متابعات ثقافية و فنية

التدجين والتوثين… قراءة في ديوان «وديعة كبقرة» لمروة نبيل

كريم الصياد

بين تدجين مفردات العالَم، وتوثين ما يتم تدجينه، تتحرك مروة نبيل في فصول وقصائد ديوانها «وديعة كبقرة» الصادر عن دار «الأدهم»- 2015.
وإذا كانت المفردات البيتيّة- اليومية على قدر من الشيوع النسبي في أعمال الشاعرات عمومًا، فإنها تترابط في هذا العمل في سياق متطوّر نسبيًا، يترجِم هذا العالَم إلى بيت فسيح في عملية تدجين مطّردة، ثم ينتقل في الوقت نفسه من هذا التدجين إلى توثين هذه المفردات البيتية، وتعليقها – وربما تحريكها- بأقواس قزحية في سماء فسيحة رفيعة القداسة. مِن الذات المعزولة بإحكام متعمَّد وتلقائي في الوقت نفسه، إلى الحياة في الجسد والموت أيضًا فيه، إلى السباحة الأفقية في البيئة اليومية والغوص فيها، إلى تفكيك النصوص الكلاسيكية الخالدة في الفلسفة والأديان نَظْمًا ومضمونًا وإعادة تركيبها، وأخيرًا إلى بَسْط الخِطاب الشعري في نصوص تتهيّأ في شكل قصيدة النثر وقبضه في شذرات ربما تتجاوز قصيدة النثر- بحذر- إلى ما بعدها، تتحرك الشاعرة حركة تبادلية معقّدة، تلقائية بقدر ما هي واعية، لإنجاز هذه الترجمة على محاور متزامنة ومتوازية، وللخلاص إلى بلورة مفاهيم محددة، في طرح شِعري، يقترب من الشعر الفلسفي، بما هو حركة تبادلية بالفعل من الذاتي إلى الموضوعي، وبالعكس، أو بالأحرى إنتاج بُعد معرفي للنص الأدبي انطلاقًا بالأساس من الخبرة الذاتية الحية المعيشة: «سأفكك الأوهام العزيزة» تصدير العمل ص 5. والعمل ككل تجربة تستلهم الخِطاب الأمبيذوقليسي- الهيراقليطي- النيتشوي الفلسفي/الشعري/الشذري كمتابعة ربما للخيط الذي بدأ مع عفيفي مطر في ديوانه «ملامح من الوجه الأمبيذوقليسي»، الذي تأثّر فيه بدوره بأسلوب فلاسفة ما قبل سقراط، الذين كتبوا فلسفاتهم شِعرًا، وشِعرهم فلسفةً، والذين استلهمهم قبل عفيفي مطر فردريك نيتشه.
ويتكون الديوان في بنيته الصريحة- إذا كان (التدجين والتوثين) بنيته/حركته الضمنية- مِن ثلاثة فصول: 1- وديعة كبقرة، 2- سأحدِث جرحًا طوليًا في الورقة، 3- مجمع الشذرات. تتلخص مهمة الفصل الأول في إركاز السياق التفسيري العامّ للعمل، الذي يتضمن المفاتح التأويلية الأساسية، التي توجّه القارئ في أفق عنوانِ الديوانِ. هو أكبر الفصول، ومنه جاء عنوان العمل، ليس لأنه الأكبر؛ فالكمّ لا يعلل الكيف، وطول النص لا يحدد دوره، بل لأنه كما سبق الإطار المبلوِر للمفهوم الأساسي في العمل ككل: «وديعة كبقرة» تعبير ينطلق من مسلّمة صفة الوداعة المخلوعة على البقرة، بما يعني أن البقرة في أصلها كائن وديع، وكاف التشبيه مع تأنيث النعت «وديعة» ذي المنعوت المحذوف يوجّه القارئ إلى إسقاط هذه الصفة- صفة وداعة البقرة – على الأنثى الوحيدة، بل الذات الوحيدة والشخص الوحيد في العمل، أي الشاعرة نفسها.
لكن هذه الوداعة ليست مباشرة ولا بسيطة؛ ففي إطار حركة التدجين/التوثين تترجم الشاعرة نفسَها كذات/كأنثَى/كشاعرة في صورة ذلك الكائن الوَادِع:
الذات بقرة: «أنا وديعة كبقرة»
الأُنثَى بقرة: البقرة لا يمكن أن تكون إلا أنثَى، والأنثى في العمل هي ذات الشاعرة
الشاعر بقرة: «وحده الشاعر بقرة اللهِ».
وتعيد إطلاق المفهوم (البقرة الوديعة) إلى سُمُوق المقدّس:
«بقرة الله».
«يسألونكِ عن البقرة، قولي ذابت وحذفوا مِن تحتها الكرسيّ».
« أقول: للعِجل الذي بخّ التبنَ في وجهي».
وتعالج الشاعرة سياقات التقديس، التي توثنتْ فيها البقرة؛ فالبقرة مِن أشهر الأوثان، كالشمس والقمر والنار والأرض، هي حتحور عند قدماء المصريين، وحيث هي أيضًا كما يعني اسمها أمّ حورس «سوداء كأدمع إيزيس»، وهي مقدسة عند الهندوس «ما علاقتي بالأوبانيشاد؟»، والموت الهندوسي احتراق «ما سيتبقّى مِني جميل يستحق الحَرق»، وهي عِجل بني إسرائيل، وهي البقرة القرآنية. وبشكل عام هي الداجن المقدّس؛ والأضحية في سبيل الحقيقة (بقرة بني إسرائيل). والتضحية في سبيل الحقيقة هي فِعل الشِّعر «وحده الشاعر بقرةُ اللهِ»، كما أنها فِعل المسيح في التراث المسيحي. وبدوره يتم استدعاء التراث المسيحي الناتج عن فكرة ضحيّة الحقيقةِ «أنا وكل عذراء ننتظر شيئًا مسيحيًا»؛ فالذات شاعرة، والشاعر بقرة الله، أي ضحية في سبيل الحقيقة. وفي تقاطع التراثين المسيحي والإسلامي (يَصْعَد) المسيح كتأليف بين الموت وبين الخلود، بين انقطاع التجسّدِ وبين عدم التجسّد مِن الأصل، وهو مفهوم (الموت إلى أعلَى) و(السقوط إلى أعلَى) أو الموت كصعود:» غَيرُ لائِقٍ بكَائِنٍ عمُوديّ وَسَطِيٍّ ونَحيفٍ، ألا يَكُونَ يتيمًا، ويمُوتَ إلىَ أعلىَ»، «الأفكار تموت رأسيًا»، «تسقط لأعلَى»؛ فالموت لا يحدث في الديوان إلا إلى أعلَى، وإلا كتضحية. لا ننسى كذلك أن البقرة هي الأمّ، وهي التي تسود العالَمَ، في إطلاقٍ لهذا الوثن إلى أسمى حدود السيطرة والقوة «أُريدُ عالَمًا طيبًا، ومعجزتين، وأن تسودَ العالَمَ أمّي». ويمكن تأويل مفهوم «البقرة» في العمل لينسحب على الحيوانات الداجنة عمومًا، باعتبارها كلها أضحيات في سبيل الحقيقة، بل قدر يندرج الإنسان نفسه تحت هذا المفهوم في «وحده الشاعر بقرة الله»، وقد ينسحب المفهوم على كل ما هو داجن وبيتيّ حتى إن كان جمادًا. وبشكل عام تتم الحركة في الديوان على محور أفقي يسحب كل الموجودات الخارجية إلى البيت في فعل (التدجين): مِن الخارج إلى الداخل، ثم محور رأسي يرفعها إلى مكانة القداسة في فعل (التوثين): من الأسفل إلى الأعلى أو الموت كصعود.
فهذه التضحية على المستوَى العالَمي تفترض أولاً استئناس المَكانِ مِن أجل استئناس العالَم، الذي تتم التضحية به. هذا الاستئناس الذي يتم في الديوان عن طريق حركة الوعي أفقيًا في دوائر مُنداحَة، وهي الطريقة المميِّزة للكتابة- مِن-المَكانِ: الينسون، الحَمام، الصحون، الإبحار في الغرفة، الأثاث، صناديق الطرد، دكّان الأوهام، خشب الزان، غرفة نوم، علبة ألوان، مشبك شَعرٍ، المشجب، الدولاب، الحائط، الشَّاشَة. ويحدث هذا الاستئناس بتركيز الوعي بالمكان ككل على المكان البيتي، فكل هذه المفردات بيتية، والشاعرة لا تتحرك بين الجِبال والغابات والنجوم والسُّدُم. مكان الشاعرة هو البيت، ومفردات البيت هي اللغة التي تُتَرجَم إليها شتى مفردات المكان عمومًا. لكن هذه المفردات البيتية البسيطة الشائعة، التي ليست على شهوق المفردات الطبيعية – الكونية، ليست أقلّ هَيْمنةً منها في عالَم الشاعرةِ؛ لأنها محيط العزلة، وعزلة الشاعرة مقدّسة؛ لأنها مجال الحرية: «حرّيةٌ: فيضان، بركان، بحر، ليست لي صلة بذلك»، «أرى العُزلةَ كَفِردَوْس مُفتَرَض».
وترتبط العزلةُ في العمل بلغة الخِطاب السائد فيه؛ فلا يوجد تقريبًا مخاطَب خارجي للعَمَل، وكل العمل تقريبًا موجّه مِن ذات معزولة إلى نفسها، أو إلى ذات معزولة مثلها. لكنْ أبعدَ مِن ذلك ترتبط العزلة في هذا السياق بالجسد؛ فالجسد هو أضيق مكان ممكن: الرأس، الرقبة، القلب، الرفات المحترِق، «رأس واحد وعدة حدقات، عَيْنٌ تعلَم لغةَ الموجِ»، «شُرفة تطل علَى الحجاب الحاجز». لكن هذا الجسَد ليس مجرد مكان، فهو أيضًا لُغَة، إليها تُتَرجَم مفردات العالَم، كما كان البيت فيما سبق لغةَ المكانِ: «ليس جسدًا فقط»، القلب= المروحة (نفسه)، الدم = سائل يمرر الخياناتِ (نفسه)، القلب = قنينة صَفْحٍ وبرشامة صَبْرٍ (نفسه). هذه العزلة المقدسة هي التي تسمح في العمل بتقديس المفردات الداجنة/البيتية؛ لأن العزلة تسمح بتركيز الوعي بدرجة أكبر على هذه المفردات البسيطة، وتأويلها في إطار توثيني: العزلة فردوس مفترَض، «أنا وثنية جدًا».
هل المكان بمفرداته بما هو (خارِج) وَحْش ينبغي التغلب عليه، أو – على الأقل-استئناسه في إطار تدجيني – توثيني؟ «فخّ الحواسّ»؛ فالحواس هي التي تقنصنا في المَكان والخارِج، «العالَم كله للداخل»، «نحن أعداء الأماكن، نستهدف صالات الوصول فحسب». لكن نبرة التأليف والتأويل السائدة في العمل تقترح بشدة استئناس غول المكان وخُرافة الخارِج: «سأنحت قطعةً واحدة على شكل مُرادٍ ومُريدٍ»، «أنا مِن البدء نَحّاتَة».
إلى جانب تلك التأويلية الأصلية (أي التي يقدمها العمل نفسه لنفسه) يبرز الوعي بالكتابة ذاتها، أو الكتابة عن الكتابة، خاصةً في الفصلين الثاني والثالث. يعتمد تأليف الشاعرة بدرجة واضحة نسبيًا على تركيب شذرات؛ فحتى نصوص العمل الطويلة غير الشذرية تتركّب مِن مقاطع وسطور هي نفسها أقرب إلى شذرات كاملة التبلور، وتصلح لأن تنتزَع مِن سياقها لتصير نصوصًا مستقلةً، في اتّباع لآلية تأليف سبق وأنْ اتبعها فاغنر، في تركيب الجُمَل اللحنية البسيطة في نسيج أشمل، فاغنر الذي كان مُوَثِّنًا بدوره للطبيعة في استدعائه لهذا التراث قبل السقراطي (أنظر مثلاً التحليل الدقيق الذي قدمه برنارد شو لهذا النسيج في «مولع بفاغنر»)، والذي كان صديقًا لنيتشه الأمبيذوقليسي. هذه الشذرات تلعب دورًا مزدوجًا؛ فهي وحدات النصّ الأولَى، وهي أيضًا الرفات التي ينحلّ إليها النص: «تتشذّر القصيدةُ بين يديّ». وتأتي قصيدة «شذرات» لتفسّر لنا بشكل صريح آلية نَظْم الشاعرة؛ فهي نصّ واحد يَحْبُكُ شذراتٍ يمكن إفراد مساحات مستقلة لها. لكنّ الشاعرة تنطلق في مساحة أرحب مخصصة لفن كتابة الشذرة في الفصل الثالث «مجمع الشذرات».
وبصفة عامة تبدو الشاعرة أبرع في صوغ الشذرة مقارنةً بالنص الطويل، ليس لقصر النفَس ولكنْ لعلّة التوجه التلقائي نحو التكثيف وبلورة المفاهيم. ويرتبط فن الشذرة بأسلوب آيات الكتب المقدسة، وبالتالي يرتبط بالكتابة عن الكتابة من جهة، وبمهارة الشاعرة في فكّ وإعادة تركيب نصوص سابقة، أغلبها مِن كتب مقدسة، أحيانًا بدرجة تحاذي النص الأصلي، وتغيّر مِنه كلمات معدودات، وأحيانًا تتفاعل مع المضمون نفسه وتعيد تسويته: «كل دلالة في النار»، «العين بالعين والسر بالسر والبادئ يعمل مدفأة»، «تقترب ساعتي كلما اقترب القمرُ»، «سنبيع البيت خوفًا مِن الجوارِ الكُنّس»، «أريكة أصلها ثابت»، «كان يغزل الضوء ويطوف بالعتبة»، «يسألونكِ عن البقرة، قولي ذابت وحذفوا مِن تحتها الكرسيّ» (والكرسي تحت البقرة فعلاً في ترتيب الآيات في سورة البقرة)، وغيرها.
ننتظر مِن الشاعرة بعد ديوانها الأوّل المزيد مِن التكثيف على مستوى بناء الديوان؛ فالقصائد كثيرة، وبعضها يدور على محيط بعض. ننتظر منها المزيد مِن التصوير الرائع، الذي قدمتْه فعلاً في كثير من نصوصها «إربة مقتولة»، «دكّان الأوهام وسوءِ الفهمِ»، «الخمر في قاع رأسي»، «الأجِنّة […] تبتلعها روحي فتموت». ننتظر منها المزيد مِن التركيز على البُعد المعرفي/الفلسفي، وربما الانفتاح على الطبيعة المادّية؛ فالشعر العربي غنيّ في الشعراء والصوفية، فقيرٌ في العلماء والحُكَماء والفلاسفة.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق