متابعات ثقافية و فنية

منتدى في برلين يرصد الكتابة في المنفى: نصوص وأسئلة حول الأدب العربي وأثر الثقافة المستضيفة

رشا حلوة

اختتم مساء الثلاثاء الماضي، 12 تموز/ يوليو 2017، منتدى «كتابة (في) المنفى ـ منتدى في الأدب والكتابة والحياة»، الذي نظمه على مدار يومين في برلين، الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق)، بالتعاون مع مؤسسة «هينرش» ـ بُول ومؤسسة «أوروبا في الشرق الأوسط والشرق الأوسط في أوروبا».
ووفقًا للتعريف الرسمي عنه، فهو «خُصص لرصد العلاقة بين نشاط الكتابة واختبار العيش في حياة الهجرة والترحال، أكان الأخير اختياريًا أو قسريًا، كما بين الأدب العربي في المنفى والثقافات المستضيفة. فعلى مدى أكثر من نصف قرن من يومنا، بات أدب المنفى الذي أنتجه كتاب غادروا العالم العربي إلى أوروبا أو أمريكا يشكل نوعًا بالغ الاتساع، ومتعدد النبرات والاتجاهات، وساهم في طمس الحدود وتغييرها وتوسعها بين الأدب العربي والآداب الأخرى».
على مدار يومين، تنوعت جلسات المنتدى التي حضرها كتاب وكاتبات، شعراء وشاعرات، أكاديميون وأكاديميات عرب مقيمون في أوروبا وخارجها، وكذلك أوروبيون، ما بين جلسات حوارية حول مواضيع متعلقة بأدب «المنفى»، وكذلك بين قراءات حية لكتاب وشعراء عرب، سوريين وفلسطينيين وعراقيين ومصريين ولبنانيين، مقيمين في أوروبا وأمريكا، سواءً اختيارًا أو قسرًا، لسنوات طويلة أو مؤخرًا. وكانت عناوين الجلسات في المنتدى: «مداميك الأدب وضمائر الضيوف والأطياف»، «الكتابة والتدوين والمنفى»، «لسان الذات ولسان الأم» و»اللغات الأم وعوالم البين بين».

«لا نكتب عن الناس بل نكتب بهم ومعهم»

افتتح المنتدى صباح يوم الاثنين، 11 يوليو، بمحادثة ما بين الأديب الياس خوري والكاتب والمترجم فاروق مردم بيك بعنوان «المنفى والأدب العربي». في حديث خاص مع الياس خوري، عن المنتدى ومضامينه بعد اختتامه، قال: «المنتدى مفيد. أنا استفدت وأصبت بالذهول، لأني اكتشفت بشكل ملموس بأنك كلما ارتطمت بالأدب، يمكن أن يعطيك الأدب فكرة أكثر حقيقة من الحقيقة. اكتشفت أن سوريا لم تعد في سوريا، هذا البلد شعبه مطرود بالكامل، حتى أولئك الذين بقوا فيها، هم مطرودون منها. نحن أمام واقع لا سابق له، حتى في حالة فلسطين، لم تستطع الصهيونية أن تطرد فلسطين من فلسطين. يبدو أن في سوريا هنالك ظاهرة مختلفة، هذه الأنظمة الاستبدادية العربية، تستطيع أن تطرد البلد من البلد، حتى من بقي فيه، ليسوا هناك. هذا الواقع أذهلني وأحزني وأشعرني بالذنب. لأننا نشهد مآسي تمر فيها بلاد الشام والعراق، ونحن غير قادرين على أن نفعل شيئًا. من ناحية أخرى، وبما يتعلق بالأدب، من الواضح أن هنالك تجربة أدبية لم تتبلور بعد، ومن سابق الأوان والكلام عن كيف سيتخذ أشكاله، وما هي علاقة هذا الأدب، ليس بجمهور القراء العرب وحسب، بل باللاجئين؟ ما هي علاقته بالناس الذين يُكتب عنهم وبهم؟ لأننا لا نكتب عن الآخرين، إنما نكتب بهم ومعهم. السؤال هو، ماذا سينتج عن جمهور الملايين والمشردين والفقراء في أوروبا؟ الكتاب الذين أتوا إلى ألمانيا ككتاب، ممكن أن تحصل تحولات كبرى على نتاجهم الأدبي، ولكن في رأيي هنالك نتاج غامض موجود في قلب حالة اللجوء هذه. النقطة الأخيرة هي أن المُعبر الأكبر عن التجربة، هو الصمت، أي وأنا أستمع إلى المداخلات والنصوص، ورغم ضجيج النصوص التي قُرأت، كنت شاعرًا بأن النص الخفي الذي يختبئ خلف كل هذه النصوص هو الصمت، وربما الصمت هو النص الأكثر بلاغةً في حالات الانهيار الكبيرة التي تعيشها الشعوب والمنطقة».

«الخلط بين المنفى واللجوء»

في حديث مع الباحثة زينة الحلبي، وهي أستاذة مساعدة في الأدب العربي في الجامعة الأمريكية في بيروت، حول انطباعاتها عن المنتدى وعن بعض المواضيع التي طُرحت فيه، قالت: «تضمن المنتدى مداخلات وقراءات لكتاب تحدثوا عن تجاربهم في المنفى، وآخرين عن كتابات كتبوها في المنفى، وهنالك أوراق تطرقت إلى معنى الكتابة في المنفى وما يعني المنفى وكذلك اللجوء، وهنالك من تطرق إلى موضوع الكتابة بلغته أو بلغة أخرى. ومن بين ما لفتني في المنتدى هي الكتابات التي تنظر إلى المنفى من جديد، حيث هناك خلط أيضًا بين مفهوم المنفى ومفهوم اللجوء، وهذا باعتقادي أمر حديث، فتاريخيًا كان هناك فصل بين المفهومين، فالأول له علاقة بالمنفى الشخصي الذي يحصل عادة مع المثقفين، ويأتي لأسباب سياسية متعلقة بالفرد، والثاني يحدث أكثر ضمن حالات جماعية لها علاقة بمواضيع كالأمن والحروب. ينتهي الفرق بأن في بلد ما هناك لاجئين ومنفيين، وهنالك من يعيش هذه الخسارة ليحولها إلى رأسمال ثقافي وأمر محفز على الكتابة والإبداع. وعلاقة المبدعين واللاجئين هي مختلفة، تاريخيًا كان هناك فصل فكري بين الحالتين، وما نراه الآن هو استخدام الكلمتين بشكل متوازٍ، هذا أمر لافت ويثير أسئلة حول التشابه بين المنفى واللجوء وعلاقتهما بموضوعي الفقدان والكتابة، وطبعا يحتاج إلى متابعة وأبحاث أكثر. الأمر الثاني هو حول إشكالية الترجمة، وعلاقة هذا الشأن بالمكرس الأدبي. نشهد الآن اهتمامًا متزايدًا بالكتاب السوريين المنفيين واللاجئين، تُترجم نصوصهم وتتم دعوتهم إلى مؤتمرات عديدة، السؤال الذي طُرح في المنتدى، هل تأتي هذه المبادرات بسبب نوعية الكتابة أم للسبب السياسي؟ هنالك إشكالية في من يتكرس ومن يُكرس من. موضوع آخر طُرح، يتمحور حول الكاتب الذي يكتب بلغة ليست لغته الأم، ويعمل في حقل أدبي غير عربي، الإشكالية التي تحدث مع طرح فكرة عودته إلى حقله الثقافي الأصلي، هنالك مقاومة ضدها، فالعودة غير سهلة. ما لفتني أيضًا هو حضور أنواع أدبية غير محصورة على الشعر أو الرواية، هنالك تجارب لم تكن لتظهر لولا تفكك الحقل الثقافي العربي اليوم، وهنالك انفتاح على حقول ثقافية أخرى لم يكن بالإمكان تجريبها من قبل، هنالك تجارب جديدة ليست بالضرورة أن تكون كلها جيدة أو ناجحة، لكن هي بمثابة خطوة إلى الإمام بالإمكان البناء عليها».

«العمل الثقافي هو رد مباشر على الحدود»

وجاء المنتدى ضمن برنامج أكبر يعمل عليه الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق) بعنوان «المنتدى العربي الأوروبي الإبداعي»، وهو، حسب ورقة تعريفه «برنامج متعدد الاختصاصات، يهدف من خلال نشاطاته الثقافية والفنية إلى التصدي للوقائع المقلقة التي تشهدها أوروبا، تحديدًا الجموع المتزايدة من المواهب المبدعة المهجرة وصعود النزعات المعادية للأجانب وردود الفعل العدائية الناتجة في سياقها».
وفي حديث مع المديرة التنفيذية للصندوق العربي للثقافة والفنون، ريما المسمار، حول فكرة تأسيس المنتدى، قالت: «تدعم آفاق منذ زمن الفنانين العرب في كل مكان، وكذلك في المنفى، سواء جاء ذلك باختيارهم أو فُرض عليهم. لا حدود أو شروط لدينا على مكان إقامة الفنان العربي، وماذا يفعل وأي جواز سفر يحمل، شكل العمل هذا هو عابر للحدود، وهو قائم منذ تأسيس آفاق. نحن كمؤسسة، نهتم بدعم الفنانين ونكون حريصين دومًا ومعهم على حرية تعبيرهم وعلى اكتشاف أساليبهم الفنية والحفاظ على فردية كل منهم بالعمل، وهذا الوقت هو الأكثر مناسبة لأن نكمل طريقنا. وبالطبع، القضية السورية هي الأقرب الآن، التي رافقتها أسئلة حول مضمون عملنا؛ هل نعمل على برامج لها علاقة باللاجئين والفنانين المنفيين؟ وبقينا حتى عام 2016 ندعم الفنانين في كل أماكن تواجدهم. ومع بداية 2016، توسع الحديث، خاصة في ظل غياب أي تحرك لحكومات وجهات عربية رسمية، تجاه مناقشة أو طرح أسئلة لها علاقة بموجات الهجرة الكبيرة إلى أوروبا، ومع غياب هذا الدور، رأت آفاق، كمؤسسة عربية، بأنه عليها أن تأخذ على عاتقها دورًا ما، وشعرنا بأنه بإمكاننا أن نكون مؤثرين في هذا الشأن، بل أن نغير المضامين التي نعمل عليها، إلا أن نشاطات عديدة ستكون في بلاد يعيش فيها اليوم عدد كبير من الفنانين والمثقفين المنفيين، وكل الهدف هو توفير منصة لتقديم الإنتاج الإبداعي العربي، للعمل على موازنة بين هؤلاء الفنانين الحاملين لثقافة وتاريخ، ولديهم ما يقدمونه، والأوروبيين، وتطوير جهود مؤسسات عربية وأوروبية وتوفير مكان للالتقاء ضمن حقل الثقافة والفن، فبدأت النشاطات من ألمانيا، لأنها كانت تجربة إيجابية باستقبال الوافدين، فوجدنا مؤسسة ألمانية مرحبة بالفكرة، لأنه لا يمكننا تنظيم مثل هذا النشاط بلا شريك ألماني».
لربما، ليست هناك مدينة عربية قادرة اليوم على استضافة هذا التنوع ما بين الجنسيات العربية أو الكتاب العرب في مكان واحد، وفي إجابة عن السؤال حول كيف تواصل مؤسسة ثقافية مثل «آفاق» عملها ضمن واقع عربي مليء بالحدود والاستبعاد والتهجير والنفي. تقول ريما المسمار: «أعتقد أن العمل على الثقافة والفنون هو رد مباشر على هذه الحدود الموجودة. هذا لا يعني بأنها ستُلغى، لكن يعني أن الفعل الإبداعي فيه مقاومة عضوية لهذا الواقع. وما نراه اليوم من لقاءات بين فنانين وتعاون مباشر فيما بينهم وجهًا لوجه، أو من خلال وسائل التواصل الافتراضية، كلها ردود على هذا الواقع. على الرغم من أن الفعل الإبداعي لا يُصنع ليكون ردًا عليه، لكننا قادرون على تجاوز هذه الحدود التي تعمل الأنظمة الديكتاتورية والظالمة على تذكيرنا فيها طوال الوقت وبانتهاكاتها. لدينا صعوبة أحيانًا بعقد منتديات ومؤتمرات يحضرها كل المدعوين من بلاد مختلفة، لكننا نتحايل أحيانًا على هذا الواقع، وتساعدنا التكنولوجيا بذلك. بالتالي، نتعامل مع أنظمة وأجهزة هي رقابية بطبيعة الحال، أكثر مما هي موجودة لخدمتنا، وكل تجاوز لهذه الظروف هو فعل مقاومة».

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة