متابعات ثقافية و فنية

الدين والإمبريالية والطباعة في فترة ما بعد العثمانيين : ولادة الإحيائية الإسلامية

محمد الربيعو

مع حلول عام 1914، لم تبق سوى الإمبراطورية العثمانية كرمز لدار الإسلام التقليدية وخلافتها الكونية، مع ذلك كان هذا الواقع ماضياً أيضاً في التغيير، عندما أدرك مجموعة من الضباط الشباب ضعف النظام القديم، وبحلول عام 1921، كانت الإمبراطورية العثمانية تقتصر على دولة واحدة ألا وهي تركيا. كما كان مصطفى أتاتورك وزملاؤه، في طريقهم إلى الإعلان عن أن هوية تركيا ستخضع لإعادة صياغة وتشكيل، لتصبح جمهورية علمانية عوضاً عن دولة إسلامية. وبحلول عام 1924، أعلنت الجمهورية التركية الجديدة عدم قدرتها على دعم الحاكم العثماني بعد الآن، داعية الآخرين إلى تولي وإدارة المؤسسة المرتبطة بالخلافة التاريخية.
وكان من شأن إبطال السلطنة العثمانية وفقاً لجون كلسي في مؤلفه «الحرب العادلة في الإسلام»، «أن طرح أزمة تشريعية في دار الإسلام. وجاءت صيحة الاحتجاج الأولى عالية من الهند، التي لم تخضع في السابق للحكم العثماني، مع ذلك كانت ترى أن القيمة الحقيقية للحاكم العثماني تكمن في كونه رمزاً للوحدة الإسلامية؛ ففيما كان مسلمو الهند، كما غيرهم من مسلمي الدول الأخرى يمرون بوقت عصيب في صراعهم المرير مع النفوذ الأجنبي، كانت الخلافة العثمانية وإن كثر ما تواجهه من معضلات، تشكل نقطة مركزية أمكن للمسلمين التكتل والتكاتف حولها». في السياق ذاته، أخذ بعض علماء الأزهر في عام 1925 بإعداد قائمة بالمواصفات التقليدية لمن يحمل لقب الخليفة، كمحاولة لإعادة إحياء الخلافة من جديد. يومها شيد العلماء شكلاً كلاسيكياً للحوكمة يتمثل بحاكم واحد، يحكم بالشريعة في ظل الشورى، مع أعضاء من العلماء والعارفين، غير أنه سرعان ما برزت الإشكاليات حول هذا النموذج من الخلافة، عبر أحد أصغر العلماء سناً وهو علي عبد الرازق، الذي بيّن من خلال كتابه «الإسلام وأصول الحكم» أن لا القرآن ولا سنة النبي وضعا نموذجاً خاصاً ليُحتذى في الخلافة. صحيح أن النصوص أشارت إلى أن النبي قد اضطلع بالقيادة في السياسة كما في الدين، على الأقل بعد الهجرة إلى المدينة المنورة في عام 622، ولكن قيادته السياسة ارتكزت على أساس مختلف جدًا عن نفوذه في الدين، فبوصفه نبياً، كان محمد (ص) متلقيا متقبلا للكشف الإلهي الذي توسله الله ليدعو الناس إلى الإيمان. وبوصفه قائداً سياسياً، استقى محمد سلطته ونفوذه من اعتراف معاصريه بمهارته في إدارة شؤون الدولة. أما أولئك الذين أتوا من بعده أو خلفوه فحملوا لقب الخليفة، وقد ارتقوا إلى هذا المنصب على أساس مجموعة مماثلة من المهارات الدنيوية. أما الذين جاؤوا في أعقاب الخلفاء الراشدين، وادّعوا لقب الخليفة، فقد شكّلوا وفقاً – لعبد الرازق- مجموعة مختلفة، وأتوا ببعض الأذى كما ببعض الخير، شأنهم في ذلك شأن كل الكائنات البشرية في سعيها إلى إتمام واجباتها، وعلى المرء أن يتوقع هذا. ولقد ارتكز اعتراف الجماعة بمشروعية قيادتهم على ما امتازوا به من مهارات عسكرية وسياسية، من هنا أكّد عبد الرازق ضرورة ألا يخلط المرء بين النفوذ في الدين والنفوذ في السياسة، لأنهما مختلفان تمام الاختلاف، وأنه هنا ينبغي على الأمة الإسلامية الاعتراف بهذا الواقع، والإدراك أن استعادة الخلافة العمانية وإحيائها من جديد ليس مما يطالب به الدين.
ورغم العاصفة الانتقادية التي استُقبِل بها كتاب عبد الرازق، يرى جون كلسي أن رؤيته قد تطابقت مع برنامج العلماء الساعين إلى تطبيق مذهب الفاعلية، الذين اقترحوا وجوب أن تنظر مصر، وعلى نحو أشمل غيرها من الدولة الإسلامية، تاريخياً، إلى التوصيف الإسلامي كخريطة طريق تدل على سبل وضع قيم العدالة والمساواة حيز التنفيذ، أكثر مما تنظر إليه بوصفه نموذجاً تطبقه بحذافيره في المؤسسات الرسمية. مع ذلك يرى كلسي أن بعض هؤلاء الناشطين، كما في حالة رشيد رضا، ورغم عدم إنكاره أن الشريعة لم تضع خطةً أو برنامجاً مفصلاً للحكم، إلا أنه أنكر اقتراح عبد الرازق إمكانية فصل الدين عن السياسة فصلاً تاماً، كما أن رضا وافق على طرح عبد الرازق القائل بحاجة الدولة الحديثة إلى إسهامات كل مواطنيها. ولكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن اعترافاً من هذا النوع لا يمنع المفهوم القائل إن لأولئك المواطنين إسهامات مختلفة يؤدونها، فالمسلمون، أو على الأقل من أحسن منهم الاطلاع على مناهل السنة، التي يستند منطق الشريعة إليها، يجب أن يتولوا القيادة. أما الآخرون، ممن افتقرت معارفهم بالدين والأخلاق إلى المتانة، فينبغي عليهم الخضوع والإذعان لحكم من كانوا أفضل منهم.
وهنا يمكن أن نشير إلى أن كلسي قد بقي متأثراً في طرحه حول رشيد رضا برؤية ألبرت حوراني وقراءته لهذه الشخصية في كتابه «الفكر العربي في العصر الليبرالي» الذي تُرجِم للعربية تحت عنوان «الفكر العربي في عصر النهضة» (رغم اعتراض حوراني على هذه التسمية). إذ بدا حوراني – كما هو حال العديد من الباحثين- متأثراً برؤية رضا المتأخرة دون أن يبدي أي تمييز يذكر بين آراء رضا قبل عام 1920 والتحول الذي شهدته آراء الرجل بعد هروبه إلى الصحراء الأردنية من الدبابات الفرنسية، التي دخلت دمشق. وفي هذا السياق يمكن العودة إلى دراسة المؤرخة الأمريكية اليزابيت ف. تومبسون «رشيد رضا والدستور العربي السوري لعام 1920: كيف قوّض الانتداب الفرنسي الليبرالية الإسلامية» لفهم أدق لهذا التمييز؛ إذ بينت تومبسون من خلال هذه الدراسة، أن الباحثين كثيراً ما أشاروا إلى ابتعاد رضا عن حداثوية أستاذه محمد عبده، لصالح تبني الوهابية، وإلى أن هذا التحول في آراء رضا، كان نتيجة طبيعية لنزعته المحافظة. في حين تُظهِر الباحثة من خلال النقاشات التي رافقت تشكيل دستور 1920، أن رضا الذي كان يشغل يومها رئيس المؤتمر التأسيسي العربي السوري المكلّف بكتابة الدستور، لم يعترض على أن يكون هذا الدستور علمانياً، كما رأى أن الطريقة الوحيدة أمام السوريين لكسب السيادة، تكون من خلال تحقيق وحدة تشمل كل الطوائف، مما يحرم الأوروبيين من أهم مبرراتهم الأساسية لفرض حكمهم الاستعماري، بدعوى حماية الأقليات. لكن مع دخول الفرنسيين لدمشق – ترى تومبسون- أخذت رؤية رضا تهتز بالنماذج الكونية للعدالة، كما أخذ ينظر إلى الليبرالية بمثابة حصان طروادة للإمبريالية الأوروبية. وفي موازاة هذا الشقاق بين الإصلاحيين والليبرالية، الذي أسفر عن رؤية ترى في استعادة الشريعة الأساس لنيل السيادة، كنا نرى- بحسب كلسي- شيئاً جديدا لم نعتده من قبل في تاريخ منطق الشريعة. ففي السابق كانت العامة تذعن لطبقة العلماء حول الدين بوصفهم مستبحرين في هذا الحقل، إذ لم تكن أكثرية المسلمين تجيد القراءة، ومن أجادها منهم، لم يهدف إلى الحصول على النصوص الضرورية لممارسة التمرين الفكري على المعضلات الفقهية في الشريعة، لأنه وكما يشير ألبر أورطايلي في دراسته عن «المطبعة والمكتبات في المرحلة العثمانية» فإن التعليم في المجتمعات التقليدية (ومنها المجتمع العثماني) كان يتم عبر الشفوي، والاعتماد على الذاكرة للنقل في ما بينهم، وهو الأمر الذي حال دون انتشار الكتاب على نطاق واسع. ولكن مع حلول العشرينيات والثلاثينيات، نمت طبقة من أصحاب المهن والمحترفين، قادرة على القراءة ومناقشة مسائل الدين، وذلك بالتزامن مع وفرة متزايدة للكتب نتيجة تطور الطباعة، وقد أدى هذا الأمر إلى نمو نزعة شعبية واسعة الانتشار ميّزت إسلام القرن العشرين، وأخذت هذه النزعة تطالب بالعودة والتفكر بالدين دون النظر إلى العلماء بوصفهم الطبقة التي تعنى حصرياً بفهم وتفسير هذا النص، كما أن ما ميز هذه النزعة وفقاً لرضوان السيد في كونها أخذت تمتلك وعياً إحيائـــــيا ليست أولويته مسألة التقدم والنهوض، بل حفظ الهوية وصونها.
وبأن المسلمين مهددون ليس بسبب تخلفهم، بل بسبب عمليات التحديث الغربية، لذلك لم يعد المطلوب التبادل الثقافي، أو الاقتباس والإفادة، بل المواجهة الشاملة من أجل الحفاظ على الهوية وعلى الإسلام، ولعل هذه الرؤية تركت آثاراً غائرة بلا شك في الفكر الإسلامي المعاصر إلى يومنا هذا.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة