إصدارات

كتابة «اليد الثانية» في «قناديل المطر» للتونسية بسمة الشوّالي

رياض خليف

تنظر الدراسات الأدبية الحديثة إلى الشواهد الأدبية، أو كتابة اليد الثانية، كما وسمها انطوان كومبانيون في كتابه المعروف اليد الثانية أو اشتغال الاستشهاد، الذي يعد واحدا من أهم الكتب المرجعية الحديثة التي انشغلت بقضايا التناص واستدعاء نصوص قديمة داخل نصوص جديدة، باعتبارها بؤرة جمالية يكمن بين ثناياها الكثير من الجماليات الأدبية وحملتها خطابات عديدة يضمرها الخطاب. ولم تخل الكتابة السردية المعاصرة من ممارسة هذه اللعبة الأدبية واستحضار واستدعاء مقتطفات وتعابير من نصوص وسياقات مختلفة، فاتحة أبوابها لأصوات خارجية مقبلة من نصوص شفوية ومكتوبة أخرى يعود بعضها إلى الذاكرة الشعبية والبعض الآخر إلى الذاكرة الأدبية، وما ظل فيها من نصوص راسخة إخصابا للنصوص-على حد تعبير بعضهم- وإثراء لها. ولعل مجموعة» قناديل المطر» للكاتبة التونسية بسمة الشوّالي من المجموعات القصصية التي تلفت انتباه القارئ إلى هذه الظاهرة، لحرص صاحبتها على ممارسة هذا الأسلوب وفتح أقاصيصها على نصوص أخرى، حيث تتواتر داخلها نصوص خارجية أقحمتها في حكيها فتمتزج حكاياتها بنصوص مختلفة.

جغرافيا الشواهد

تتسع منطقة الشواهد فتشمل فضاء عتبات المجموعة وهي شواهد على صلة بكامل المجموعة، وتحاول أن تقول خطابها وخطاب كاتبتها، فلقد صدرت المجموعة بمقطع من قصيدة نثر لفتحي المسكيني عنوانها «قصيدة نثر في حديقة نفسي بعد ألف سنة مما تعدون» ولعل المتأمل في هذا الشاهد يتبين تواتر خطابين في داخله، خطاب الموت وخطاب الحب فبينهما تداخل لفظي ومعنوي «حين يولد الكبار بعد موتهم تكون كارثة، إذ سيخيم دوما على العالم شعور بان ثمة جنازة لم تقع، وذلك حتى أيام الحب». وما من شك في أن ثنائية الموت والحب في التصدير تشكل استباقا لحكايات المجموعة وأحداثها وصراعات شخوصها مع الحياة وصدماتهم وخيباتهم. ولكن الشواهد تتسع لتقتحم القصص وتظهر في تصديرها أو بين أحداثها تعليقا على اللحظة الحكائية أو على لسان الشخوص، أو على لسان الكاتبة في مساحات الهوامش، وهي تتجه حينا نحو التراث الشعبي وحينا نحو الذاكرة الأدبية والتاريخية.

الشواهد التراثية

تتفاعل الكاتبة في بعض القصص مع التراث الشعبي بما فيه من أغنيات شعبية وأشعار و»عبارات مسكوكة» مثل الأمثال الشعبية ويصبح صوت السارد باثا في آن للحكاية المتخيلة وللنصوص المحفوظة في الذاكرة. ففي ترنيمة وجع تقحم الكاتبة مقاطع من أغنية شعبية تراثية ترتبط بالبحر والسفر:
«يا بابور سيدي مسرة يا بابور تعز علي
ركبني خرجني البرة نزلني واش عندك في
ركبني بالك تزهالي يرجع عمري بين إيديا»
وفي قصة منمنمة الطين تقدم مقطعا من مرثية فرحات كتصدير للقصة
طاح الكاف على ظلي والكاف واعرة هفوفه
كلجرح بين الاكتاف قعدتلي نتلمسه وما نشوفه»
وتقابلنا في القصص عدة نماذج من الأمثال الشعبية التونسية المعروفة. وتظهر في هذه الاستشهادات الطبيعة الشفوية للخطاب الأصلي، حيث تنقلها الكاتبة وفق صيغها السماعية وطريقة نطقها محليا.
ولعل الكاتبة بهذا التوجه تفتح الكتابة القصصية بالثقــــافة الشـــفوية غير المدونة، التي تتناقلها الأجيال وهي تشكل جزء مهما ومؤسسا في الثقافة العربية، فالكتابة القصصية عند بسمة الشوالي تميط بهذه الشواهد عن وجهها المنغرس في الماضي والمتعلق بالتراث .

ذاكرة الحداثة

لكن الاستشهاد الأدبي في هذه المجموعة ينهل من الثقافة الحديثة ويطوف في ذاكرتها فتتجه الكاتبة نحو الأعمال الأدبية والفنية الحديثة، فيحضر حوار العبد والسيد لعبد الغفار المكاوي:
«ها انأ ذا يا سيدي…ها أنا ذا…»
ونجد حضورا لجبران خليل جبران:
الفردوس قائم هناك وراء ذلك الباب في الغرفة المجاورة»

«نحنا والقمر جيران/بيتو خلف تلالنا /بيطلع من قبالنا /يسمع الألحان/ عارف مواعيدنا /وتارك بقرميدنا/ أجمل الألوان».
هذه الشواهد المتنوعة تتحمل وظائف عديدة في نسيج النص القصصي بعضها على صلة بالحكاية ومناخاتها، والبعض الآخر يحمل بعدا تفسيريا. كما تصلنا بجماليّات الكتابة السردية الجديدة من تهجين اللغوي وتناص وتعدد صوتي. فهي تنقل للقصص خطاباتها الأولى وسياقاتها الأصلية وتسهم في تحقيق جمالية أدبية فهي تكرس التعدد الصوتي وهي تشكل مدخلا لتعدد لساني من خلال ما تقحمه من لهجات محلية وتنخرط هذه الشواهد في استراتيجيا الانفتاح النصي، وتقدم نصوصا قصصية لا تخلو من تعدد أجناسي كما تلعب أحيانا دور اللغة الشارحة فهي تقدم الشرح التاريخي واللغوي لبعض الأشياء والمفردات الفصحى والمحلية وهو ما يظهر في هوامش النصوص وحواشيها.
ولعلنا نخلص ختاما إلى اعتبار الكتابة باعتماد هذه الشواهد خاصية من خصائص مجموعة بسمة الشوالي فنحن أمام مجموعة يظهر اشتغال صاحبتها على النواحي الجمالية من زوايا عديدة، زاوية التناص وإقحام الشواهد مثلما رأينا ذلك، وزاوية التهجين اللغوي وزاوية الكتابة بلغة سردية تنهل من تقنيات الخطاب الشعري، وهي نقاط أخرى جديرة بالتوقف عندها في حقيقة الأمر.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة