سينما و تلفزيون

الموال القصصي في السينما المصرية: حكايات تحقق أحلام الجماعة الشعبية وتمجد بطولتها المفتقدة

محمد عبد الرحيم

«دا أنا واخد عليكي يا حكومة تلاتة نيشان/أول نيشان سلاح كتير منك لمَيت/تاني نيشان بالشمع نوّرت لك ظلام البيت/تالت نيشان في طريق تاني ولفيت لك/عربي إنجليزي فرنساوي بكل لسان كلمتك/وقلت لك أنا الأدهم يا حكومة ولا فهمتيش». (من موال أدهم الشرقاوي).
لا ينبع الموال الشعبي من فراغ، لكنه حكاية طويلة متوارثة، ينقلها المؤدي الشعبي شفاهة إلى مجموعة من الناس، يجسد من خلالها أحلامهم وتوقعاتهم، ومدى رؤاهم الاجتماعية والأخلاقية. وبينما تتواتر الحكايات وينضاف إليها من خيال الراوي وبعض تفاصيل الوقائع، يُنتج الموال أثره في النفس، وتتجلى البطولة الإنسانية في أنقى صورها، بعد سلسلة طويلة من التضحيات والعذابات الحياتية. ورغم اختلاف البيئات الاجتماعية، إلا أن الحكاية الشعبية تحقق مغزاها باختلاف هذه البيئات ــ نتحدث عن مصر ــ كحكاية (حسن ونعيمة)، ومأساة (شفيقة ومتولي) في جنوب مصر، وبطولة (أدهم الشرقاوي) في شمالها، على سبيل المثال. وكان للسينما المصرية نصيب من تجسيد بعض من هذه الحكايات، خاصة أنها تحمل صراعاً درامياً، وسرداً مُحكماً يصلح لعمل فيلم سينمائي، إلا أن السينما حاولت أن تأخذ من الحكاية الشعبية نصاً تصوغ من خلاله أفكارها، تبع المرحلة التي صنع فيها الفيلم، كالابتعاد عن حياة القصور والمدن، والاقتراب أكثر من حياة الفلاحين، وبالتالي إعطاء الفرصة لسماعم أصواتهم، ورؤية أنفسهم على الشاشة، ولو بمقدار. العديد من هذه الموضوعات يناقشها كتاب «الموال القصصي في السينما المصرية»، لمؤلفه محمد أمين عبد الصمد، الصادر حديثاً عن الهيئة العامة لقصور الثقافة في القاهرة، ضمن سلسلة الدراسات الشعبية.

التعريف والوقائع التاريخية

هناك العديد من التعريفات التي حاولت أن تصوغ تعريفاً علمياً للموال القصصي، ورغم التباين في هذه التعريفات، يحاول المؤلف بدوره استخلاص تعريف يجمع بينها، فيذكر أن الموال القصصي هو «قالب غنائي شعري شعبي، يحكي قصة ما، بشكل متسلسل، ويأخذ في نظمه هيئة الموال التقليدي، وفي روايته لا يهتم بالتفاصيل أحياناً، ويستند في حكيه إلى قصة حقيقية يستلهم منها أحداثه ووقائعه». فالموال القصصي يركز على حدث واحد، تشترك معه سلسلة من الأحداث الفرعية تعطي الموال شكله النهائي، وتوجه معظم الأغاني الانتباه إلى واقعة درامية مفردة، تواجه فيها وبسببها الشخصيات بعضها بعضا. كما أنه من ناحية أخرى يحكي عن الغائب دوماً، سواء البطل أو الحدث، ومن السمات أيضاً أن الموال مهما طال، فهو يحكي قصة قصيرة، فهو أقرب إلى الحدوتة/الحكاية الشعبية، منه إلى السيرة الشعبية أو الملحمة. ويؤكد المؤلف أن الموال القصصي ظهر في بدايات القرن العشرين، فلم يذكر مؤرخو الأدب والمستشرقون هذا الشكل الحكائي في كتاباتهم. ويدلل على ذلك بأن جميع الحوادث التاريخية التي استلهم منها الموال قصته، تنتمي للقرن العشرين، كأدهم الشرقاوي، ياسين وبهية، شفيقة ومتولي، حسن ونعيمة، وغيرها من القصص.

البحث عن بطل

يبدو أن الظرف السياسي هو أحد أهم أسباب ظهور الموال القصصي، فالجماعة الشعبية كانت تبحث عن بطلها، ورغم كونه لصاً في بعض الأحيان، إلا أنه يكفي خروجه عن السلطة ومواجهتها، ليكتسب صفة البطولة والمصداقية لدى الجماعة، فكانت عملية البحث عن بطل هي الأساس، حتى لو شاب الحكي الكثير من المبالغات، أو الأمنيات والتعظيم، كما تفعل مخيلة الجماعة المقهورة دوماً. فمن (أدهم الشرقاوي) حتى (محمود سليمان) البطل الحقيقي لرواية «اللص والكلاب» لنجيب محفوظ، كان الاحتفاء والتمجيد بالبطل الخارج عن النظام والتقاليد الجائرة. فالوجدان الشعبي اختار لصاً وجعله بطلاً ليسخر من الحاكم الظالم.

السينما والموال القصصي

قدمت السينما المصرية خمسة أفلام مأخوذة عن المواويل القصصية، هي على الترتيب «حسن ونعيمة» 1959، معالجة عبد الرحمن الخميسي وإخراج هنري بركات، «بهية» 1960، معالجة يوسف السباعي وإخراج رمسيس نجيب، «أدهم» 1964، عالج الحكاية سعد الدين وهبة، وإخراج حسام الدين مصطفى، «شفيقة ومتولي» 1978، صاغ الحكاية صلاح جاهين وإخراج علي بدرخان، وأخيراً فيلم «المغنواتي» 1984، المأخوذ عن موال حسن ونعيمة، وكتب معالجته الدرامية يسري الجندي، وأخرجه سيد عيسى.
الحكايات والإسقاط السياسي
من هذه الأعمال لنا أن نستنتج ماهية توقيت تقديمها، فبعد حركة يوليو/تموز 1952، كان لابد أن يرى الشعب بطولته على الشاشة ــ بخلاف الأفلام السابقة التي كانت تظهر الفلاح المصري وكأنه أحد ساكني الريف الإنكليزي ــ وكان لابد من بطل شجاع، ولابد من خصم ظالم، فكان الفلاح في مواجهة العصر البائد، الباشاوات وقوى الاحتلال، ذلك كما في فيلمي (أدهم) و(بهية). أما (حسن ونعيمة) فالأمر أكثر رومانتيكية، وهو يبدو كضرورة لمراجعة بعض القيم البالية، والانتصار لقيمة أسمى، وهي الحب. ثم (شفيقة ومتولي) في نهاية السبعينيات، وأن جميع الظروف السياسية والاجتماعية وقتها كان ــ ولم يزل ــ يضربها الفساد، فالجندي الشريف، ممثل القيم لابد من التخلص منه، حتى يواصل الفاسدون الحياة. وكما بدأ الأمر بـ(حسن ونعيمة) انتهى بحكايتهما كما في (المغنواتي) الذي انتصر لنهاية القصة، كما في الموال الأصلي لها، وهو مقتل حسن على يد أهل نعيمة، بخلاف حالة التصالح الملفقة، التي اختطها الخميسي حفاظاً على الروح الرومانتيكي للمرحلة التي صنع فيها الفيلم. فالمغنواتي يتخذ من الأربعينيات زمناً، ويحاول أن يجعل من حسن مطرباً لديه بعض الوعي، فوطنه محتل، وهو يغني للسكارى من جنود الاحتلال، ويشعر بمأساة وجودية، قبل التورط في الحب مع نعيمة، وتكون نهايته. هذا الفيلم يسقط بظلاله على السبعينيات وأثرها، وقد أصبحت مصر بعد تحوّل وجهتها كما كانت في أربعينيات القرن الفائت، سلطة فاسدة ومحتلا جديدا.
ونجد أن الموال القصصي بدأ سياسياً وانتقل إلى السينما ليعبّر بدوره عن الرؤى السياسية المختلفة، فلو أعدنا سينمائياً بعضا من هذه المواويل الآن، سيصبح أدهم بطلا من أبطال ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 ــ في حال موافقة الرقابة ــ أو يصبح حسن مغني 30 يونيو/حزيران.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق