متابعات ثقافية و فنية

أنا… متسولة هذا العالم… تأملات في شعر المرأة الأفغانية

إليزا غريسوولد، ت: أسماء الشهري

 

ناديتك.. فتصلبت كحجر
ستلتفت يوماً ما ولن تجدني
الشاعرة الصبية التي تفوهت بكلمات هذه القصيدة تسمي نفسها راهيلا موسكا، عاشت في هلماند الواقعة تحت قبضة طالبان، وهي واحدة من أكثر أقاليم أفغانستان الـ34 اضطراباً، وككثير من شابات ريف أفغانستان، لم يكن مسموحاً لموسكا مغادرة المنزل، خوفاً من الخطف والاغتصاب على أيدي قادة الحرب. أخرجها والدها من المدرسة بعد الصف الخامس، فهو يعتبر تعليم الفتيات عاراً وخطراً في مجتمعها، الذي يتشابه مع مجتمعات أخرى كثيرة، لذا فإن الشعر الذي تتعلمه النساء في المنزل ومن الاستماع إلى المذياع أصبح الطريق الوحيدة لمواصلة تعليمهن.
يُبجَّل الشعر في الثقافة الأفغانية ويُقدَّس، ويعتبر الشعر العربي والفارسي من أرقى الأنواع الأدبية، القصيدة التي ذكرت في البداية هي قصيدة شعبية ثنائية تسمى «لانديز»، وهي عبارة عن قطعة قصيدة شفهية مغناة يؤلفها أفراد أُميون، وتوجه عادة إلى جمهور أُميّ: يمثلن أكثر من 20مليون امرأة بشتانية من المتنقلات على الحدود بين أفغانستان وباكستان؛ وفقاً للتقاليد الباشتونية تُغنى اللانداي بصوت عال، ويرافقها غالباً دقات الطبل وأصوات بعض الآلات الموسيقية الأخرى التي طاولها منع طالبان عام ١٩٩٦، واستمر المنع حتى عام ٢٠٠١، وتجدر الإشارة إلى أن المنع مازال سارياً في بعض المناطق حتى يومنا هذا.
يمكن تحديد عدد قليل من الخصائص للانداي، مثلاً، كل قصيدة تحوي اثنين وعشرين مقطعاً صوتياً: تسعة مقاطع صوتية في السطر الأول و13 في السطر الثاني، وتنتهي القصيدة عادة بأحد الصوتين «نا» أو «ما»، مع العلم بأن «اللانداي» نادراً ما تقفى، ويتم الانتقال الإيقاعي في الباشتو من كلمة إلى أخرى في ما يشبه التهويدة في تصادم الإيقاع الهادئ مع حدة المحتوى، ما يجعلها مميزة، ليس لعكسها أفكار الجمال والتمرد والدهاء فحسب، بل أيضاً لقدرتها المدهشة على البوح بحقيقة شائعة عن الحب والألم والفراق والوطن والحرب، من بين هذه المواضيع الخمسة الأساسية تُعبر القصيدة الثنائية عن حنق جماعي أو رثاء أو سخرية أو حب للمَوطِن أو رغبة في اللقاء، أو حتى نداء للتسلح.
كل ذلك من الأفكار التي تحطم الصورة النمطية للمرأة الباشتونية بوصفها امرأة صامتة كالأشباح تتخفى تحت برقع تكسوه الزرقة.
بينما تجتمع الأخوات لامتداح إخوتهن
يجتمع الإخوة لبيع أخواتهم
تتنوع «لاندايز» في مواضيعها، فتتدرج من قصائد عن التجار الآريان الذين يُرجح نقلهم هذه القصائد إلى أفغانستان قبل آلاف السنين، وحتى فضح الضربات الأميركية المتواصلة، فتمتزج فيها الكلمات كما في أغاني الراب، إذ تُزاح الكلمات القديمة وتحل محلها كلمات جديدة أكثر صلة واتصالاً بالوقت الراهن. فعلى سبيل المثال، حلت محل كلمة «أكمام المرأة» في اللانداي» التي يفوق عمرها القرن كلمة صدرية المرأة في «لانديز» العصر الحالي، واستبدلت كلمات، كالمحتل البريطاني بالجندي الأميركي، واستبدل الكتاب بالسلاح إلخ ، فتغيرت حدة الكلمات لتعكس فن السخرية الاجتماعية المشحون بالسخط والاستياء الكامن في حياة المرأة الأفغانية، عندما بدأت بوادر انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان تلوح في الأفق عام ٢٠١٤ أصبحت هذه الأصوات المحتجة الثائرة تعيش على حافة الخطر، فعلى رغم تعبير اللانداي عن الغضب العارم من وجود القوات الأميركية ومن فكرة الاحتلال، إضافة إلى غيرها من المواضيع، تخوفت النساء مما قد يعيده غياب القوات الأميركية من حياة الانعزال والاضطهاد تحت الحكم الطالباني. مع ذلك يصح القول إن ثمانية من بين عشر نساء أفغانيات يعشن في الأرياف لا المدن، إذ إنَّ آخر عقود الحرب لم يغير الحياة العامة كثيراً، معركة الحصول على مزيد من الاستقلال للمرأة، وخصوصا المرأة الشابة، يتشكل بسرية داخل منازلهم، يُصدق ذلك قصائدهن، تأمل معي هذه القصيدة:
بعتني لرجل طاعن في السن يا أبي
دمر الله حياتك كما دمرت حياتي.. لقد كنت ابنتك
بدأت اللانداي» تتداول بين الفلاحين والبدو في جلساتهم حول «شبة النار»، أو تغنى بعد يوم شاق من العمل في الحقول، أو في الأعراس، إذ تعتبر القصيدة من الوسائل المشهورة للترفية، ولكن هذا النوع من التجمعات أصبح نادراً، وخصوصاً بعد 40 سنة من الصراعات والفوضى التي هجَّرت ملايين الأفغان من منازلهم. أدت الحرب أيضاً إلى تمييع الثقافات المحلية وتقوية العولمة، فمثلاً، يشارك الناس اليوم قصائد «لانداي» افتراضياً عبر «إنترنت» و«فيسبوك» ورسائل الجوال والإذاعة. ليست مواضيع اللانداي الجريئة فقط ما جعلت منها صادمة أو غير لائقة، بل لكونها أيضاً تُغنى، والغناء يتصل، في الوعي الأفغاني، بالفسق الأخلاقي، إذ يُنظر إلى المغنيات من النساء كعاهرات، لذا يتجنبن ذلك بالغناء في الخفاء أمام المقربين من العائلة، أو أمام من تبدو – مثلي – كاتبة أجنبية ذات مظهر بريء، وذلك بالنظر إلى طبيعة السرية والرغبة في الفضفضة للأغراب، وخصوصاً في مكان تولّد فيه المعرفة انعدام الثقة، يصبح من السهل للمرأة الباشتونية أن تجيب عن الأسئلة ذات الطبيعة الحميمية الموجهة من أشخاص أجانب.
اللهم أمت نمائم القرية
حتى تتحرر الشجاعات من أفواههن
في العادة تكون إحدى النساء أكثر مهارة في غناء اللانداي من الأخريات في نطاق عائلتها، ومع ذلك يجهل الرجال من تكون،
معظم حياة المرأة الأفغانية تتطلب احتراف رقصة العباءة والخنجر، الدائرة حول الشرف، لتتشكل فجوة عميقة بين كيف تُظهر نفسها ومن هي في الحقيقة.
إن كنت عاجزاً عن مواجهة الحب من البداية
فلمَ أيقظت قلبي النائم؟
يعد المذياع أحد الوسائل القليلة المتاحة للمرأة الأفغانية للوصول إلى العالم الخارجي في الوقت الراهن، ينطبق ذلك على راهيلا موسكا، التي تعرفت من طريق المذياع على مجموعة من الأديبات اللاتي يسمين مجموعتهن «ميرمان باهير»، تلتقي المجموعة كل يوم سبت بعد الظهر في العاصمة كابول، حيث يُفتح الخط لاستقبال المكالمات من فتيات الأقاليم الأخرى، كموسكا، للاتصال وقراءة أعمالهن أو للحديث مع رفيقات الشعر. واصلت موسكا (موسكا تعني التبسم في لغة الباشتو) الاتصال بالبرنامج في شكل دائم، لتصبح قرة عين الدائرة الأدبية، أشارت مرات عدة أثناء مكالماتها مع المجموعة إلى مشكلات عائلية تعيشها، ولكنها رفضت تحديدها، كثير من النساء متمدنات وريفيات يشتركن في الظروف الصعبة إلى درجة أن تلميحاتها إلى اليوم الآخر لم تكن شيئاً خاصاً بها أو مستحقة للالتفات.
أنا العاشقة لن أنكر حبي
ولو اقتلعتم وشومي الخضراء بالسكاكين
يوم ما في ربيع ٢٠١٠ اتصلت موسكا برفيقات الشعر من مستشفى يقع جنوب شرق قندهار، لتخبرهن أنها أضرمت النار في جسدها وأحرقت نفسها، احتجاجاً، بعد أن ضربها أخوها بعنف عند اكتشافه أنها تكتب الشعر! تُمنع النساء الأفغانيات من كتابة الشعر، وخصوصاً الشعر العاطفي، إذ يعتبر رمزاً للعار والإرادة الحرة، وهما صفتان غير مقبولتين للمرأة في الثقافة الأفغانية التقليدية.
أنا الأميرة في منامي
أصحو لأكون متسولة هذا العالم
الحب محرم على المرأة الباشتونية، كما يحرم أن تظهر المرأة الصالحة أي اهتمام بالرجل الذي ستتزوجه، فلو اكتُشف أنها أحبته، حتى وإن كان خطيبها هو صديق الطفولة، كما حدث للشاعرة زارمينا، فقد تُقتل.
لقد افتضح أمرنا والحب
اختر طريقاً وسأختار طريقاً للهرب
وقد يرغم التضييق الاجتماعي المرأة على أن تقتل نفسها تبرئة لشرفها، ويصح القول إن هذه التقاليد ولدت قبل الإسلام واتصلت بالتقاليد الهندية التي يطلق عليها «ساتي» إذ ترتمي المرأة استجابة لها في النار «محرقة الجثث» مُرافقة جثة زوجها إلى الآخرة، حتى تُثبت ولاءها له.
جسدي طري كورق الحناء
من الخارج أخضر ومن الداخل نيء كاللحم
تقليدياً في اللانداي كما في مجتمع الباشتون تعتبر ضفة النهر أو ما يسمى القُدار «Godar» (وهو المكان الذي تجلب المرأة منه الماء) موقعاً لولادة قصص العشاق، ومع كون الرجال ممنوعين من الوجود في مثل هذه الأماكن، فإن بعضهم يتسلل لاستراق النظر إلى المرأة التي يحب، وذلك في طريقها من وإلى ضفة النهر. ولكن بعد أن حفرت الآبار في العصر الحالي لم يعد يتوجب على المرأة أن تمر بأخطار المشي مسافات طويلة من أجل جلب الماء، ويعد ذلك نعمة ونقمة في الوقت ذاته، إذ أتاح هذا العمل للمرأة فرصة مغادرة المنزل، ومن الطرائف الشائعة أن «إنترنت» حلت محل ضفة النهر لتكون مساحة تولد فيها قصص الحب السرية، يضاف إلى ذلك الهاتف النقال، الذي سمح بتبادل رسائل الغرام في الخفاء (بين 25 مليون أفغاني يمتلك 17 مليوناً منهم هاتفاً نقالاً).
يلاحقني الفراق بفأسه
كلما بدأت حباً حطمه

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق