.

سفينة ميدوزا تغرق في باريس

عمار المأمون

تعتبر لوحة “طوف ميدوزا” (1818) للفنان الفرنسي ثيودور جيريكو التي أنهاها بعمر السابعة والعشرين من أشهر لوحات المرحلة الرومانسيّة في فرنسا، هي تمثل لحظة وصول 15 عشر ناجياً إلى الشاطئ من أصل 147 إثر تحطم سفينة فرنسيّة في البحر، الحدث أثار ضجة عالمية حينها، وخصوصاً بسبب ما عاناه من بقوا أحياء من جفاف وأمراض، بل حتى أنهم قاموا بالانتحار والبعض الآخر لجأ لأكل اللحم البشريّ، اللوحة ما زالت إلى الآن حاضرة كشهادة على ما يمكن أن يصل إليه البشر في المواقف التي تهدد وجودهم.

يشهد مسرح الأوديون في العاصمة الفرنسيّة باريس عرض “طَوف ميدوزا” عن نص الكاتب الألماني جورج كايسر المستوحى من قصة حقيقية مأساويّة عن طوف يحوي 13 عشر فتاة وشابا من المراهقين من بريطانيا، أرسلوا في المحيط الأطلسي نحو كندا هرباً من القصف النازي لبريطانيا أثناء الحرب العالميّة الثانية، وإثر ضرب النازيين طوربيداً بحريا على السفينة ميدوزا التي غرقت إثره لم يبق سوى هذا الطوف الذي يحمل الأطفال الذين ينتظرون من ينقذهم من عرض البحر.
المسرحية من إخراج الفرنسي توماس جولي مع فرقته من اليافعين وعرضت العام الماضي في مهرجان أفينيون للمسرح، وتحضر هذا العام في باريس ليشهد الجمهور على لحظة تنكشف فيها الطبيعة البشرية في مساحة لا تزيد عن بضعة أمتار تتحول إلى ساحة للصراع على البقاء.

يبدأ العرض من اليوم الأول بعد تحطم السفينة ويمتد لسبعة أيام وسط البحر، المراهقون الاثني عشر وجوههم شاحبة من الجوع والعطش، لم يبق إلا القليل من الماء والبسكويت، حركتهم مقيدة ضمن الطوف كي لا يغرق، إلى أن يكتشفوا طفلاً آخر كان مختبئاً بينهم، وهذا ما يخلخل نظام تقسيم الطعام والماء بينهم، ليبدأ بعدها التحول، فالأطفال رمز البراءة والتسامح يتحوّلون إلى شبه وحوش للحفاظ على حياتهم، ليدخلوا بعدها في جدلٍ حول التضحية بأحدهم كي ينجو الجميع.

يقع الاختيار بعد صراع ونقاشات طويلة على الطفل الجديد، إذ لا بد من قتله ورميه بعيداً، ينقسم إثر ذلك من في الطوف إلى طرفين، ليبدأ الصراع بينهم بالاعتماد على النصوص الدينيّة لتتحول لغتهم من كلام أطفال إلى كلام أعمق وأقدس في سبيل شرعنة ما سيقومون به، فإما يتقاسم الجميع الطعام ويحاولون النجاة، أو تتم التضحية بأحدهم للحفاظ على النظام الحاليّ لتفادي هذا الشقاق، يتزوج آلن وآن الذي يمثل كل منهما رأياً، هذا الاتحاد عبر كلمات أدائية واختلاط الدم بالدم يفعّل التقنية الذبائحيّة، لا بد من أُضحية في سبيل النجاة وكي يستمر هذا القران اللاشرعيّ الذي عبره تنجح آن بإقناع آلن ومن في الطوف بضرورة التضحية بالطفل الصغير.

يكتشف آلن عمق الخطأ الذي وقع به، إذ لا يمتلك أحدُ الحق بالتحكم بالحياة وهدرها، لنراه نهاية يستخدم الضوء الذي كان مع الطفل ليدل طائرة الإنقاذ على مكان وجودهم، وكأن الأضحية برحيلها واختزالها للعنف الدفين بين الأفراد تؤمّن طريقاً لنجاة الجميع، ثم كأوديب، يرفض آلن الرحيل ليبقى على الطوف ليموت كونه لم يحتمل القتل الذي شهده.

يحمل العرض الكثير من الدلالات الدينية كقصة آدم وحواء والناجين من سفينة نوح والمسيح وحوارييه، وغيرها من الموضوعات المرتبطة بالخليقة وما بعد نهاية العالم ولحظات التحول الكبرى، فالبحر الممتد المائع يفرض قوانين جديدة للنجاة، والأطفال يعيدون تأسيس العلاقات بينهم، وكأيّ محاولة لخلق التوازن في العلاقات لا بد من أضحيّة لتكوين النظام اللاحق/الجديد، فالأطفال هربوا من عنف الخارج/البالغين ليعيدوا تشكيل “التجمع” الجديد، بالتالي لا بد من أضحية لينجو من تبقّى منهم للتأسيس لعلاقات جديدة متماسكة أساسها الرعب من تكرار الأضحية، فالعرض يحاكم جوهر الطبيعة الإنسانيّة، ويكشف لنا عن أخلاقيات الكائن البشري في لحظات الانتقال من اللانظام إلى النظام، لا بد من إباحة للدم بوصف الدماء عاملاً يشكّل اللحمة الأساسية لأيّ بنية من العلاقات في سبيل نجاة المجموعة التي تتغاضى عن هذه الدماء كونها تحوي نجاتهم.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة