاف إنسانيتنا المشتركة ووسيلة لمد جسور تربطنا بالعالم بتنوعه وتعدده. أحب كل ما أترجم، وأكتشف النص بعمق أكبر حين أترجمه. أما بالنسبة لسهولة تفاعلي مع النص فكان ذلك في ترجمتي لـ»القط الذي علمني الطيران» التي تدور أحداثها في حقبة تاريخية عايشتها وأعلم تفاصيل ظروفها جيدا. كما أن لغة النص والحوارات فيه، تحمل دلالات مكان مألوف، فإربد حيث تدور أحدات الرواية، مسقط رأسي. ثم أن تمحور الرواية حول حق الفرد في حرية الفكر والمعتقد، ومعرفتي بالكاتب الصديق، هاشم غرايبة واحترامي لتجربته الشخصية جعل تفاعلي مع النص حميما للغاية، رغم بعض الفصول التي تصعب عليّ ترجمتها لخصوصية التجربة.
■ أحياناً تتم ترجمة بعض الأعمال إلى الإنكليزية ليس بسبب الجودة الفنية في الرواية، ولكن لأنها تلامس بعض الأمور المتعلقة ببيئة المكان. هل يشكل هذا الأمر هاجساً لك في الترجمة؟
□ أحاول أن أختار النصوص التي أترجمها بعناية بالغة، ويهمني في هذه المرحلة أن نترجم ما يعبر عن بنية المكان وناسه وثقافته، لذلك من الضروري أن يتم هذا من خلال نصوص فنيّة مُتقنة ومُحكمة، لأن غياب الجودة الفنيّة يشوه المكان والأحداث والسياق، ويقف عائقا في نقل التجربة الإنسانيّة بوضوح. وسبب اهتمامي بالمكان في الوقت الحالي هو حرصي على أن يتعرف القارئ الغربي على تنوعنا وجمال هذا التنوع الذي لا يختلف في جوهره عن تنوع الغرب نفسه حتى يصير بمقدور القارئ الأجنبي التعرف علينا من خلال المساحات المشتركة بيننا، كبشر مثله في تعددنا وخصوصيتنا بدل النمطيّة التي تفرضها وسائل الإعلام والترجمات المعهودة، خاصة في ما يتعلق بالحياة الاجتماعية ومكانة المرأة وطبيعة العلاقات السياسيّة والدينيّة ضمن الشرائح المتعددة في المجتمع الواحد.
■ كيف ترين واقع الساحة الثقافية الأردنية اليوم؟ وما الخلاصة التي خرجت بها كمترجمة لأعمال كثيرة من الأدب الأردني؟
إن الساحة الثقافية في الأردن زاخرة بالمواهب، التي لا شك عندي أن بعضها يضاهي أفضل ما كتب في الأدب العربي والعالمي، ولكن هذا لا يعني عدم وجود بعض الأعمال التي تحتاج لمزيد من النضج والتنقيح، وهذا طبيعي في أي وسط أدبي، خاصة بعد أن صار النشر ميسورا للكثير من الكتاب، دون توفر رقابة المراجعة الفنية الواعيّة واللازمة لضمان الجودة. ولقد لاحظت أن في الأردن جهودا ومشاريع ثقافيّة وأدبيّة ممتازة تساهم في إشراك الكُتّاب الشباب في العمل الأدبي ومؤازرتهم ودعم أعمالهم، ويبدو أن العمل مستمر في إنشاء مشاريع جديدة للتبادل الثقافي والفكري الحر، وتنشيط القراءة للجميع، خاصة لدى الاطفال والشباب. ولكننا نرى التأثير السلبي لما يمر به عالمنا العربي على المشهد الثقافي العربي، مما قد يؤثر سلبيا على تطور الحركة الأدبية في الأردن ويؤخر مسيرتها.
■ ماذا عن مشاريعك المستقبلية؟
□ أقوم الآن بترجمة أربعة أعمال أردنيّة وهي «القرمية» لسميحة خريس، «خبز وشاي» لأحمد الطراونة، «دروب الرمل « لسليمان القوابعة، ومختارات من أعمال غالب هلسا من ضمنها «زنوج وبدو وفلاحون» و«وديع والقديسة ميلاده» ستنشر هذا العام والعام المقبل ضمن سلسلة الأدب واللغة العربية التي أقوم بتحريرها. وتدعم وزارة الثقافة الأردنيّة، نشر هذه الأعمال بالتعاون مع دار نشر جامعة ولاية ميشيغان.
وآمل أن أترجم العديد من الأعمال الأردنيّة الأخرى بعد ذلك. كما سيصدر لي في اكتوبر/تشرين الأول من هذا العام مجموعة ثانية من ترجمة أشعار جلال الدين الرومي، بالتعاون مع أنتوني لي، وكما بدأنا العمل على المجموعة الثالثة في هذه السلسلة، التي ستضم بقية أشعار الرومي العربية من ديوانه المعروف بالديوان الكبير، أو ديوان شمس الدين التبريزي. وأملي كمحررة لسلسلة الأدب واللغة العربية لدار جامعة ولاية ميشيغان، أن أتبنى ترجمة أعمال عربية مميزة من دول قلّما تُرجم أدبها كالأعمال السورية، بما فيها أعمال المبدع حنا مينا. ثم إن هناك بعض الأعمال التي من الضروري ترجمتها لما ستضيفه لمحتوى معين من الأدب مثل «شرق المتوسط» لعبد الرحمن منيف وأهميتها لأدب السجون العالمي و«شجرة البابنوس» لعلاقتها بقضايا إنسانية عالمية معاصرة، بالإضافة للترجمة، أعمل على مشروع رواية تحكي واقع المرأة العربية بخصوصيتها وعالميتها، كما أقوم بإعداد كتاب عن التراث والثقافة العربية، وبعض الدراسات والتقارير المعنية بحقوق الإنسان والحريات العامة في العالم العربي.
وأعمل على العديد من الأبحاث الأكاديميّة والأدبيّة، أهمها مقالة عن أعمال الشاعرة الإيرانية، سجينة الرأي، مهوش ثابت. وفيها أقول إن الترجمة حرفة وفن، ومع أن الكاتب الذي يترجم قد يكون أقدر الناس على الترجمة لأن حسه الأدبيّ يساعده على استيعاب النص وتذوقه وفهم علاقة الكاتب بالنص، إلا أنّه من الضروري أن يحتفظ المترجم بصوت كاتب النص وعدم محاولة إعادة صياغته ليلائم مفاهيم المترجم، أو توقعات القارئ الغربي وذوقه، وأنا على ثقة تامة بأن هناك الكثير من أدبنا العربي الذي يصلح للعالميّة بجدارة.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة