سينما و تلفزيون

‘كونغ: جزيرة الجمجمة’ العودة إلى أسطورة القرد العملاق

أمير العمري

لا تكف هوليوود عن ابتكار قصص سينمائية جديدة تستغل الأساطير التي صنعتها عبر السنين من خلال السلاسل السينمائية الشهيرة للأبطال الخرافيين. من أشهر تلك السلاسل أفلام “كنغ كونغ”، ذلك القرد الخرافي العملاق الذي يجسد القوة الأسطورية الخارقة والتحدي الرمزي الذي يواجهه الإنسان، وعجزه أمام ذلك الخطر الغامض، المجهول، البدائي، القادم من العصور السحيقة.

الفيلم الجديد من أفلام سلسلة “كنغ كونغ” هو “كونغ: جزيرة الجمجمة” الذي يعرض حاليا على الشاشات العالمية محققا نجاحا تجاريا كبيرا يتجاوز حتى الآن أكثر من ضعف ميزانيته التي بلغت 185 مليون دولار.

كان من اللافت أن تسند شركة وورنر إخراج هذا الفيلم الضخم إلى مخرج مبتدئ، لم يخرج من قبل سوى فيلم واحد فقط من الأفلام المستقلة الصغيرة، هو المخرج جوردان فوغت روبرتس صاحب فيلم “ملوك الصيف” (2013) وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن دور المخرج في مثل هذا النوع من الأفلام يتمثل أساسا في الإشراف على –وقيادة- عدد كبير من المصورين والمساعدين وخبراء المؤثرات البصرية والخاصة وتوليد الصور عبر برامج الكومبيوتر، وغير ذلك، مع قدرته على إضفاء جوّ من الفكاهة وقيادة الممثلين والقدرة على العمل مع المونتير في توليف الفيلم بحيث ينتج أكبر قدر من المتعة والإثارة.

المهم أن تتوفر لديه الحبكة المثيرة الطريفة كما في هذا الفيلم الذي اشترك في كتابته ثلاثة من كتاب السيناريو إضافة إلى صاحب الفكرة. سبق إنتاج ثلاثة أفلام من قبل عن “كنغ كونغ”، طبعة 1933 الأصلية، ثم طبعة 1976 ثم طبعة 2005 التي أخرجها بيتر جاكسون ليعيد القصة إلى براءتها الأولى، ومنحها طابعا ذا علاقة بالفترة التاريخية التي يعود إليها.
فترة القلق السياسي

في الفيلم الذي أنتج عام 1976 كانت لا تزال أصداء أزمة الطاقة تتردد بقوة في الغرب في ضوء ما أحدثه وقف ضخ النفط في أعقاب الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973 لذا جعل صناع الفيلم “البحث عن النفط” هو دافع الأبطال للذهاب إلى الجزيرة النائية. أما في نسخة 2005 فكان المدخل إلى الموضوع شخصية مخرج ومنتج سينمائي يفشل في مغامرته السينمائية الأخيرة، وتتراكم عليه الديون، فيبحث عن مغامرة ينشد من خلالها العودة بفيلم جديد مشوّق يحقق النجاح ويعوض الخسائر، ويتمكن من إقناع قبطان سفينة تجارية بالإبحار إلى جنوب المحيط الهادئ مع مجموعة من المساعدين والبحارة، بحثا عن مادة مصورة لا تخطر على بال أحد في جزيرة مجهولة لم يسبق أن هبط على أرضها البشر من قبل.

أما الفيلم الجديد “جزيرة الجمجمة” (2017) فهو يتخذ من الفترة التي شهدت فيها الولايات المتحدة الكثير من الإضرابات والقلق في بداية سبعينات القرن العشرين وصولا إلى 1973، مدخلا إلى الفيلم، فهي الفترة التي عرفت الهزيمة الأميركية في فيتنام، ثم فضيحة ووترغيت التي أطاحت بالرئيس ريتشارد نيكسون. ولكن الفيلم يبدأ قبل نزول العناوين من عام 1944، بسقوط طائرة كان يقودها طيار أميركي في جزيرة نائية بالمحيط الهادئ.

وينجح بالهبوط بالمظلة لكنه يجد نفسه أمام طيار ياباني (من الأعداء) هبط بنفس الطريقة، ثم ننتقل من الحرب العالمية إلى واشنطن عام 1973 داخل أروقة الكونغرس حيث يسعى مدير معهد للأبحاث الجيولوجية والبيولوجية (بيل راندا) لإقناع عضو بارز في الكونغرس بضرورة إقناع الحكومة برصد ميزانية لبعثة يقودها الرجل توجه إلى جزيرة مجهولة في المحيط الهادئ يُعتقد أنها تخفي سرا يتعلق بتحطم سفن أميركية عديدة ومقتل بحارتها قبل سنوات، وهو يعتقد أن هناك تعمية على الأمر من جانب الحكومة، لكن البعثة التي يقترح إرسالها للقيام بالأبحاث العلمية في تربة الجزيرة واكتشاف السر يجب أن تصحبها قوة عسكرية لحمايتها.
في سايغون يشعر الكولونيل باكارد (صامويل جاكسون) الذي صدر له أمر بالعودة إلى الوطن بعد انتهاء الحرب الفيتنامية، بالغضب الشديد بسبب “انتزاع حربه” منه قبل أن يحقق النصر. لذلك يرحّب عندما يستعين به راندا كقائد للمجموعة العسكرية المحمولة جوا بطائرات الهليكوبتر التي ستتجه إلى الجزيرة. لكن يتعين على راندا ومساعده الشاب، الباحث في علوم الجيولوجيا، العثور على رجل قوي يعرف المنطقة جيدا يعثر عليه في شخص ضابط المخابرات الحربية البريطانية السابق جيمس كونراد (توم هيدلستون)، ثم تلحق بالفريق أيضا المصورة الصحافية الجذابة “ميسون ويفر” (بري لارسون) لكي تسجل بالصور تفاصيل المغامرة، وهي المرأة الوحيدة وسط فريق مكوّن كله من الرجال.

ما يحدث بعد ذلك يجب أن يتوقعه المشاهد، لكنه يتجسد بصورة أكبر كثيرا عمّا سبق أن شاهدناه من قبل في أفلام “كونغ”.. فمع تحليق المروحيات في سماء الجزيرة يرغب الكولونيل في اختبار التربة فيأمر بإلقاء بعض القنابل التي تنتج عنها انفجارات هائلة مما يوقظ القرد العملاق كونغ من سباته، وسنعرف فيما بعد أنه “إله” الجزيرة، أو ملكها المتوج، وسينبري كونغ بالتالي للدفاع عن مملكته ضد المعتدين. هنا تبرز فكرة أن الإنسان هو الذي يدمر الكوكب ولا يحترم الطبيعة ويعتدي عليها، أي أنه المسؤول عن إخراج الجن من القمقم.
الوحش الطيب

كونغ يحطم جميع الطائرات ويسقطها واحدة بعد أخرى بيديه، إنه يبدو كوحش كاسر لا يعرف الرحمة، يمسك بيده مروحية ويضربها في الأرض أو يلقي بحطامها في وجه مروحية أخرى ليدمّرها، وهو معذور في الواقع، فالاستفزاز جاء من جانب البشر. لكن هناك نوع آخر من الكائنات تسكن الجزيرة: أولها مجموعة بشرية أقرب إلى البوذيين الذين يصبغون وجوههم بألوان غريبة، يقودها -لدهشة الجميع- رجل أميركي متغضن الوجه، مشعث الشعر، ذو لحية كثة بيضاء، هو الطيار الذي تحطّمت طائرته على أرض الجزيرة في مقدمة الفيلم في زمن الحرب العالمية الثانية قبل 28 عاما.

هذا الطيار يدعى “هانك مارلو” (جون ريلي)، وهو لم يفقد عقله طوال تلك السنين، لكنه فقد رفيقه الياباني الذي ارتبط معه بصداقة حقيقية، لم يقتله كونغ، بل التهمته الكائنات الأخرى الشريرة المخيفة التي تسكن الجزيرة وهي كائنات تشبه الزواحف العملاقة التي يمكنها أن تطير، وكائنات أخرى بالآلاف مثل العنكبوت، وهناك أيضا أبقار مائية حزينة تتحرك في بطء لكنها غير مؤذية، وأخطبوط ضخم سيشتبك مع كونغ في عراك دموي هائل في أحد المشاهد التي تجسد ذروة الإثارة في الفيلم.

هانك مارلو الذي يعتبر أكثر شخصيات الفيلم حضورا وتأثيرا بملامحه الإنسانية هو الرجل الحكيم الذي تمكن بفضل حكمته من السيطرة على قبيلة السكان الذين يقطنون أحد أطراف الجزيرة، فأصبحوا يقدسونه ويخضعون له تماما على غرار ما حدث للجنرال كيرتز (مارلون براندو) في فيلم “سفر الرؤية الآن” لفرنسيس كوبولا (1979).

“مارلو” (تلاعب في الاسم على نغمة مارلون) هو أكثر الجميع إدراكا لما يجري في الجزيرة، فهو يقول للمجموعة القادمة إن كونغ هو إله الجزيرة وقد فقد جميع أفراد عائلته على أيدي الكائنات الأخرى المتوحشة، ولم يبق منهم سوى هياكلهم العظمية (في أحد مشاهد الفيلم يقف الجميع يتطلعون إلى مقبرة هائلة تضم رفات الحيوانات الهالكة) وهناك كائن آخر مخيف أكبر من كونغ وربما أقوى منه، ينافسه ويسعى للإطاحة به ووراثته، أما كونغ فهو لا يؤذي أحدا بل يردّ العدوان فقط، ويسعى مارلو للحيلولة بين الكولونيل باكارد وبين الاعتداء على كونغ.. فباكارد يشعر أن عدوه البديل هو كونغ الذي قتل رجاله كما يكرر، لذلك فهو، أي الجنرال، يسعى بشتى الطرق للثأر منه ويتوعده بمصير أسود، ولكن هل سيقدر؟

هناك الكثير من المشاهد المثيرة الطويلة للمعارك التي تنشب بين كونغ وبين الأخطبوط الضخم أولا، ثم مع ذلك الكائن الآخر المنافس قرب النهاية، وبين هذا وذاك، يحاول باكارد أن يحرق كونغ بالنيران الكثيفة وباستخدام شرك خداعي، لكن كونغ يقاوم النيران وينجو لكي ينتقم، ثم يكون قد أصبح أيضا مولعا بالفتاة الشقراء “ميسون” فينقذها من الموت بينما يتضاءل كثيرا دور البطل المفترض جيمس كونراد (لاحظ التشابه مع اسم جوزيف كونراد مؤلف رواية “قلب الظلام” التي استند إليها فيلم “سفر الرؤية الآن”).. ولعل الإبقاء على مسافة بين كونراد والفتاة ميسون، مع توجيه إشارات متعددة خفية عن نمو مشاعر عاطفية إنسانية فيما بينهما، مقصود لإتاحة الفرصة لتطوير هذه العلاقة بعد ذلك في الفيلم القادم الجديد الذي يتوقع أن يمد تجربة “جزيرة الجمجمة” إلى الأمام.
جرعة التسلية
لا تتوقع أن تخرج من الفيلم سوى بجرعة كبيرة من التسلية والإثارة وترقّب كيف يعالج الفيلم الجوانب التي نعرفها من القصة من واقع مشاهدة الأفلام السابقة، خاصة مصير “كونغ” بعد أن جعلك الفيلم تتعاطف معه وتلمس كم هو رقيق المشاعر، نبيل في مواقفه الملكية، رغم خشونته الشديدة وغضبه العارم وعنفه الشرس. والخلفية السياسية التي يبدأ بها الفيلم مقصودة لتصوير أميركا الشريرة وقد انتهت من حرب فيتنام لكي تبدأ مغامرة أخرى تعتدي خلالها على جزيرة هادئة في نفس المنطقة، وكأنها من خلال شخصية الكولونيل الغاضب باكارد، تنتقم لهزيمتها. وربما تلفت النظر أيضا العبارة التي يقولها في بداية الفيلم رئيس مركز الأبحاث “راندا” لمساعده الشاب وهما يهمان بركوب سيارة تاكسي أمام الكونغرس “تذكر فقط ما أقوله فلن يكون هناك وقت أسوأ من هذا في واشنطن” كما لو كان الفيلم يعلّق على زمننا الحالي في عهد الرئيس ترامب.

لا بد أن تتوقع أيضا أن يكون فيلم من إنتاج 2017 قد قطع مسافة أكبر من نظيره السابق من عام 2005، في استخدام الخدع والتصميمات والمؤثرات المقنعة في تجسيد الكائنات الطريفة المخيفة التي تطير وتخرج من تحت الأرض، وكيف يقوم أحدها مثلا باختطاف “راندا” والطيران به بعيدا ثم ابتلاعه في غمضة عين، وكيف يقوم اثنان من الزواحف الطائرة باختطاف فرد آخر من أفراد الفريق العلمي، والطيران به ثم تمزيق ذراعيه وابتلاعه، فيبدو أن شهية كائنات الجزيرة قد تفتحت على نوع جديد من الطعام اللذيذ من لحم البشر القادمين من الخارج!

كان هناك من يرون أن “كونغ” يمثل النظرة الاستعمارية الغربية إلى الرجل الأسود، وأن تصوير الفيلم للسكان الأصليين باعتبارهم من الكائنات البدائية المتوحشة التي تتخذ من القرد إلها، يعكس نظرة الغربيين البيض إلى ثقافة الشعوب الأخرى (الجنوبية). أما في هذا الفيلم فلم يعد البشر من سكان الجزيرة متوحشين، بل هم أناس مسالمون للغاية (أقرب إلى الرهبان البوذيين) وهم لا يعبدون كونغ، كما لا يبدو أنهم قد جعلوا من مارلو إلها لهم، فعندما يشرع في مغادرة الجزيرة في النهاية يودّعونه بكل رقة ولطف.

ويرى آخرون أن القصة تعكس على نحو ما ولع الرجل الأسود التقليدي بالمرأة الشقراء بشكل جنوني، أو نظرة المرأة البيضاء إلى الرجل الأسود باعتباره حيوانا جنسيا لا تعرف شهيته حدودا، وقد تعبّر عن فكرة اصطياد الرجل الأسود من الأدغال ونقله إلى الغرب. لكن في هذا الفيلم يبقى كونغ في جزيرته لا يغادرها إلى نيويورك مثلا، في انتظار الفيلم القادم!

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة