مقالات

من ثقافة المُشترك إلى عِرقية الثقافة

زهور كرام

شكل المُشترك الإنساني جوهر وجود المجتمعات. واختلفت مكونات المُشترك بفعل اختلاف حاجيات المجتمعات، ونظام العلاقة بين أفرادها. كما تعددت مظاهر المُشترك، حسب مصالح الأفراد والمجتمعات. لهذا، يحضر مفهوم البنية بقوة في الوعي بمفهوم المجتمع، ليتحدد المعنى في العلاقات التي تربط بين أفراد المجتمع، بموجب المُشترك بينها.
عرف المشترك تطورا في مكوناته ونظامه ومنطقه، تبعا لتحولات المجتمعات، والعلاقات التي تربط أفرادها. تشكل المشترك من مجموعة من المكونات منها: اللغة والعرق والقومية والدين، وما نتج عن طرق توظيف هذه المكونات من تصورات ذهنية أخذت طابع المكون، وباتت تشتغل لتُحدد المُشترك، إضافة إلى عناصر أخرى. تمكنت بعض هذه المكونات من الاستمرار تاريخيا، والمُحافظة على قوتها التأثيرية في حياة المجتمعات، بدعم من حاجة المجتمع إليها، بينما تم تجاوز البعض الآخر خاصة، عندما دخلت المجتمعات مرحلة جديدة من العلاقات بين الأفراد، تخضع فيها إلى القوانين التي تحدد موقع الفرد وعلاقته بالآخر، ضمن منظومة جديدة للمجتمع. غير أن الحاسم في عملية التجاوز، يظل مشروطا بالوعي الاجتماعي، وقدرته على تمثل التجاوز باعتباره حاجة ضرورية وحضارية للعيش المشترك، والانتصار للبعد الإنساني.
وعليه، فإن ثقافات المجتمعات تُعبر – في غالب الأحيان- عن طبيعة هذا المشترك، ومسار استعماله، وكذا محتواه من عناصر وتصورات ومعاملات، كما تحمل تاريخه معها، باعتباره دعامة أساسية لتاريخ وجودها، وحصانة لاستقرارها، في المكان والزمن وفي التصورات. لهذا، أصبح الدفاع عن الثقافة دفاعا عن المشترك الجماعي، المقبل من الماضي، الذي توارثته الأجيال، وحملته معها نحو المُستقبل. كما بات الدفاع عن الثقافة، دعوة للحفاظ عن الحاضن لهذا المشترك المجتمعي، بما يعني ذلك، مختلف أشكال التعاقدات الاجتماعية واللغوية والعرقية والدينية. عندما نتأمل تاريخ استمرار الثقافات، وانتصارها على النكسات والحروب التاريخية، والملابسات السياسية، وقدرتها على الاستمرار، باعتبارها ذاكرة مجتمعات، ونظام علاقات اجتماعية، وبنية ذهنية، سنلاحظ عنصرا جوهريا، كان وراء بقائها التاريخي، واستمرارها الوجودي، وحضورها القوي في وجدان الشعوب، يتمثل ذلك في ما يمكن تسميته بـ»الحوارية الضمنية الداخلية» التي أعني بها، قبول عناصر الاختلاف لبعضها، في إطار منطق التعايش الذي قد لا يكون شيئا مُفكرا فيه، وإنما حالة شعورية وجدانية، قد تُدعمها عناصر التدبير العقلي والفلسفي، غير أنها تظل حالة اجتماعية، تجعل مجموعات بشرية تتواصل بمنطق مُشترك، لذا، عندما نتحدث عن الثقافة اليونانية، والثقافة العربية، والثقافة الإسلامية، والثقافة الغربية، فإن هذه الثقافات تصلنا في البداية باعتبارها وحدات منسجمة المشترك، أو أنها تُقدم نفسها باعتبارها مُشتركا في المكونات وفي طريقة التصرف في هذه المكونات، ثم في الرؤية، وقلما يظهر لنا الاختلاف في مكوناتها، أو حتى الخلاف بين عناصرها التي تؤثث مُشتركها. قد يحدث ذلك، عندما يتعلق الأمر بتحليل خطاب المُشترك. وقد استطاعت الأمم والمجتمعات الحفاظ على هذا الوعي، قبل ظهور ثقافة حقوق الإنسان، وما رافقها من مفاهيم مُؤطرة لهذه الثقافة، مثل الحق في الاختلاف والمساواة ومفاهيم السلام والعدل والكرامة الإنسانية، والحرية ثم مفاهيم ترفع من شأن الفرد قبل الجماعة أو العشيرة مثل المواطنة، وما استجد من مفاهيم حديثة مثل مفهوم الشراكة. لكن، هذه الحوارية الضمنية الداخلية التي ميزت المشترك المجتمعي، وجعلت التنوع في العناصر غنى، والاختلاف في المكونات ثراء، نجدها تتراجع اليوم، بدعم كبير مما يحدث في السياسة العالمية التي تُربك ترتيب هذه الحوارية، وتُخرجها من وحدتها وانسجامها، وتفككها إلى أجزاء مُتناحرة، باسم العشيرة والقبيلة والطائفة. تنتقل الثقافة من حاضنة للمشترك المُتناغم، إلى ثقافة عرقية تنتصر للجزء والمُكون، وبالتالي تُدافع عن الخلاف أكثر من الاختلاف، وعن القبيلة أكثر من الوعي الجمعي المشترك، وتُحول قيمة الفرد إلى قيمة الانتماء إلى العشيرة، وتُحيي النزعة القبلية، وتبدأ في تشكيل ثقافة الجزء ضد الوحدة، والقبيلة ضد الدولة، والكيان الخاص ضد المجتمع. وهنا، نطرح مجموعة من الأسئلة عن واقع انتقال الثقافة من الحاضن للمشترك الجمعي، إلى المدافع عن المشترك، باعتباره أجزاء متنافرة للاصطدام والتناحر والتقاتل، فقط من أجل الرفع من شأن الجزء: هل الانتصار للثقافة العرقية، تلك التي تتجاوز المُشترك، وتُركز على الجزء باعتباره الأهم ومحور المشترك وجوهره، يُعد إعلانا عن فشل الخيارات الفكرية في المجتمعات العربية؟ وهل قدر المجتمعات العربية أن تظل رهينة المنطق القبلي، حتى وهي تسعى للانخراط في ثقافة المشترك الإنساني؟ هل هو قدرٌ تاريخي، أم أمرٌ سياسي، بموجبه، تنزع الشعوب العربية بسرعة ثقافة المشترك، وتنتصر للجزئي؟ هل ذلك، تعبيرٌ صريحٌ عن فشل التعليم في الخيارات السياسية العربية؟ أم تشخيص واقعي لفشل مفهوم الدولة في التجربة العربية؟ لماذا استطاعت مجتمعات آسيوية، أن تجعل التعدد لمشتركها غنى وإبداعا، وانتصارا لاقتصادها واستقرارها السياسي وحصانة لمستقبلها؟ هل تعود المجتمعات العربية إلى الوراء وهي ـ بدعم سياسي ـ تتخلى عن المُشترك، وتُحول تعدده وتنوعه إلى فتنة؟ أين يكمن الخلل؟ وهل يمكن الحديث عن غياب النخبة الفكرية التي تتولى تحليل الأوضاع، وتُقدم مقاربات، تُعيد الوعي الجمعي إلى مُشتركه، بأسس فكرية وعلمية؟ أم أن ما يحدث عبارة عن خطاب رد الفعل ضد الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، التي لم تستطع تمكين الفرد العربي من الحياة الكريمة؟ هل العودة إلى حضن العشيرة صرخة في وجه منظومة الدولة ومؤسساتها التي لم تُؤمن مشروع «حب الوطن»؟ تلك مجرد عينة من الأسئلة التي تقترح نفسها، أمام بداية هيمنة ما يمكن تسميته بـ»عرقية الثقافة» التي تعمل حاليا على إخراج التناغم المجتمعي من تناغمه، والزج به في التناقض والاختلاف من اختلافه، والزج به في الخلاف، وتُضعف قوة التعدد، حين تفككه وتُخرجه من وحدة الانسجام.
تُعتبر مواقع التواصل الاجتماعي من أكثر الفضاءات التي تتجلى فيها هذه الثقافة، وتعمل على نشرها، إما بوعي مقصود، أو غير مقصود. ولهذا، فإن تحليل خطابات المواقع الاجتماعية من تدوينات وتعليقات وتفاعلات، بشأن هذا الموضوع، سيجعلنا نثير للنقاش قضايا مهمة تخص وضعية المفاهيم التالية: الفرد والمواطن والقبيلة والعشيرة والعِرق والدولة والتعدد والانسجام والوحدة وغيرها، مع طرح أسئلة حول وضعية مفاهيم ناضلت الشعوب العربية منذ استقلالها على ترسيخها، وجعلها أفقا للحداثة العربية، مثل: الحرية والعدالة، والمساواة والحق في الاختلاف والخصوصية، والمواطنة وغيرها. فهل معنى هذا، أن مفاهيم النضال التاريخي، ظلت مجرد شعارات ليس إلا، ولم تتمكن من الانتقال إلى سلوكات اجتماعية، ومعاملات بين أفراد المجتمع؟ أم أن التعدد المُتعدد في التركيبة العربية، تعدد غير وظيفي؟ وهل العنف الذي يخترق العلاقات واللغة والشارع والمشاعر تعبير صريح عن وضعية المفاهيم التي شكلت جوهر نضال الشعوب العربية؟
عندما تتخلى الشعوب عن مكتسباتها الحقوقية والثقافية التي ناضلت من أجلها، فإنها تتخلى عن ذاكرة وعيها. وعندما تنتصر للثقافة العرقية، فإنها تعود تدريجيا إلى الوراء، في زمن يتقدم فيه العالم بسرعة نحو الأمام، مع منطق الزمن التكنولوجي. لاشك، أن المرحلة تقتضي تحديا مزدوجا، بأدوات مختلفة، وطرق تفكير جديدة، من أجل الحفاظ على المُنجز في الوعي الحقوقي، ومواجهة السياسات الداعمة لعودة الشعوب إلى حضن العشيرة، والصوت الواحد.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة