سينما و تلفزيون

المأساة السورية ولكن بصورة مواربة هذه المرة

أحمد باشا

في سنوات ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية، لعب ويلعب العمال السوريون دوراً رئيساً في نسج علاقات سورية لبنانية مختلفة عن سابقاتها، فهم الذين يعملون في البناء بعيداً من عائلاتهم وديارهم منذ نهايات الحرب اللبنانية وحتى يومنا هذا. كأن صورة العامل السوري في لبنان تشكل في الأذهان النقيض لصورة ضابط النظام السوري الكريه على الحواجز في شوارعلبنان وأحيائه، من دون أن ننسى الدور الخطير الذي مارسه النظام السوري بعد خروجه في تغليب طرف سياسي عسكري وتقويته على حساب الدولة اللبنانية وعلى حساب الأطراف السياسية الأخرى.
هنا لا بد من الإشارة إلى تأزم وضع العامل السوري أثناء الحرب السورية فهو يبني في أبراج بيروت وعماراتها في الوقت ذاته الذي يشاهد كيف أن بيوته تنهار وتدمر بشتى أنواع الأسلحة والقذائف من قبل النظام وحلفائه، ناهيك عن ارتفاع وتيرة الحقد تجاهه بسبب تأثيرات الحرب السورية في الداخل اللبناني.
يلتقط المخرج السوري زياد كلثوم المفارقة السابقة في شريطه الأخير «طعم الإسمنت»(85 د، 2017) الذي حصد الجائزة الكبرى في الدورة الأخيرة لمهرجان «فيزيون دو ريل» السويسري، إضافة إلى الإشادات التي يحصل عليها في مختلف المحافل السينمائية التي يحل فيها. يمكن التنبؤ للفيلم بحضور أقوى وأوسع في الفترات المقبلة كونه يقدم لغة سينمائية متطورة ونادرة ما شاهدناها في الأعمال التي عالجت الحدث السوري.

هوس بالتجريب
يدرك المتابع لتجربة كلثوم منذ «آيدل… أيها القلب» (2010)، حجم هوسه بالتجريب وبالذهاب إلى أشد الخيارات الفنية راديكالية وهو ما وجدناه في شكل خاص مع «الرقيب الخالد» (2013)، ونراه في شكل أشد وضوحاً وإصراراً مع جديده «طعم الإسمنت».
يسرد الفيلم يوميات مجموعة من العمال السوريين، راصداً تفاصيل حركتهم بدقة متناهية بين آلات البناء الضخمة والرافعات نحو حفرة صغيرة شديدة الظلمة يبيتون فيها في انتظار اليوم التالي ليعودوا إلى العمل من جديد… وهكذا دواليك. وكأن الحركة المعتادة هي قدرهم، فلا أحداث ولا حكايا تحدث معهم في ظل هذه القسوة التي يشكل الإسمنت قلبها ومصدر نبضها، هذا ما تشير أحد أكثر المشاهد تعبيراً حيث تبدو كتلة الإسمنت المجبول بالماء وكأنها تضخ الدم في كل ما حولها؛ في شرايين العمال وفي شرايينالمدينة الكبيرة وعروقها خلفهم.
تلاحق كاميرا المخرج السوري حركة العامل السوري بين فضاءين متناقضين، الأول في الخارج المضاء بالإضاءة الطبيعية، والثاني هو الداخل المظلم الخانق المتمثل في الحفرة التي ينام فيها العامل السوري ويأكل، إلا أنها أيضاً تتلصص عليه لترصد حياته وتأملاته وعلاقاته بوسط العمال. تربط بين الفضاءين آليات ومركبات وأدوات أخرى ترتبط بمهنة العامل ولافتة يمررها الفيلم سريعاً تشير إلى منع تجوال العمال السوريين بعد ساعة معينة من المساء. لا يلتقط كلثوم ولا حتى صورة واحدة تمثل الحياة العادية للعامل السوري في شوارع بيروت، وكأنه هو هنا عامل فقط يقوم بمهمة ميكانيكية لا غير ألا وهي البناء.
يبنى الفيلم على متتالية بصرية تكتفي بشاعريتها وبحوارات دلالتها وكثافة مجازاتها للقيام بمهمة السرد، فكل لقطة تشكل صورة فوتوغرافية تكتفي بصراعات عناصرها وتناغمها، من دون الحاجة إلى الكلام. تشير الفلسفة الإخراجية السابقة إلى أمور عديدة في مقدمها نضج الاشتغال على السيناريو بتأن كبير لم نعهده كثيراً في التسجيليات التي تعالج حدثاً عربياً راهناً، وإلى شراكة حقيقية بين مدير التصوير اللبناني طلال خوري ومخرج العمل، هذه الشراكة التي سمحت لخوري ببناء كوادر ميلميترية من زوايا شديدة التعقيد سواء في الحفرة المظلمة، وداخل الماء، وعلى سقالات شاهقة الارتفاع، وعلى ذراع شاحنة كبيرة لخلط الإسمنت… وغيرها من اللقطات التي تصيبنا بالدهشة ونحن نفكر بـ «كيف فكر بها؟ وكيف التقطها؟».
أثناء تأمل البناء البصري تطالعنا ميزة أخرى، نجدها ونحن نشاهد هذا الشريط الملحمي ألا وهي انعدام الحوارات وعدم تثبيت الكاميرا أمام شخص يروي مأساته، الأمر الذي وجدناه كثيراً في الأفلام التي حاكت الحرب السورية. الأمر ذاته ينطبق على دور الصوت في الفيلم، الذي لم يكن عبثياً أو وليد اللحظة، بل نجده يحذو حذو البناء البصري فيستقي كل عناصره من مفردات حياة العامل من أصوات الرافعات وآليات الإسمنت ودق الحديد … إلخ.

خلف السرد الهادئ
من قلب هذه البناء الصوتي الهندسي يتناهى إلى مسامع المتفرج سرد هادئ (بصوت مخرج الفيلم)، لا يتجاوز مدته دقائق معدودة، يروى فيه قصة أحد العمال وعلاقته ببيروت منذ أن كان صغيراً، ومستذكراً في الآن نفسه والده الذي كان يعمل في بيروت أيضاً، ليتحدث بعدها عن علاقته ببيروت عندما أصبح يعمل فيها.
تشكل القصة المروية ضمير الجماعة، أي هؤلاء العمال، وهي تكفي لتحكي عن علاقة العامل السوري ببيروت التي تبدو إلى حد كبير مشابهة لعلاقة الطفل في القصة المروية باللوحة المرسومة على ورق الجدران، أي أنها صورة ترى ولا تعاش. على النحو السابق صوّرت بيروت في الفيلم من وجهة نظر العامل السوري، من وجهة نظر ضحيّة علاقات مأزومة سببها السياسة والتاريخ الحديث وظلال الحرب السورية الراهنة على الداخل اللبناني. جاءت بيروت وكأنها خلفية صوَرية، شديدة الثبات، لا يمكن العامل السوري أن يدخل إليها وإن حاول كثيراً، تماماً كما حدث في القصة المروية عندما حاول الطفل الدخول إلى اللوحة فلفظته بعيداً.
على رغم خصوصية القضية المقدمة في «طعم الإسمنت» وتعقيدها، وصعوبة قراءتها خارج إطار العلاقات السورية- اللبنانية إلا أنه يمكن أن تنسحب، من وجهة نظر العمال على أقل تقدير، على حال عمال أي بلد في هذا العالم يشاهدون بأعينهم بلدانهم وذكـــرياتهم تنهار بسبب الحرب وتدمر بينما يعملون في بناء بلد انتهت الحرب فيه منذ قلــيل وتشييده، وهذا ما يذكره راوي الحكاية في الفيلم.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق