مقالات

دعوة إلى تبني مصطلح «الشتات» بديلاً عن «المنفى»

رامي أبو شهاب

معظم الدّراسات النقدية العربيّة التي تناولت الرّواية الفلسطينيّة خاصة، والرّواية العربيّة عامة استثمرت جاذبية مصطلح «المنفى» بوصفه تمثيلاً للكتابة التي اضطلع بها عدد من الكتاب، الذين تموضعوا خارج سياق الوطن «جغرافياً»، وهذا تزامن مع نشوء وانبثاق تيارات الكتابات ما بعد الكولونياليّة، وتوالي الدّراسات بهدف اكتناه المنفى، ولكنها ما فتئت تُعيد تكوين تجربتها البحثيّة في سياق قيم عليا تتعلق بالوطن، أو عبر مراجعة النفي النفسي، أو الثقافي، أو الفكري في سياق التمركز الخطابي، وأثر هذه التّجربة على الذّات، بدون البحث في تحولات النسق الجمعي للتكوين الخطابي، بوصفه نتاج ذاتٍ جمعيّة تنطوي على أنساق تتغذى باللاوعي في معظم الأحيان، وفي أحيان أخرى الوعي العميق الذي يتقدم على ما سواه، من منطلق أن تجربة الشّتات تتعلق بمفهوم الصدمة. من هنا ندعو إلى تجاوز إشكالية المنفى لكونها خطابياً أقرب إلى التّشكيل القيمي الفكري الذاتي، كما المنعزل عن التّجربة الجمعيّة، ومسلكها النفسي، فإشكالية المنفى تتصل بما نعتته الدّراسات ما بعد الكولونيالية بظاهرة المثقفين أو المواطنين العالميين، الذين يستفيدون من وضعية المهاجر أو المنفي، فهم يمثلون المستعمر ولا يمثلونه، وهذا طبعاً دون الانتقاص من مشاعر التّمزق، والتهميش التي يعانون منها في بعض الأحيان، كما يشير خيري دومة، ولكن مع الإقرار بمقاومتهم للقيم الاستعمارية من مركزاهم المتروبوليتانية، ومع ذلك ينبغي تبني منظور أكثر شمولية يتصل بالخطاب على المستوى الجمعي والوعي الكلي، بالتراصف مع سياقات التأثير لخطاب الشّتات بوصفه ممارسة خطابية استثمرت من قبل الصهيونية السّاعية إلى تحقيق بعض الأهداف، وتتحدد بصوغ وعي حضاري للمشكلة اليهودية.

تجاوز المنفى

لا شك أن موضوع الشّتات نظام خطابي ومعرفي متكامل، وهو يكاد يشمل المنفى بتعدد مستوياته، ومع ذلك، فإن الثاني يبقى تشكيلاً خطابياً، أو مستوى من مستويات التّعبير التي نتجت بفعل الخطاب ما بعد الكولونيالي، الذي يُعنى بنتاج التّجربة الاستعمارية برمتها، فهي فاعلة في إنتاج الشّتات، وخطابات شكّلت تحولات في المراكز الرّأسمالية، وحواضرها الاستعمارية، بالتّوازي مع الانهيارات الكبرى لمنظومة من الحدود الفاصلة بين قطاعين كونيين، كما القوى المتحكمة في العالم، ومجاميع من التّابعين الذين ينتشرون على هوامش المراكز الكولونياليّة التي باتت تضيق ذرعاً بموجات اللاجئين التي تجتاح أوروبا الغربية، وبوجه خاص بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة التردي الاقتصادي والديكتاتوريات والحروب والصّراع الدامي، الذي تدخلت به القوى الكولونياليّة على أراضي المستعمرات السّابقة. ولعل المتتبع للمواجهات التي أفرزت أكبر مجاميع بشرية للشتات في الألفية الثالثة، ونعني العراق وسوريا وأفغانستان وفلسطين، ما هي إلا نتاج حروب أطرافها قوى عظمى، استثمرت نفوذها وهيمنتها على بعض المستعمرات السّابقة، لتكون ساحات حرب ما أوجد هذا العدد الكبير من اللاجئين والمشتتين.

خصائص الشتات

لا بد من البحث في الخصائص المميزة للشّتات بوصفه مجالاً معرفياً يتجاوز مفهوم المنفى أو أدب المهجر، الذي يتسم بالطابع المتعالي أو المنغلق بحدود المنظور الذي يقتصر على القيمة المفردة، والمجال الجيوسياسي. فالمنفى كما ترى موسوعة كولومبيا فعل انتقال من الوطن، والإحالة – معرفياً – تتعلق باستخدام الضمير الخاص بهو أو هي، وهما يحيلان إلى الفرد. تأتي الموسوعة على فعل النفي لأسباب سياسية، أو لجرائم، كما في الإبعاد الذي كان يتم في الإمبراطورية الرومانية قديماً، في حين كان ينفى المجرمون أو الحمقى من أوروبا في القرن السادس عشر عبر وضعهم في سفن تتوجه إلى جزر بعيدة، أو قارات العالم الجديد كأستراليا، والأمريكيتين للتخلص منهم. هذا الفعل من الانتقال الخاص بالبشر أو الناس، ودفعهم للعيش خارج وطنهم الأصلي جاء نتيجة قصور في التّكوين الخاص بهذه الفئات من البشر، الذي كان معرض بحث معمّق قام به ميشيل فوكو في كتابه «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي»، ما يعني نسقاً من الإقصاء الكامن في التكوين الثقافي الغربي.

الشتات كنسق جمعي

تستخدم موسوعة كولومبيا كلمة شعب للإحالة إلى مفهوم الشتات. وهنا إشارة إلى المنظور الجمعي، على عكس المنفى الذاتي، الذي ينأى عن صفات مميزة تتصل بالتّكوين الثقافي أو النفسي، أو الخاص بمعنى الأمة، إن نفي الآخر يعني تجريده من السّمات المميزة، أو ربما الإنسانية، لقد تحول إلى شيء ما ينبغي أن يُلقى بعيداً، غير أن هذا يدفعنا للنظر إلى بعض هذه المجاميع، باعتبارها قيماً متجانسة موحدّة، تستهدفها نزعة الإقصاء، وهذا لم يُلتفتْ له في بعض الدّراسات التي ذهبت لمقاربة موضوع المنفى الذي أغرق في التّفاصيل المعنية برؤية المثقف تحديداً، ولكن بدون العناية بقراءة تداعيات هذا الفعل على النسق الجمعي، وما يمكن أن يسهم به من انبعاث هستيريا جمعيّة كامنة، ومشاعر غير مستقرة، وهذا ينقلنا إلى مستوى آخر للبحث في تخصيص القيمة الخطابية لموضوع الشّتات، وتميزها على المستوى المعرفي، كما التخيلي.

المنفى كخبرة ذاتية

معظم المقاربات تقودنا إلى أن المنفى خبرة ترتبط بالذّات، فالمنفى يتحدد بوصفه مكاناً ننتقل إليه كرهاً، ولكن في سياق لا يتصل بوعي جمعي معاين، ولعل هذا التصور يحملنا إلى البحث في إقامة بعض الحدود المفاهيميّة بين المنفى والشّتات على النّحو الذي تؤكده غير دراسة من حيث ارتباط الشّتات بالتّجربة الخاصة بمجموعات عرقيّة معينة، أو أمة تحمل ذاكرة مشتركة تسعى إلى مستقبل مشترك، وتحقيق إنجاز ما، في حين أن المنفى يبدو أقرب إلى تجربة تتمركز حول الأنا، أو أنها حالة ذاتية فردية كما تذكر مونيكا فلدرنيك في دراسة لها. وعلى الرّغم من أن المنفى ربما يشمل ذوات متعددة، غير أن هذا المفهوم، أو التجربة تتميز بافتقارها إلى القدرة على إقامة نمط من التواصل بين تجارب تشمل مجموعات بشرية أخرى، تنتشر في أحياز جغرافية، في حين أن الشّتات يتصل بالجماعات التي تسعى جاهدة بكل السّبل والوسائل إلى تحقيق التواصل المادي أو المعنوي المتخيل أو الحقيقي مع الوطن، أو حتى المجموعات الأخرى في جغرافيات مختلفة تشاركهم التّجربة عينها، ونتيجة لهذا، فهي تسلك نمطا نفسياً أو ثقافياً واحداً، على الرّغم من اختلاف مواطن الشّتات، وتعددها، حيث يذهب أدونيس إلى أن المنفى تولّد نتيجة رغبة داخلية دفينة، أي أنه انتقال من المجموع أو (الجماعة) إلى الذات الفردية.

الشتات والمنفى

لقد كان المنفى تجسيداً لفعل قوامه لفظ الفرد من الأمة تبعاً لعوامل تتصل بافتقاد فضاء القيم أو الحرية، حيث يجب أن يكون الفرد منتمياً إلى فضاءات منجزة لقيم ثقافية، أو سلطوية. إذن لا خلاف بأن هذا المستوى ربما يُعدّ من أهم الفروقات التي نعثر عليها بين الشّتات والمنفى، فالأخير يشكل جزئية من جزئيات خطاب الشّتات، أو مظهراً من مظاهره، علاوة على أن الشّتات يعدّ من روافد خطاب ما بعد الكولونياليّة، فالشّتات نتج بفعل ممارسات استعمارية، أسهمت بوعي ممنهج في إعادة إنتاج خريطة العالم السّكاني، جغرافياً وديموغرافياً، كما أن الشّتات يُعنى بالعوامل الجمعيّة القوميّة، أو العرقيّة، أو كل ما يهدف إلى تكريس الأمة بوصفها مفهوماً، وبذلك فالشّتات مفهوم جيوسياسي، كما أنه يكمن أيضاً في سياقات العولمة، وما بعد الحداثة؛ فتنشأ نقاشات تطال آثاره على المجتمعات والدّول المستضيفة، بالإضافة إلى التّحولات السياسية والاقتصادية، والديموغرافية، فضلاً عن أنساق الارتحال الثقافي، وإعادة تموضع تلك الثقافات وأثرها. ينهض الشّتات نظرياً وعملياً على ارتحال أمة، لا ذوات مفردة، فهو معرفياً يتصل بالمجموعة التي تخضع لتمييز عنصري عرقي، فثمّة إكراه، وهو ما يجعل منه شتاتاً، وكي يستقيم الأمر اشتراطياً، ينبغي على المجموع أن يتوفر على خيار العودة، على الرّغم من أنها من قد تبدو بعيدة، أو غير متاحة، مع أن ثمة هجرات كثيرة عبرت التاريخ، بيد أن بعضها لا يرتبط بصعوبة العودة او استحالتها؛ مما يعني شبه انقطاع معرفي عن الإطار المفهومي للشتات، ولهذا لا يمكن أن نعدّ الهجرات الإنكليزية للعالم الجديد من تجارب الشّتات، كما لا يمكن أن نعد جماعات الغجر بوصفها مجتمعات تعاني من الشّتات نظراً لعدم ارتباطهم بمكان محدد، أو بوطن، كما أنه ليس هنالك من عوائق سياسية، تحول دون استقرارهم، ولهذا فلا وجود لما يسمى «مسألة الغجر»، على عكس المسألة الفلسطينيّة كما يناقش وليم سافران.

أدب المنفى ووعي الذات

تأتي فريال جبوري غزول في دراسة لها على بعض الحدود التي تؤطر مفهوم أدب المنفى، ولا سيّما في الدّراسات الغربية التي تحيله غالباً إلى الفرد، وبشكل خاص الأدباء الذين تشكلت منافيهم نتيجة ظرف سياسي. وبهذا نتوصل إلى أن المعضلة تتعلق بسيكولوجية الفرد وذاتيته، وليس أدل من القيمة الفارقة بين المفهومين ما يعتور المنفى من رؤية كامنة في المنظور الغربي الذي يذهب إلى الإعلاء من قيمة الأثر النفسي، في حين ينظر له في آداب العالم الثالث عبر العامل والأثر السياسي وحسب. ولعل هذا الطرح يذهب بنا إلى أن أدب المنفى من منظور الباحثة يرتبط أيضاً بالهجرة الجماعية في العالم الثالث، نتيجة دافع سياسي كالنكبة، غير أن هذا ربما لا يستقيم من وجهة نظرنا، فتجربة المنفى تتميز بطابعها الذّاتي، وفي المقابل، فإن التعبير الأنسب عن فكرة الاقتلاع والتهجير الجمعي، وما ينشأ من تداعيات مصاحبة تتصل بتوظيف مفهوم الشّتات، معرفياً وإنشائياً، وهو ما يتمظهر بخطابه، كونه الأقدر على توصيف هذا المسلك الجمعي، فالمنفى إحالة للمكان الذي ينتقل إليه الإنسان، في حين أن الشّتات ينطوي على قراءات متعددة، منها مركزية التّشظي الذي يطال المكون الجمعي ليتحول إلى أجزاء، بالإضافة إلى الفصم المتحقق بين الوطن الأم والوطن المضيف (الشتات)، ولكن ثمّة أيضاً العلاقة التي تبقى متوهجة بين هذين التشكيلين، ما يعني أن ثمّة تشتتاً في الوعي الكلي، كما التّشتت المادي، بالتزامن مع فعل الانتشار لذوات تتعلق بروابط، ومرجعية واحدة، ما يعني أن نمطها، ومسلكها سوف يتسم بالتماثل، على الرّغم من اختلاف التجربة تبعاً لأوطان الشّتات، وخصوصيتها.

المنفى كمظهر من مظاهر الشتات

في سياق البحث عن التّخوم التي تفصل بين كتابة المنفى والشّتات، يميز فيصل دراج بين المنفى واللجوء، إذ يعدّ الأخير نتاجاً أو مظهراً من مظاهر الشّتات، كونه ينهض على الفعل القسري، فاللجوء عن المكان والوطن، يعني فقدانه مع الهويّة، في حين أن المنفى يبدو متحرراً من دلالة المكان، كونه حالة وجدانية، ومع أن هذه الحدود تبدو مشروعة، غير أنه يمكن الإضافة إلى أن المشتت يعاني أيضاً من الأزمة الوجدانية، ففعلا الاختيار والتجربة، يبدوان ندوباً على الروح، لا يمكن محوهما مع الزمن، بل إن آثارها تبقى متوارثة جيلاً بعد جيل نتيجة التمييز العرقي، والعنصرية التي تعاني منها بعض الأجيال في الأوطان البديلة. يناقش فيصل دراج المنفى، ولكن عبر إقامة حدود بين نوعين من الكتابة، منها ما يتصل بالمستوى الفردي الذّاتي المقنن على قياس الذات؛ فلا عجب أن يقيم دراساته حول المنفى على كتابة السّيرة الذّاتية، والمذكرات، وما تضطلع به من محاولة للقبض على الزمن الذي انقضى كما يذكر، وهي بذلك تبقى عائمة في فضاء الذاتية والفردية. وتبقى إشكالية النفي بحدود الذّات المبدعة، وارتهانها للمكان والزمان، كما نجد أيضاً في دراسة لعبد الله إبراهيم توّصف المنفى، ولكن عبر نموذج ذاتي إدوارد سعيد، الذي يعدّ تجسيداً لعملية النزوح المكاني المستمر، علاوة على الإزاحة اللغوية التي تسببت بها التّجربة الاستعمارية، وهكذا نرى كيف أن صعيد كتابة المنفى تذهب إلى جوانب وجدانية، إنسانية، ثقافية، تمسّ تكوين المثقف الذي استطاع أن ينشئ تجربته الخاصة بحدود لغة المثقف بوصفها مستوى معرفياً وفكرياً؛ ولهذا فهي غالباً ما تناقش هذه التجربة في ضوء استعارة لغة أخرى بديلة، ولكنها مع ذلك، تبقى لغة تمتلك فضاءها المؤثّر. هذه المناقشة –لا شك- تعدّ تكويناً أو جزءاً من منظومة الشّتات التي تمتص كافة التّجارب التي تتعلق بهذا المستوى، كون الشّتات تجربة تمس قطاعاتٍ بشرية كبيرة، لا تمتلك سوى حدود الوعي بالحاجة للمكان، والغذاء والملبس والأمن، وهو ما يستجلب لغة، ونمطاً من الكتابة تتسم بطابعها التّخيلي، ولكنها مع ذلك تنفتح على الوثائقية عبر تفعيل شهادات حقيقية جاءت من لدن أشخاص عاديين، أو متخيلة « شخصيات الرواية». إن مستوى المتخيل هو القطاع الذي ينبغي اختباره، ولكن في سياق البحث عن أنماط الكتابة، وتشكيلاتها، عبر الإحالة إلى مدونة – سردية – مروية مُتخيلة، تزخر بشخوص، أو كائنات ورقية، كما يقترح البنيويون، غير إن إحالتها ذات منحى سياقي تاريخي ذي طبيعة مرجعيّة حضارية.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق