متابعات ثقافية و فنية

الحياة السورية في مكان آخر : حكايات الاحتماء بالذاكرة والناس

رشا حلوة

تعيش في برلين ثقافات عديدة، بحضور أفرادها في المدينة لأسباب اختيارية أو قسرية. ولربما يبدو حضورها أكثر وضوحًا مع ازدياد عدد الأفراد الذين ينتمون إليها. ومن بين هذه الثقافات، بإمكاننا أن نقول اليوم إن الثقافة العربية أصبحت تُلمس وتُرى وتُسمع في فضاءات كثيرة. أشكال عديدة للتعبير عن الثقافة، منها الفردية وكذلك الجماعية، منها ما تقع ضمن المشهد الثقافي والفني، بشكلٍ مباشر، ومنها تلك التي تقع في خانة التعبير الأوسع للثقافة، كقصص الناس، طقوس حياتهم، الطعام، العلاقات الاجتماعية والعاطفية وغيرها.
هذه الأشكال، مرتبطة أيضًا بالسياق السياسي لحضور هذه الثقافات في أماكن بعيدة عن موطنها الأصلي. اليوم، وفي ظل الواقع السياسي السوري الذي نتجت عنه موجات لجوء كبيرة إلى أوروبا، تحضر الثقافة السورية بتنوعها وغناها بقوة في مدينة كبرلين. بعيدًا عن الإنتاج الإبداعي السوري، فالتعبير الثقافي حاضر في تفاصيل الحياة الصغيرة: كلقاءات الناس مع بعضها بعضا في أماكن متنوعة، منها البيوت وكذلك الفضاءات العامة، السهرات، طقوس العشاء الجماعي، المقاهي، أو سهرة في حديقة عامة، تبدأ بالحديث وتنتهي بأغانٍ يعرفها كل فرد في المجموعة، كل من تجربته وذاكرته الخاصة. فالمأساة السورية، الأقرب اليوم إلينا، تثير أسئلة عديدة حول التعبير الثقافي لدى شريحة من الشباب، خرجت من سوريا قبل فترة قصيرة، وحاولت خلق فضاءات آمنة بعيدًا عن الوطن الأم.
من خلال هذا التقرير التقينا بأصدقاء وصديقات سوريين في مقهى «بلبل برلين»، وهو مقهى أسسه (نضال بلبل) ــ فلسطيني من غزة ــ ليكون فضاء لحضور وتقديم الثقافة العربية في المدينة، ويشكل مؤخرًا مساحة للقاء الأصدقاء والصديقات، بلا مواعيد.

الاحتفاظ بطقوس كنا نعيشها

تعيش إباء حويجة في ألمانيا منذ 3 سنوات، وتجهز لبدء دراستها الجامعية، تقول: «أرى أن اللقاءات الجماعية السورية في برلين، كلقاءات الأصدقاء والسهرات وغيرها، هي أمر طبيعي، خاصة لمن خرج مجبرًا من مكانه إلى مكان جديد. عشت في سوريا 22 عامًا، ومن ثم أتيت إلى ألمانيا، وبالتالي التجارب التي عشتها هناك لن أنساها ولن أعمل على كبتها، هذه تجربة مستمرة، هنالك طقوس كانت أساسية بالحياة في سوريا، كنت سعيدة بأن أعيشها هناك، وسعيدة بأنها تُستحضر وتخلق من جديد في برلين، جمـــــيل هذا الإحساس.
صحيح أني أصبحت بعيدة، وأعيش تفاصيل جديدة ومختلفة، لكن على الأقل من الجميل الحفاظ على قصص وطقوس كنا نعيشها، وبالتالي الحفاظ على روحها وشكلها كما كان في سوريا.
هذا لا يعني أبدًا الانعزال عن الواقع الجديد والتواصل معه دائمًا. اللقاءات بين الناس هنا، في برلين، تختلف عما اعتدنا عليه في الشام. فعندما كنا نذهب مثلًا إلى مقهى ما، سنجد فيه أشخاصا نعرفهم، ونجلس معا بلا مواعيد. يختلف الأمر هنا، حيث ضرورة تنسيق مواعيد وأماكن اللقاءات. أجواء اللقاءات، بما فيها السهر، تختلف من مكان إلى آخر، في الشام وبيروت تتشابه الأجواء، وهنا نجد نظامًا آخر.
لم أستطع شخصيًا أن أنخرط في أجواء الحفلات والأندرغراوند في برلين، لا تناسبني، فشعرت بأني أحتاج إلى بديلٍ أحبه، وهو قضاء وقت مع أصدقاء وصديقات في البيوت، للعشاء والسهر والحديث».

اختلاق عوالم نعيش فيها

دلير يوسف كاتب ومخرج سوري، يعيش في برلين منذ 6 سنوات، يقول: «أشعر بأن هذه الطقوس الجماعية هي أمور فردية، ولها علاقة بهوية الفرد وتشكيلها وكيف يمكن للفرد أن يختار العلاقات الاجتماعية والأماكن التي يذهب إليها. ربما أيضًا هذه الطقوس مرتبطة بمعرفة الفرد للغات أخرى، عندما يتكلم الشخص العربية فقط، فمن المؤكد أنه لن يتعرف على غير العرب في المدينة. تجارب الناس تختلف، بما في ذلك تجربة وصول كل فرد إلى هُنا، هنالك من أخذ الطريق معه عامًا كاملًا، وهناك من مشى سيرًا على الأقدام في الغابات لمدة شهرين، كل هذا يختلف عن حالتي التي لم أفعل شيئًا سوى أني حصلت على فيزا من السفارة ووصلت إلى برلين. الوجود السوري هنا هو جديد من ناحية العدد، عندما وصلت قبل 6 سنوات لم يكن هذا العدد من السوريين، اليوم اختلف الأمر. لكنه ليس كافيًا ليشكل حالة سورية كما الأتراك في ألمانيا أو المغاربة في هولندا. بالنسبة لي، علاقاتي الاجتماعية وتعاملي مع هذه الطقوس هي تجارب فردية، وشعوري بالانتماء إلى فضاءات أحبها، هي أسئلة أخوضها مع ذاتي. هل أحب أن ألتقي بصديق لأنه سوري؟ أم لأني أحبه كإنسان؟ الكثير من السوريين المقيمين هنا أو في سوريا، لا يجمعني بهم أي شيء. هنالك من جاء من الحارة نفسها التي عشت فيها إلى هنا، ولا يربطني معه أي حديث مشترك. بالمقابل يربطني مع صديقي الإيطالي الكثير، يمكن أن نتحدث مدة أربع ساعات ومن ثم نلعب «دحاحل» حتى الصباح. في ما يتعلق باللقاءات الجماعية والسهرات، فأنا أعتقد أن الإنسان يطور لنفسه آليات دفاعية ويخلق لنفسه عوالم يعيش فيها ومن خلالها يجد بيته. ممكن أن يكون أحد المقاهي هو البيت، أو مطعم سوري في باريس، فكلها آليات دفاعية، لا أكثر ولا أقل».

ما بين النوستالجيا والفصام

الصحافية السابقة رانيا بدري، والتي تعمل موسيقية الآن تقول: «سأتحدث من مكان شخصي تمامًا، الفكرة هي أن هنالك فرقا بين شخص سافر أو هاجر منذ فترة طويلة وبين شخص لم يمر الكثير من الوقت على خروجه من بلده. هنالك حالة تُسمى الحنين إلى الوطن، لكن لا أفهمها عندما تحضر بعد مرور فترة قصيرة من الخروج منه. قبل قليل هربت من واقع قاتل، ما هو الشيء الذي تشتاق إليه فعلًا؟ بالإضافة إلى أنك ستعيش حالة من الانفصام، خاصة لكونك مجبرًا على الاندماج في المجتمع الذي تعيشه، ويجب أن تتعرف على المكان الجديد. وصلتُ إلى أوروبا بداية إلى باريس، وقدمتُ لجوءًا هناك، بالتالي لا يمكن أن أبدأ بالبحث عن الأمكنة التي يجتمع فيها السوريون وقضاء وقت معهم.
أريد أن أتعلم وأفهم الفرنسية، وإذا قضيت معظم وقتي مع السوريين، فلن أتعلم الفرنسية. الأزمة في هذه الطقوس الجماعية والسهرات، هي فكرة أن هنالك تفاصيل لم تعنك أو لم تقم بها ولم تُقبل ثقافيًا في بلدك، فتصبح الآن أساسية، على سبيل المثال سماع أغنية لمغني لم أكن أسمعه في البلد، لا بل كنا نسخر منه عندها، أستغرب اليوم من أن هنالك من يمارس عادات لم يكن يفعلها في بلده لمجرد أنها اليوم من «رائحة سوريا».
فعندما سأذهب إلى سوق العرب في برلين، لن أشتري شوكلاتة دربي وتويست في سوريا، لم يكن لدينا استيراد وتصدير، كنا مجبرين على شرائها، لكن لماذا سأشتريها هنا في برلين؟ مع ذلك، أشعر بأن برلين كمدينة تحتضن لقاءات جماعية وسهرات تشبه أجواء حارة ساروجة في الشام، عندما كنت أذهب إلى أحد المقاهي هناك، ألتقي بأشخاص أحب رؤيتهم. وأشعر بأن هذه المنطقة من برلين، حي كرويتسبرغ، تشبه ساروجة كثيرًا. وحتى عندما أمر على مقهى بلبل برلين، أكون سعيدة برؤية أصدقاء وأشخاص أحبهم بلا مواعيد مسبقة، وأنضم إلى طاولتهم بلا رسميات وبتلقائية مرحب بها تمامًا».

القبض على تفاصيل الذاكرة

عبد الرحمن موسى مخرج سوري، يقول: «وجود هذه الطقوس تخفف من وطأة الغربة، وهي أيضًا امتداد للثقافة. هذه الثقافة حاضرة في طقوس البلد هناك، وتنتقل مع انتقال وترحال الناس إلى هُنا. الحياة هي الناس. الأماكن تشبه بعضها للحظة، لكن الأشخاص هم يصنعون الذكرى في المكان، ومع الوقت تتحول إلى حنين. وصول الناس إلى مكان جديد وظروف جديدة في ظل جرح ما زال يتوسع ويزداد صعوبةً. الناس تحتاج للهروب من فكرة مؤلمة وهواجس قاسية لفضاءات ومساحات جميلة، تلتقي بها مع الناس، وتمارس الطقوس التي كانت حاضرة في البلد قبل الثورة. هي فضاءات تعمل على تخفيف وطأة الواقع وضغوطاته. سنكون خائنين للذاكرة إذا اختفى البلد من ذاكرتنا. البلد هو الشيء الذي لا تخونه الذاكرة ولا تفاصيلها الصغيرة. هذا هو عامي السابع خارج سوريا، وتقريبًا عامي السابع الذي لم أرَ فيه أهلي. الصور المحفوظة بالذاكرة باهتة اليوم، كأنها أصبحت صورًا قديمة. كل صوري شمسية، وأقول دائمًا أن صور الذاكرة الجميلة هي شمسية وصيفية وليست شتوية. لكن صور البلد، حتى صور أهلي، ضبابية اليوم، وهذا سيء. الذاكرة مؤلمة ومتعبة للحظات كثيرة، بالتالي، وعلى الرغم من حاجتنا لها، نحتاج لأن نكون خارجها قليلًا، لأنها من الممكن أن تعرقلنا وتجعلنا نراوح أماكننا. في المقابل هنالك محاولات عديدة لتعويض المفقود، سواء الأهل أو الأصدقاء أو الوطن. البلد حاضر في أصواتنا وطعامنا وموسيقانا وحديثنا وسخريتنا، حاضر بهذه التفاصيل الصغيرة. هذه اللقاءات مع الناس هي كاللجوء الحقيقي، نلجأ إليها لأن نداوي بعضنا بعضا، خاصة لأن كلا منا يعرف وجع الآخر، بدون أن يتحدث عنه. يجب في هذا المكان البعيد وبظروفنا القاسية أن نبقى واقفين، كل على طريقته الخاصة».

لا أستطيع أن أكون وحدي

طارق فارس كاتب وصحافي ومصور، يقول: «بالنسبة لي، الوطن هو صور وقصص. وهذه الصور والقصص مرتبطة بالناس فقط، وما يعنيني هو الناس، وكل شخص حامل لقصته. لربما أنا مختلف قليلًا، لا يشدني كل البشر، لكن هنالك قصص معينة وأفراد من غيرهم أشعر بأني بلا وطن ولا مكان، حيث هناك أشياء عميقة تربطني بهم. وصلت إلى هذا المكان مجبرًا، وبالتالي لا أريد أن أكون وحيدًا، فمن الطبيعي أن أكون مع أصدقائي ويحيط أحدنا الآخر، وهنالك ألف شكل لهذه اللقاءات. نحن نهرب إلى الماضي، لا بتفاصيله السلبية، رغم أنه مليء بالسلبيات، لكننا نهرب إليه لعلاج حاضرنا اليوم. دائمًا سأبحث عن شكل ما شبيه للماضي الذي عشت فيه، خاصة في مكان أعيش فيه غير مرتاح. ففي بلدي، كنت أفعل ما أشاء وأحس بالراحة، هنا أنا لست مرتاحًا، وهذه هي الغربة بالنسبة لي، وبالتالي أبحث على فضاءات من خلال الناس، أشعر معهم بالراحة. عندما ألتقي بأشخاص هنا، تربطني بهم أيضًا ذاكرة مؤلمة وبشعة ومليئة بالدمار والألم والموت عشناها وشاهدناها، لكن حتى حين نتكلم عنها لا نرى إلا التفاصيل الجميلة منها. لأني لا أريد أن أبقى حزينًا، أتعامل مع هذه الذاكرة بأسلوب آليات الدفاع، كأن نضحك عليها أو نراها موقفًا هزليًا أو حتى جميلًا. عندما وصلت إلى برلين، بعد قدومي إلى ألمانيا بعامٍ و8 شهور، شعرت فقط عندها أني وصلت إلى ألمانيا. كنت أعيش في مكان معزول بلا أي شيء، ولم ألتق بأي شخص أعرفه من قبل. هنا في برلين، أعيش مع أصدقاء تجمعنا ذاكرة مشتركة وأماكن مشابهة في سوريا قضى فيها كل واحد منا أوقاته، ولم نكن عندها نعرف بعضنا بعضا، لكن ذاكرة هذه الأماكن لكل منا وتجربته تصبح مساحات مشتركة، تجمعنا اليوم، ونحاول أن نفعل شيئًا فيها. ينهي كل منا عمله ونلتقي في المقهى يوميًا وبلا مواعيد، هذه العادات جميلة وتخفف وطأة الواقع. الأمر الثاني هو الطبخ ودعوة الأصدقاء إلى البيت، سواء كان لدي عمل أو لم يكن، هذا الطقس مقدس، لا أستطيع أن أكون وحدي، هذه حقيقة. عندما أكون وحدي تتملكني مشاعر خوف وأفكار مرعبة، فالأفضل أن أكون محاطا بالأصدقاء. لأني حين أكون وحيدًا، تبدأ أسئلة مثل: لماذا أنا هنا؟ وماذا أفعل هنا؟ ولا أريد أن أفكر كثيرًا بهذا السؤال. خلال اليوم، أعمل جاهدًا كي أثبت نفسي في هذا المكان الجديد، برلين، وخلال المساء، بحاجة لأن أعيش مع أصدقائي كي لا أسأل نفسي: أين أنا؟».

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق