متابعات ثقافية و فنية

تعالوا إلى مكتبة الأدب العالمي لنقرأ معا في الصيف

حسونة المصباحي

يتساءل القارئ دائما أي كتب يقرأها، وفق الفصل أو الحالة التي هو فيها. وفي فصل الصيف حيث ترتفع درجات الحرارة ويتغير نمط الحياة ليتمادى السهر والمسامرات، قد يغير القارئ من اتجاهه ويتناول الكتب الأقل تعقيدا.

بالنسبة إلي كقارئ اخترت لصيف 2017 بعض الكتب. الكتاب الأول هو سيرة الفرنسي شارل-موريس دو تالايران (1754-1838) الذي اشتهر مثل ماكيافيلي الإيطالي بمهارته الفائقة في التلاعب بخصومه السياسيين، وفي التخلص من المآزق السياسية القاتلة، وفي حبك الدسائس والمؤامرات الرهيبة. وقد كتب هذه السيرة الصادرة ضمن سلسلة كتب الجيب بعنوان “تالايران-الأخبار الأخيرة للشيطان” المؤرخ الفرنسي إيمانويل دو فاريسكيال.
في البداية، كان تالايران الذي سيلقب في ما بعد بـ”الشيطان الأعرج”، لعرج في ساقه اليسرى، رجل دين مهاب الجانب. لكن حالما اندلعت الثورة الفرنسية في عام 1789، ترك الكنيسة، وألقى بنفسه في نيرانها الملتهبة ليكون أحد الفاعلين الكبار في أحداثها وتقلباتها ومجازرها.

فقد ترأس البرلمان، وتقلد مناصب رفيعة. ولما أحس بالمخاطر المحدقة بحياته في عام 1793، “عام الإرهاب الكبير”، فر إلى بريطانيا ليواصل حبك مؤامراته من لندن. ومن هناك توجه إلى الولايات المتحدة الأميركية ليعيش سنوات عسيرة كان مجبرا خلالها على التنقل بين مختلف المدن طامعا في الحصول على الثروة. وعند عودته إلى فرنسا، وجد نفسه من جديد في قلب الأحداث السياسية.

فكان سفيرا، ووزيرا للخارجية في عهد نابليون بونابرت الذي كلفه بإدارة المفاوضات العسيرة مع الدول الأوروبية ليظهر قدرته الدبلوماسية المذهلة. إلا أنّ نابليون سرعان ما ضاق ذرعا به. وأمام وزرائه المدهوشين، صرخ فيه قائلا “أنت لص، وجبان، ورجل بلا إيمان ولا عقيدة. وأنت لا تؤمن بالله، وفي كل مراحل حياتك، أنت خنت واجباتك الوطنية، وخنت الجميع، وبهم تلاعبت كما تشتهي وتريد. وأنت مستعد لأن تبيع والدك من أجل مصالحك”.

وفي المقدمة التي خصصها لسيرته، كتب عنه ايمانويل دو فقارسكيال يقول “ليس من السهل أن نطيح بتالايران. فقد أدار شؤون حياته بمهارة وذكاء، وأتقن أسلوبه، ونظم ذاكرته بحيث لم يترك لخصومه أي منفذ لمهاجمته والانتقام منه. لذلك كان مدرسة خاصة في فن السياسة والدبلوماسية. وكان أيضا مخبرا للتدريب على المفاوضات العسيرة والمضنية”.
الكتاب الثاني الذي اخترته هو سيرة الشاعرة الروسية الكبيرة مارينا تسفيتاييفا (1892- 1941) الصادرة هي أيضا ضمن سلسلة كتب الجيب بعنوان “مارينا تسفيتاييفا- العيش وسط اللهب- اعترافات”.

وفعلا يمكن القول إن هذه الشاعرة التي كانت تتمتع بجمال مبهر، عاشت حياتها من البداية إلى النهاية وسط اللهب، وتعرضت لمخاطر جسيمة في أكثر من مرة، وكتبت قصائدها تحت تأثير أوجاعها وآلامها التي لم تكن تخفّ إلاّ لكي تزداد ضراوة وقسوة. ويعود الفضل في تجميع النصوص التي كتبتها مارينا تسفيتاييفا حول سيرتها إلى الناقد الكبير تودوروف الذي رحل عن عالمنا هذا العام.

وفي المقدمة كتب يقول “مارينا تسفيتاييفا واحدة من أكبر الكتاب في القرن العشرين. وكان مصيرها من أكثر المصائر تراجيدية. وطوال حياتها لم تكف هذه المرأة المفرطة الحساسية عن الاعتراف. وكانت تفعل ذلك عبر الرسائل المرسلة إلى أصدقائها المقربين، وإلى آخرين عادة ما يكونون مجهولين”.

وكانت مارينا تسفيتاييفا المولودة في موسكو عام 1892 لا تزال صبية لما رافقت عائلتها في رحلة إلى إيطاليا وسويسرا وألمانيا لمعالجة والدتها المصابة بالسل. وكانت في الثامنة عشرة من عمرها لما أصدرت مجموعتها الشعرية الأولى بعنوان “ألبوم المساء”.

وفي سن العشرين تزوجت من طالب في نفس سنها، وأنجبت بنتا سمتها أليا. ولم يمنعها زواجها من أن تعيش قصص حب مع رجال، ومع نساء أيضا. وبعد اندلاع الثورة الروسية في خريف 1917، واجهت تقلبات وعواصف عاتية أفسدت حياتها، وجعلتها تعيش المصاعب تلو المصاعب. فقد انخرط زوجها في صفوف المقاتلين البيض المعادين للبلاشفة.
أما هي فقد ظلت تعيش مع ابنتها في موسكو التي ضربتها المجاعة. في عام 1922، تركت روسيا لتعيش سنوات طويلة بعيدة عنها. وفي هذه الفترة ارتبطت بعلاقة صداقة متينة مع الشاعر الألماني الكبير راينار ماريا ريلكه، ومعه سوف تتبادل رسائل حب.

وعند عودتها إلى موسكو في أواخر الثلاثينات من القرن الماضي، ألقي القبض على زوجها وعلى ابنتها بتهمة “التجسس”. وعندما غزا الجيش الألماني بلادها، فرت من موسكو لتضع حدا لحياتها في أواخر شهر أغسطس 1941. وقبيل انتحارها، كتبت تقول “رمادي سيكون أشد حرارة من حياتهم”.

الكتاب الثالث هو سيرة الكاتبة والمفكرة الألمانية الشهيرة لو أندرياس-سالومي (1861- 1937) التي أنجزها دوريان أستور. وكانت لو أندرياس- سالومي تحب أن تقول عن نفسها إنها “فكر حر”. ومرة كتبت تقول “أن أكون وحيدة، وأن أعيش مكتفية بعالمي الداخلي، ضرورة أشد قوة وإلحاحا من العلاقة مع الحرارة الإنسانية”. إلاّ أنّ ذلك لم يمنعها من أن تعيش حياتها من سنوات شبابها وحتى سنوات شيخوختها مع مشاهير رجال عصرها. فقد كانت المرأة الوحيدة التي عشقها نيتشه، ومعها كان يحب أن يخوض في أكثر المسائل الفلسفية صعوبة وتعقيدا.

في سن الثلاثين، ارتبطت بعلاقة صداقة مع الشاعر راينار ماريا ريلكه، وبرفقته سافرت إلى روسيا للقاء ليو تولستوي في ضيعته الريفية. وفي سن الأربعين، تعرفت على سيغموند فرويد لتشاركه تجاربه في الطب النفساني. وقد كتبت لو أندرياس- سالومي الرواية والدراسة النقدية والفلسفية.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة