.

نظرة عراقية على تحولات السرد والشعر

علي حسن الفواز

يعيدنا كتاب الناقد فاضل ثامر “الصوت الآخر/ الجوهر الحواري للخطاب الأدبي” إلى عتبات التعلّم النقدي، وأهمية أن يملك الناقد، بوصفه قارئا، رؤية واضحة لتاريخ الكتابة النقدية، ولتحولاتها المعرفية، والمنهجية، ولآليات ما تقترحه من أطروحات تُحفّز ميكانزمات القراءة والتلقي.
تجريب الكتابة

قدم ثامر في كتابه، الصادر بطبعته الثانية عن دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد، نصا أقرب إلى سيرة الناقد الثقافية وإلى تمثلاتها المعرفية التي تخصّ تحولات الناقد، ورؤيته لما هو مغاير ومثير في أسئلة الحداثة، وفي اشتغال مفاهيمها ومقارباتها السوسيوثقافية، فضلا عن احتوائه على بابين رئيسيين، توزّعا على تسعة عشر مبحثا، تناول فيها الكاتب محاور “الصوت الآخر” في الخطابين القصصي/الروائي والشعري، بوصف هذا الصوت تقانة إجرائية وظّفها النقد العراقي المعاصر في سياق مجرى الإشكاليات النقدية.

وضع الناقد مبحث استقصاء تطور الرواية البوليفونية ونزعتها الحوارية مدخلا للحديث عن أهم التحولات التي واجهتها السردية المعاصرة، من خلال مقاربة إشكالاتها التاريخية والثقافية، واهتمام الدارسين والنُقّاد بها عبر مقاربة أطروحات أوسبنسكي وليون سومرليان وميخائيل باختين وغيرهم، وكذلك من خلال التعريف بظواهر الكتابة السردية/ الروائية وتحولاتها “من رواية الصوت الواحد إلى الرواية متعددة الأصوات”، وهو مجال انحنى على الكثير من المتغيرات، التي استنطقها الناقد، كاشفا عن مجال رؤيتها، وعن جهازها المفاهيمي والاصطلاحي، وحتى عن مرجعياتها الأيديولوجية والنفسية و”الزمكانية” على مستوى الروايات العالمية والعربية.

أسبغ الكاتب على تمثلات السردية العراقية لتقانات النزعة الحوارية، وللرواية متعددة الأصوات، تلوينات واضحة من خلال مقاربته لروايات غائب طعمة فرمان؛ “النخلة والجيران”، و”خمسة أصوات” ورواية فؤاد التكرلي “الرجع البعيد”، ولنزعة التجريب وتقاناته في الستينات من القرن الماضي، إذ مع “صعود الموجة الستينية في الأدب، راحت تتضح وتتكامل العناصر البوليفونية في الرواية العراقية، وظهرت نتيجة ذلك بعض الأعمال الفنية التي تنتمي إلى الرواية متعددة الأصوات”.

حاول الكاتب أنْ يقترح لهذه المرحلة مستويات من القراءة، ترتبط سياقاتها بـ”انبثاق التيار التجريبي في القصة الستينية” ومع جملة من التغيرات التي عاشتها في الواقع السياسي والاجتماعي، والتي جعلت القاص والروائي أمام لعبة تلفيق وتهويم معقدة، تلك التي استغرقته في عوالم الهواجس الذاتية، وعوالم الفنطازيا والأسطورة والميثولوجيا والتخييل كما في كتابات محمد خضير، وجليل القيسي ومحمود جنداري وجهاد مجيد، وأحمد خلف، مقابل اجتراح مستويات بنائية تتعلق بتوسيع مديات “المنحى التجريبي في القصة”، وفي الرواية في مرحلة لاحقة، حيث بدت تقانات عديدة مثل “البحث عن الغائب” و”التحليل المورفولوجي” و”تحفيز الوحدات الوظيفية” و”الشكل الدائري لبنية المتاهة” و”المروي له في البنية السردية” و”ثنائية المبنى الحكائي/ المتن الحكائي”، أكثر تعبيرا عن رؤية الكاتب وحساسيته إزاء “الانفجار النقدي والنظري والمعرفي الواسع، والانهماك بشكل جدي في عملية إعادة تشكيل رؤياه النقدية في ضوء كشوفات العصر الكبرى”.

لم يغفل الكاتب وهو يتمثل تقانات التجريب الروائي والقصصي العراقي عن مقاربة بعض التجارب العربية، فهو يضعنا أمام تصورات حاكمة، تشترط لتقاناتها السردية نزوعا وظائفيا يشتبك فيه ما هو واقعي، مع ما هو تجريبي.
تجارب ومغامرات

يظل فضاء القصيدة الستيني بنزعاته التجريبية هو الأفق الذي حاول من خلاله ثامر أن يرسم مقارباته النقدية لمفهوم الحوار مع الآخر، عبر توصيفه لمفهوم القصيدة المغايرة، وعبر النظر في اشتغالاتها التصويرية، واستشراف نزعتها الثورية في التجاوز، واستلهام رؤيتها المتعالية للغة، والفكر، والحلم والانزياح، فهذه القصيدة تحوّلت إلى أنموذج لتجاوز عقدة الحداثة الأولى، وللانفتاح على مفهومات الجدّة في الشعرية، وفي خطابية القصيدة، وفي تنوع أجناسها، بدءا من تجربة الرواد بأسمائها المعروفة، وليس انتهاء بقصيدة الستينات التي أثارات الكثير من الإشكالات، على مستوى المبنى الشعري، وتغريب وظيفة النمط، أو على مستوى الحماسة المفرطة نحو التشكّلات الكتابية الجديدة كما في قصيدة التمسرح وقصيدة النثر وقصيدة الصورة.
يطرح الكاتب آراءه حول نظرته إلى مفهوم التحديث الشعري من خلال قراءته “القصدية” لتجارب جماعة “شعر” وجماعة “الآداب البيروتية” بتمثلاتهما الأيديولوجية والفنية، إذ يجد في التصعيد الذي ابتكرته جماعة شعر مثالا للتعالق بين المغامرة الشعرية الجديدة وبين مرجعياتها في الآداب الأخرى، لا سيما الفرنسية بشكل خاص، وعبر ترجمة كتاب سوزان برنارد “قصيدة النثر من بودلير إلى عصرنا”، مقابل تأثر العديد من الشعراء ومنهم السياب ونازك الملائكة وتوفيق الصايغ بالتجربة الإنكليزية والأميركية عند ت. س إليوت، وعند أديث ستويل ووالت ويتمان. لكن أثر سوزان برنار هو الأكثر حضورا، والأكثر تعبيرا عن هوس الشعراء بالتمرد على النمط الإيقاعي التقليدي، وحتى التفعيلي للقصيدة.

انحياز الكاتب إلى شعراء مرحلة ما بعد السياب يكشف عن رغبته في التعرّف على الطبيعة الأجناسية للقصيدة الجديدة، والتي مهّدت الطريق -كما يرى الكاتب- للمرحلة القادمة، وهي الأكثر صخبا في التجربة الشعرية العراقية، فقصائد الشعراء رشدي العامل ويوسف الصائغ، وما تحمله من هاجس مبكر للتجديد، ولتوسيع أفق البناء التفعيلي/ العروضي، تمهد الأساس لاصطناع مناخات شعرية “متفردة وغريبة” تُحفّز وتُثير، وتكشف عن رغبة الشاعر في التمرد، والانحياز إلى ما هو حسي وغنائي، والتعاطي مع الشكل الجديد للكتابة الشعرية.

قراءة هذه التجارب مهّدت الطريق لقراءات أكثر استغراقا في فضاءات تلك الكتابة، ولاستكناه حمولتها الدلالية، والجمالية، فضلا عن تحققها البنائي، إذ لا نسق واحدا لقصائد رشدي العامل ويوسف الصائغ، فهما أكثر تمثّلا لـ”المونولوج” ولصوت الشاعر الداخلي، ولرؤيته الحلمية التي يبحث من خلالها عن وجود أكثر إشباعا، وعن مكاشفة لما هو يومي ورمزي، لا سيما تلك القصائد الطويلة التي كتبها يوسف الصائغ مستلهما رموزا تاريخية، أو شخصيات ثقافية أو سياسية، وكأنه عبر هذه اللعبة يؤسس لما يمكن تسميته بـ”مسرحة القصيدة”، تلك التي تمور بالحركات، والإيقاع التصويري، والقلق النفسي، وبهواجس الباحث عن الغائب، والمسكون بفكرة الاعتراف.

هذا الكتاب يُعيدنا إلى فكرة التعلّم النقدي، ومعاينة تحولات الدرس النقدي العراقي الذي يُعدُّ الناقد فاضل ثامر واحدا من مؤسسي نزعاته التجديدية والتجريبية، وقاموسه ومرجعياته المفهومية والاصطلاحية.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق