.

علاقة حب غريبة تجمع رجلا عربيا بعجوز إسبانية عمياء

شريف الشافعي

يشكل العربي الممزق بين عجزه في وطنه وكفاحه في غربته ملمحًا مركزيًّا في رواية “أسبوع حبّ واحد” للسوري عدنان فرزات، الصادرة حديثًا في القاهرة عن سلسلة “الإبداع العربي” التابعة للهيئة المصرية العامة للكتاب.

فرزات، المقيم في الكويت وصاحب روايات “جمر النكايات” و”رأس الرجل الكبير” و”كان الرئيس صديقي” و”لقلبك تاج من فضة” و”تحت المعطف”، يخوض في عمله الجديد معتركًا مركّبًا ومُربكًا في الآن ذاته، إذ تنفتح أجواء رواية “أسبوع حبّ واحد” على أكثر من فضاء، ويعكس الكاتب من خلالها اهتماماته البحثية والأكاديمية بحوار الحضارات من جهة، وشغفه بالتحليل النفسي من جهة أخرى.
معاناة العربي

يتقصى عدنان فرزات في روايته الجديدة “أسبوع حبّ واحد” تفاصيل حلم الهجرة إلى الغرب، وكيف يمكن أن يتحول الحلم إلى حقيقة أو يصير كابوسًا، ومن خلال قصة كفاح أستاذ جامعي، من أصل عربي، بجامعة برشلونة، يصور الكاتب طبيعة الصراع الحضاري ومساحات الالتقاء والاختلاف بين المشرق والمغرب، أما قصة الحب، بين صديق الأستاذ الجامعي وسيدة عمياء، فتفتح للكاتب سراديب الغوص في الذات الإنسانية، حيث تتجلى الشعرة الرفيعة الفارقة بين فقدان “البصر” وغياب “البصيرة”.

يقول فرزات واصفا شخصية بطل روايته “هذه الشخصية لأستاذ جامعي في جامعة برشلونة، وقد تعرفت عليه بشكل شخصي في إسبانيا. هو رجل يلفت الانتباه منذ الوهلة الأولى، ضخامة جسده وحركته بالمشي لا تشبه رتابة الأساتذة الجامعيين. كان صلبًا، لكن روحه شفيفة”.

لم يضع فرزات في حسبانه أن يصبح هو و”الرجل الصخري” صاحب قلب الفراشة صديقين في يوم ما؛ ليستدرجه كي يحكيَ له قصته، يقول فرزات “كان من المفترض أن يكون اللقاء بيننا لمدة محدودة لا تتعدى الساعات، هي مدة حضوري حفل توزيع جوائز دُعيت إليه في جامعة قرطبة بالأندلس، وكان هو الإسباني الوحيد من أصل عربي بين ثلاثة آخرين فازوا بالجائزة. في القاعة، عرفت ذلك حين نادوا اسمه ليصعد إلى المنصة: عبّاد الشهبوني”.

في “أسبوع حبّ واحد”، وغيرها من رواياته الست، يكاد عدنان فرزات يُماهي بين الأشخاص والمدن، ويعتبر المدن نتاج فكر إنساني وليست مجرد حجارة، يقول “كل ركن هو نفسه الإنسان الذي بناه، لذلك كان هذا المزيج بين شخصية بطل الرواية الشهبوني، وبين مدينة قرطبة، التي التقيته بها”.

قرطبة، كما يراها فرزات، مزيج من حجارة عتيقة، تُوشِّح جمالها أشجارٌ وقطراتُ ماء ألقت بها غيمةٌ تشرينيةٌ، وعنها يقول “هي مدينة بملامح إنسان، إن لامسْتَ جدرانها فكأنّما تمسك يدَ امرأةٍ كنتَ تعرفها أيام الصبا، ثم التقيتَ بها بعد عشرات السنين؛ فيتدفقَ النبضُ دافئا في كفّك رغم يباس العروق”.

يتحاشى فرزات النظرَ في عيني تمثال ابن رشد عند مدخل المدينة الأندلسية القديمة، وزاد وجله منه حين رأى تمثالاً نصفيًّا آخر له في مدخل مبنى لجامعة قرطبة، إذ يقول “تشعرُ بالوجل أحيانا؛ وأنتَ الرجل العربيّ العصريّ الذي لم تحقق مجدًا يُذكَر، لتتطفلَ على أمجادِ أشخاصٍ عاشوا قبلك منذ آلاف السنين وتركوا لك هذا البهاءَ”.

تزيح رواية “أسبوع حب واحد” الستائر عن معاناة العربي في وطنه، فبطلها كان طفلاً يحلم باستكمال دراسته، لكن أخذه الفقر والأحداث السياسية المتلاحقة بعيدًا عن هدفه، مما اضطره لأن يعمل مصارعًا في أول حياته، مستثمرًا جسده الضخم، ثم حارسًا شخصيًّا لشخصية سياسية كان معجبًا بما تطرحه من مبادئ وأفكار، ليكتشف لاحقا أن كل هذه “مجرد تنظيرات”.

يغادر البطل بلده، لتبدأ رحلة حياته الحقيقية، من بلد إلى آخر، ومن سفارة إلى أخرى، حاملاً شهادتين: واحدة جامعية حصل عليها بعد كفاح مرير، والثانية شهادة مصارع. يعمل في نادٍ ليلي حارسًا، فيتعرف إلى أستاذ جامعي عجوز يرتاد النادي يوميًّا بسبب خيانة زوجته الشابة له، ويعجب به ويقرر مساعدته، فيكفله بالإقامة ثم يدخله الجامعة ليكمل دراسته نحو الدكتوراه.

خلال هذه الرحلة الشاقة، تقع الكثير من الأحداث والمفارقات للشهبوني، وعذاباته عبر الحدود ومحاولة انسلاخه عن أفكار اعتنقها في بداية حياته، حين ظن أن الإحساس الوطني هو أشخاص وليس جغرافية مكان، يقول فرزات “حين يبزغ الوطن بداخله على هيئة كيان، لا يمثله أحد بعينه بل مجموعة شعب، وحين يشعر بأن الغرب حقق له طموحه، يصبح الوطن لديه أيضًا هو المكان الذي يمنحه فرصته الحقيقية”.
هذا أحد دروب الرواية، أما المسلك الثاني، كما يوضح فرزات في حديثه، فهو علاقة حب غريبة تجمع الراوي العربي، مع امرأة عجوز عمياء إسبانية تدعى روساربو، يتبين له أنها أصيبت بالعمى بسبب حالة نفسية، فيقرر مساعدتها للشفاء، فتقع قصة حب بينهما في مسعى من الرواية للدخول إلى العوالم النفسية للإنسان “قالت العجوز روساربو، بنبرةٍ حكيمةٍ: في الليل يتساوى العميان والمبصرون”.
الشتات وأدب الثورات

يرى عدنان فرزات أن المشهد السردي العربي اليوم في أوج ازدهاره، فالسرد يتسيد الأجناس الإبداعية، ليس إرضاء لمقولة “السرد أصبح ديوان العرب”، بل هو وصف واقعي لانتشار الرواية جماهيريًّا. ويستطرد “هنا تتجسد نقطة خطيرة، هي الخشية من أن يتسلل المدعون إلى المشهد الروائي مستغلين هذا الازدهار”.

وتتبدى مخاوف لدى فرزات من أن يحصل للرواية العربية ما حصل للنثر، حين ساد في الثمانينات من القرن الماضي، فاستسهله كثيرون وأساءوا إلى الآخرين الجادين والجيدين، فهناك دائمًا انتهازيو النجاحات الأدبية، وإلى أن يكتشفهم الجمهور يكونوا قد خلطوا صالح الأدب بطالحه.

والرواية السورية اليوم، وفق عدنان فرزات، قوية الأسلوب، ضعيفة الانتشار، بسبب وضعها في الشتات، ويقول لـ”العرب” إنها “أصبحت أكثر جرأة في الطرح، ووجدت موضوعات جديدة، كما أنها عالجت الموضوعات القديمة بحرية أكثر، لكن جغرافيتها تائهة ومبعثرة، وهذا يؤثر على انتشار العمل الروائي ووصوله إلى الشريحة المستهدفة، خصوصًا في ظل استغلال العديد من دور النشر لهذا الوضع”. الرواية العربية لم تصنع ثورات، كما يرى عدنان فرزات، بل على العكس، الثورات هي التي صنعت رواية عربية، ويستدرك “هناك العديد من الروائيين الذين أنتجتهم الثورات من جديد بصبغة أخرى وطرح أعمق فكريًّا”.

الثورات بحد ذاتها لم تنتج الوعي الكافي الذي كان الشعب يطمح إليه، وذلك لعدة أسباب يسردها عدنان فرزات في حديثه، منها أن العقلية التي ثارت بغرض الديمقراطية هي نفسها لا تؤمن بها عندما يتعلق الأمر بانتقاد يخصها، كذلك عقلية الإقصاء والتحزبات والشلليات، ظلت ملتصقة بهم، فكانوا يثورون على الأنظمة بأدوات الأنظمة نفسها. ويرى فرزات أن جرعة السياسة التي خالطت الحراك الشعبي أفسدت الثورات، فـ”الأحزاب إذا دخلت ثورة أفسدتها”، على حد تعبيره.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق