.

مسلسل «توين بيكس» لديفيد لينش في موسمه الثالث: عالم السرد خارج حدود الوعي

أحمد نبيل

يصعب الحديث عن أعمال المخرج الأمريكي ديفيد لينش بدون التعرض لذكر الأحلام، ربما لأن محاولة قراءة أعماله تشبه في جوهرها محاولة قراءة حلم. دعوة للإبحار في عوالم غامضة ومخيفة، مسكونة بالصراع النفسي. ذوات مفقودة، وأزمنة مختلطة، رواة كاذبون، وشخصيات لا تعرف نفسها، أفعال غير مبررة تعقبها ردود أفعال لا تساويها في المقدار ولا تخالفها في الاتجاه، صور مشوهة، وأحاسيس متضاربة، وتعرجات سردية تستمد فتنتها من خارج حدود الوعي. الأمر الذي يمنح إبداعات ديفيد لينش خصوصية فريدة بحيث يصعب التعامل معها بمعزل عن لغتها الخاصة، يأتي عرض الموسم الثالث من مسلسل «توين بيكس» من تأليف وإخراج لينش ليؤكد على ذلك، بعد موسمين سابقين قدمهما بالمشاركة مع مارك فروست أوائل التسعينيات.

البداية

تبدأ أحداث الموسم الأول من المسلسل بالعثور على جثة فتاة مقتولة (لورا بالمر)، هذه الجثة التي تبدأ في تحريك دوائر السرد من حولها، بالبحث في علاقات لورا في الحي والمدرسة، الجيران الذين عرفوها، والمرضى الذين كانت تتردد على منازلهم لتقديم المساعدة، الرجال الذين أحبوها بمختلف أعمارهم، رواد البار وموزعي المخدرات، دوائر من العلاقات تسعى لرسم صورة للحياة في قرية متخيلة منحها الكاتب اسم «توين بيكس» أو «قمتان متماثلتان»، تستدعي الجريمة ظهور المفتش (كوبر) الوافد من المدينة للتحقيق في مقتل لورا، مستعينا في تحرياته بفن قراءة الأحلام وفك الرموز والألعاب الملغزة وقوانين المصادفة. تزوره القتيلة في أحلامه وتخبره باسم قاتلها، لكنه لا يتذكر الاسم قبل منتصف الموسم الثاني. القاتل مجرد وجه مجهول يظهر في الأحلام ويرد ذكره في مذكرات الضحية باعتباره صديقا محتملا لأبيها، وتتم الإشارة إليه باسم (بوب)، وجه شعبي مميز بابتسامة وشعر غجري طويل، يرتدي الجينز ويظهر بمظهر ثمانيني يستلهم صورة السفاح (ريتشارد راميرز) الملقب بالمتعقب الليلي. يبدأ الموسم الأول بقتل لورا وينتهي بمحاولة قتل المفتش (كوبر)، وفي الموسم الثاني يتضح أن (بوب) لا ينتمي إلى عالم الأحياء، إنما هو روح شريدة تبحث بين الأحياء عن جسد لتسكنه وتمارس من خلاله أعمالها الدموية، وهكذا سكنت روح (بوب) جسد (ليلند بالمر) والد لورا وقاتلها، في حين فضلت لورا الانتحار عن السماح لـ (بوب) باحتلال جسدها. يتنبه الأب إلى جريمته متأخرا فينتحر، كمحاولة أخيرة لطرد (بوب) من جسده. بينما ينشغل كوبر بمحاولة إنقاذ ضحية جديدة اختطفها أحد السفاحين إلى الغابة، وتروى الأساطير الشعبية في قرية توين بيكس عن وجود منطقة مجهولة من الغابة تسمح بالانتقال بين عالمين، وفي تلك المنطقة يختفي كوبر خلف ستار وهمي ينقله إلى عالم أحلامه، حيث يلتقي هناك ببوب ولورا، وسائر الكائنات التي تجسد هواجسه ومخاوفه، ومن بينها نسخة أخرى من كوبر نفسه، ينجح كوبر في استعادة الضحية الجديدة من الغابة بعد أن يفتديها بروحه، وينتهي الموسم الثاني بحلول روح (بوب) الشريرة في جسد المفتش (كوبر) نفسه.

متاهة القمم المتماثلة

عادة ما يشيّد ديفيد لينش عالمه الدرامي بين قمتين لا ثالث لهما (الوعي/اللاوعي) وغالبا ما يولي اهتمامه الأكبر للاوعي الذي يجسد المتن في معظم أعماله بينما يحيل الوعي إلى الهامش على عكس ما يفعل أغلب المخرجين في العالم. لذلك فلا تتوقع أن تجد الحقيقة في انتظارك، ليس لأن أعماله تخلو من حقيقة ما، ولكن لأن الحقيقة لن تصلك إلا بعد أن تمر على سلسلة معقدة من المغالطات والتحريفات والتشوهات والالتواءات ومحاولات التنكر، تماما كالنظر إلى صورة عبر عدة عدسات مختلفة الأبعاد. فالشخصيات لا تخبرنا عن حقيقتها كما هي في الواقع، ولكن كما تريد لنا أن نراها. هذه الحيلة المربكة تسمح للمخرج بعرض حكاية أخرى (متخيلة) تختلف عن الحكاية التي هو بصدد طرحها من الأصل. كما يزداد الأمر تعقيدا بالجمع بين الغرائبي والمألوف، حيث لا فرق بين هلوسات مجرم مصاب بالفصام، ورواية شاهد عيان مريض بالزهايمر، فكل منهم يخبرك الحقيقة حسب درجة وعيه بها. ربما لأن العقل البشري لا يلجأ في معالجة مشاكله إلى طرق السرد التقليدية. الأمر الذي يعود بنا مرة أخرى للحديث عن الأحلام بوصفها صراعا بين رغبة مكبوتة تنشد التحرر والخروج من اللاوعي، ورقابة العقل التي تترصدها وتمنعها من الخروج. في سبيل التحرر تلجأ الرغبة للتنكر في صور أخرى مستعادة من (نفاية الذاكرة) على حد تعبير فرويد. كلما ازدادت تفاهة الصورة وبُعدها عن الذاكرة كانت أكثر استسلاما للرغبة التي تتقمصها، وأكثر مرونة في الانفلات من رقابة العقل. فسواء كان القاتل (ليلند بالمر) أو (ويندوم إيرل) فدائما هناك صورة لمجرم واحد في الحلم هي صورة (بوب) الذي كان في الأصل جارا قديما لوالد لورا يأتي ذكره على هامش الذاكرة. وبذلك يتحول بوب إلى مفهوم عن الشر، هو الرغبة في اللعب والتدمير كما يجسدها قزم استعراضي ببدلة حمراء في أحلام كوبر، تلك الرغبة المدفونة في اللاوعي/ في الغابة، تعود للظهور على السطح بعد أن تتقمص صور الآخرين.

مسرح الأحلام

في الأساطير الإغريقية يرد ذكر الإله (هيبنوس) رب النوم باعتباره الإله المسؤول عن خلق الأحلام في رؤوس الملوك والقادة، مستعينا بأولاده الثلاثة في تجسيد هذه الأحلام، فكان ابنه (مورفيوس) يجسد أدوار البشر، و(إيكيليوس) يجسد أدوار الحيوان، و(فانتازوس) يجسد أدوار الجماد. أما لينش فهو يمتلك أدوات أخرى تمكنه من صناعة أحلام بعيدة كل البعد عن عالم الأساطير. فيستطيع رؤية العالم بعيون شخوصه المهزوزة ووجدانهم المضطرب، مستعينا بكافة العناصر التي تسمح له بتشويه شريطي الصوت والصورة والسرد، لإعادة بناء الحكاية وفق رؤيتهم. وهو ما يشكل فارقا جوهريا بين أعماله وأعمال الآخرين من مخرجي الدراما النفسية، حيث يسعى صناع الدراما عادة في أعمالهم إلى تقديم محاضرات عن الجنون، بينما يسعى ديفيد لينش لأن يصيبك بالجنون أثناء المشاهدة. هكذا يضع المُشاهد في معضلة حقيقية كما فعل في فيلمه «توين بيكس/ أيتها النار إمش معي» 1992 الذي تدور أحداثه قبل بداية أحداث المسلسل، والذي يجسد فيه العالم الداخلي للورا بالمر، ويجعلنا نعايش معاناتها في الليالي الأخيرة السابقة لقتلها بالتفصيل.

العودة

يبدأ الموسم الثالث بعد مرور ربع قرن على عودة كوبر من الغابة، وقد تلبسته الروح الشريرة. ونفهم ضمنيا أن كوبر الحقيقي لم يعد من الغابة، عامة نحن لا نعرف ما حدث خلال خمسة وعشرين عاما، لكننا نجد أمامنا الآن نسختين من كوبر على أرض الواقع، (كوبر) المجرم الهارب من السجن بمظهر جديد وهيئة فوضوية تليق بروح (بوب)، و(دوجي جونز) الموظف البدين الذي يخون زوجته مع امرأة أخرى، ولا نفهم طبيعة العلاقة التي تربط بين النسختين، فقط ما تشير إليه الأحلام أنه حان وقت عودة كوبر المزيف إلى منفاه (اللاوعي/الغابة) وخروج كوبر الحقيقي إلى الحياة. وفي طقوس غرائبية تحدث عملية تحول لدوجي فيفقد وزنه وشعره الأشهب وذاكرته ويعود كطفل حديث الولادة، مزود بقوى وبصيرة خارقة، بالتزامن مع تعرض سيارة كوبر لحادث ونجاته من الموت ودخوله السجن. من جهة يقود المحقق (جوردون) فريق التحقيق في محاولة الوصول لكوبر في السجن، ومن جهة أخرى تعجز (جيني) زوجة (دوجي) عن فهم ما حدث لزوجها الذي عاد أكثر شبابا وقوة، بينما فقد قدرته على الكلام والتعامل مع الناس. ويستلهم المخرج لفتة لطيفة من أسطورة (إكو) الإغريقية – الفتاة الثرثارة التي عاقبتها الإلهة (هيرا) بحرمانها من الكلام، وحكمت عليها عندما تستمع لأي حديث أن تظل تردد آخر مقطع منه عاجزة عن تكوين جملة مفيدة – وهو ما يفعله (دوجي) عندما يردد نهايات الكلام فيمنحها معاني أخرى عن طريق المفارقات اللفظية.
(الآن واحد منكم يجب أن يموت) هذا ما يقوله (جيرارد) لكوبر في الحلم. إن انقسام كوبر لشخصين في نهاية الموسم الثاني يفضي إلى انقسامات أخرى في الموسم الثالث، ويضع أمامنا أربع صور لكوبر، اثنين يطاردان بعضهما في الحلم، واثنين يتحركان في الواقع في صورة (كوبر) و(دوجي). وربما كان كلا منهما مجرد تصور لاحتمالية وجود الآخر في مسار مغاير. هكذا يكتسب عنوان المسلسل بعدا جديدا يسعى لتجسيد فكرة التماثل بين العالمين من خلال البطل نفسه، ورؤيته لواقعه. وكأننا لا نملك ما يكفي من الحيرة والتساؤلات، وكأننا بعد مشاهدة موسمين كاملين من المسلسل وفيلمين يحملان اسم «توين بيكس» ما زال أمامنا ما لا نعرفه عن متاهة الحكايات المفزعة تلك. هكذا يعود بنا الموسم الجديد إلى نيومكسيكو فترة ما بين منتصف الأربعينيات ومنتصف الخمسينيات، لنشهد لقاء غراميا بين فتاة مراهقة وصبي «غالبا هو المحقق (هوك) المنحدر من أصول هندية» كما نشهد ميلاد حشرة غريبة الشكل في صحراء نيو مكسيكو تجمع في تكوينها بين جسد الضفدع وأجنحة الجراد. تزحف الحشرة نحو سرير الفتاة وتختبئ داخل فمها. في الوقت الذي يظهر فيه قاطع طريق قادم من الصحراء كشبح مخيف، يستولى على مبنى الإذاعة ويقتل العاملين فيه، ويلقي بيانا غامضا يصيب المستمعين بالرعب والإغماء.

استعادة الظل

ما زلنا في منتصف المسلسل وهناك بعض الملاحظات العاجلة بغض النظر عن النهايات التي تنتظرنا. والملاحظة الأولى تتمثل في التخلص من خطوط اجتماعية كثيرة كانت تحتل المساحة الأكبر من المواسم الأولى، صراعات مستثمرين، وتصفية حسابات ودوائر من العلاقات الاجتماعية المتشابكة، بلغت إلى حد الملل في منتصف الموسم الثاني، وإن كان لديها ما يبررها آنذاك، فقد ساهمت في خلق صورة عامة لمدينة (توين بيكس) على حساب الخط الرئيسي، كما نجحت في التخفيف من وقع المسلسل على مشاهد التلفزيون. معظم هذه الدوائر والعلاقات المستهلكة تم الإطاحة بها في الموسم الجديد لصالح مساحات أكبر من الغموض والرعب والخيال. أما الملاحظة الثانية فهي تتعلق بالإبهار البصري والحذر في التعامل مع المؤثرات البصرية والخدع التي يجرى استخدامها عادة في السينما على سبيل الإبهار الشكلي، بدون احترام لدرامية الصورة وتأثيرها النفسي، وهو ما يتحقق فقط عندما يتعامل أحد المبدعين الكبار مع هذه التقنيات، كما سبق أن فعل المخرج الأمريكي تيرينس ماليك في فيلمه «شجرة الحياة». كذلك استفاد المسلسل من حضور فرق الجاز والروك المتنوعة في النادي الليلي، التي يعتمد عليها في ختام الحلقات، وإن بدت الأغاني لا ترتبط بالأحداث بصفة مباشرة، إلا أن اختيارها لا يأت اعتباطا. بداية من أغنية «الظل» لفريق كروماتيكس في نهاية الحلقة الثانية. فالملحمة التلفزيونية التي بدأت منذ ما يزيد عن ربع قرن بأغنية غامضة يقول مطلعها «أيتها النار إمش معي» تعود إلينا بلحن جديد وكلمات جديدة «أيها الظل.. خذني لأسفل، معك، للمرة الأخيرة» فهل ينجح كوبر في استعادة ظله؟

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق