متابعات ثقافية و فنية

إيليني سيكيليانوس تثوّر السرد البيوغرافي في كتابٍ هجين

أنطوان جوكي

نعرف إيليني سيكيليانوس شاعرة أميركية طليعية لها ستة دواوين شعرية، أبرزها «قصيدة كاليفورنيا» (2004). نعرفها أيضاً مترجمة نجحت في نقل إلى الإنكليزية بعض أعمال الشاعر الفرنسي الكبير والصعب جاك روبو، قبل أن تضع عام 2004 كتاباً يخرج عن المألوف بعنوان «كتاب جون» هو عبارة عن نصّ هجين وحداثوي يختلط فيه السرد بالشعر وعناصر سير-ذاتية وصور فوتوغرافية، ويشكّل تحيّة فريدة من نوعها لوالدها الموسيقي والشاعر الذي توفي بجرعة مخدّر فائضة داخل نَزْلٍ في مدينة ألبوركيرك الأميركية، ولم يكن بحوزته سوى علبة سجائر و11 دولاراً.
عام 2014، استعانت سيكيليانوس بالوصفة ذاتها لإعادة خطّ مسيرة جدّتها المتوفّية ميلينا في كتابٍ بعنوان Animal Machine نقله إلى لغة رامبو الكاتب الفرنسي كريستوف كلارو، وصدرت هذه الترجمة حديثاً عن دار «أكت سود». عملٌ يتعذّر تصنيفه ليس فقط لخلط الشاعرة داخله أنواع كتابية وأجناس أدبية وفنية عدة (السيرة الذاتية، السرد الروائي، الشعر، المحاكاة الساخرة، الصور الفوتوغرافية…)، كما في «كتاب جون»، بل أيضاً لتلاعبها الحاذق بحروف الطباعة داخل نصّها ولجوئها إلى الكتابة بخطّ اليد وإلى رسوم دعائية غزيرة.
وتجدر الإشارة بدايةً إلى أن لا مجانية على الإطلاق في طريقة تكوين هذا العمل الفذّ، بل عبقرية في توظيف مختلف أمثولات الطلائع الفنية الأوروبية من أجل محاصرة وإبراز جميع جوانب شخصية الجدة ميلينا، تلك المغتربة اليونانية، الهامشية في شكلٍ راديكالي، التي سعت ليلاً ونهاراً في أميركا من أجل تحويل حياتها إلى تحفة فنية حيّة، ونجحت في ذلك.
إشارة الناشر على الغلاف الخلفي من هذا الكتاب إلى أن هذه المرأة اشتهرت بين الحربين العالميتين في أميركا كراقصة كاباريه تحت اسم «الفتاة الفهد»، وتزوّجت ليس أقل من خمس مرّات (من لص، من طيار، من قزم، من قسيس أسوَد…)، وأنجبت ثلاث بنات، لا تختصر إطلاقاً مسيرة هذه الشخصية الفريدة التي «تنحدر من عدة أجيال من النساء اللواتي لم يُدجَّن أبداً»، لكنها تؤجّج فضولنا في معرفة المزيد عنها.
من كتاب حفيدتها يتبيّن لنا أن ميلينا عاشت في صغرها المجازر التي ارتُكبت بحق الأرمن والسريان واليونانيين في تركيا عام 1922، وتحديداً في مدينة سميرنا (إزمير)، قبل أن تتمكن في صباها من فرض نفسها في الولايات المتّحدة كرائدة في إدخال الرقص الشرقي (بصيغته المصرية اليونانية) إلى حفلات الكاباريه الأميركي، ثم تلتحق بفِرَق راقصة متنقّلة ويلمع نجمها داخل عالم السيرك. ومع تقدّمها في السنّ، اشترت منزلاً نقّالاً واستقرّت في صحراء موهافي حيث نشطت في صقل الحجارة كريمة.
باختصار، امتلكت هذه «اليونانية المعجزة» (العنوان الفرعي للكتاب) عناصر حياةٍ «أكبر من الحياة» سعت حفيدتها سيكيليانوس إلى إعادة تشكيلها وابتكارها انطلاقاً من مصادر واقعية وأخرى خيالية، أي من مواد عثرت عليها في أقبية وعلّيات أفراد عائلتها، ومن شهادات شفهية جمعتها من أمّها وخالتيها وأشخاص آخرين عرفوا ميلينا عن قرب، وأيضاً من استيهاماتها وتخيّلاتها. وبدلاً من محاولة تحليل علاقتها بميلينا، وأيضاً بفن البورتريه، أو السعي إلى بلوغ حقائق تاريخية، جهدت في نقل وتجسيد الظلال التي أسقطتها على هذه الجدّة الذكريات التي بقيت منها بعد تواريها، والأثار والأحلام والأسئلة والأسرار التي تركتها خلفها. وباستسلامها لتكهّنات مثيرة حول سيرة ميلينا انطلاقاً من مواد مركّبة ومتباية يصعب الوثوق بها، نجحت سيكيليانوس في تشييد فسيفاءٍ فريدة ومشغولة أكثر مما يبدو للقارئ عند الوهلة الأولى.
وسواء بطريقة تشكيله أو بمواده أو بهدفه، يستحضر هذا البورتريه المضاد، الذي يستمد نسغه من كوكبة ذكريات وانطباعات وطُرَف ومعلومات عامة مختلفة، ذلك الذي وضعه الشاعر الفرنسي أندريه بروتون للشابة نادجا في الكتاب الذي يحمل اسمها. فبدلاً من ارتفاعه كصرحٍ مأتمي شعري لميلينا، يشكّل هذا المشروع الأدبي قبل أي شيء نشيداً للخيال تتنافس داخله الإشراقات الشعرية مع حسٍّ دعابي، أبيض تارةً وأسوَد تارةً أخرى، من أجل تثبيت هوية الكائن المحبوب، وأيضاً التعريف بتجربة فريدة من نوعها لامرأة مغتربة في مطلع القرن الماضي. هكذا، وعلى صورة تلك الجدّة الهامشية، نتلقى هذا العمل كألبوم صور وقصاصات صحف وإعلانات (scrapbook)، وأيضاً كمُلصَق فنّي طليعي تتماثل مغامرة الكتابة فيه مع مغامرة الحياة التي يتوق إلى إنارتها. حياة داخل بلدٍ (أميركا) يتراءى حلمه وعنفه بطريقة مختلفة عمّا هو معروف.
وفي زمننا الذي تنطوي خلاله الهويات على ذاتها بتبريرات مضحكة ومبكية معاً، ويستعين بعض الكتّاب بالسرد الروائي والبيوغرافي من أجل تشييد أصولٍ لهم بطُرُق مشبوهة، تكشف الشاعرة، بإدراجها عوالم أسطورية عدة في كتابها الهجين والمحبوك بعناية، جانب الإبتكار والتحويل الذي لا يقبل الجدل في قلب تشييدات الذاكرة. وما ردود الفعل السلبية لبنات هذه الجدّة الثلاث على سردية حفيدتها، التي نطّلع عليها في نهاية الكتاب، سوى دليل على ذلك. تكشف أيضاً سلطة المخيّلة المخلّصة في مختلف الظروف، خصوصاً حين يتم تأجيج الشعرية الملازمة لها، كما تفعل سيكيليانوس على أفضل وجه.
باختصار، كتاب يزعزع السرد البيوغرافي في شكله التقليدي، علماً أن «سرد» ليست الكلمة الصحيحة، تقول الشاعرة فيه، و «قصة» هي كلمة مبهمة. إنه شبكة هبات عائلية محبوكة بخيطٍ أسوَد منير». وفي التصادُم المدوي للأشكال الكتابية والفنية داخله، وفي الحركة الصاخبة المنبثقة من أرضيته المبتكَرة، يحضر كجوقة أصوات متنافرة ومتناغمة في آن، وهو ما يجعله ينتمي إلى ميدان الأداء الصوتي أو التجهيز أكثر منه إلى الأدب، وما يمنحه كل فرادته وقوته وجنونه.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة