متابعات ثقافية و فنية

هشام مطر يروي الآباء والأبناء والأرض في ما بينهم

نازك سابا يارد

رواية «العودة» The Return (Random House, New York, 2016) وهي سيرة ذاتية للكاتب اللبيبي هشام مطر نالت جائزة «بوليتزر» لعام 2016. عرض أحداث هذه السيرة الذاتية ليس بالأمر السهل لأن الكاتب ينتقل باستمرار بين الحاضر والماضي، ليعود الى الحاضر ثم إلى الماضي البعيد، مازجاً أحداثاً شخصية بأخرى جماعية، وتتخلل ذلك كله إشارات إلى تاريخ ليبيا الماضي والحاضر: احتلال ايطاليا لها ونضال عمر المختار، ثم المذابح في عهد موسوليني، فاحتلال الفرنسيين والإنكليز، واستقلال ليبيا عام 1951 وحكم الملك ادريس إلى أن أزاله انقلاب القذافي. تمتزج بهذا كله تأملات الكاتب وتعليقاته.
لأسباب سياسية كانت عائلة الراوي/الكاتب هشام مطر قد غادرت ليبيا بعد انقلاب القذافي، إلى القاهرة ثم انكلترا فالولايات المتحدة. أُرسل هشام وأخوه زياد للدراسة في انكترا، ولكن أثناء وجود العائلة في القاهرة خطف الوالدَ رجالُ المخابرات الليبية بالتعاون مع المصرية، واختفى خبره. بعد 33 سنة يعود ابنه هشام عام 1911 إلى ليبيا محاولاً أن يعرف مصير هذا الوالد: هل هو حي؟ أين؟ أم ميت؟ وإن مات فكيف ومتى؟ وكان قد بدأ يبحث عن مصير الوالد قبل عودته إلى ليبيا. كان هشام لا يزال في لندن حين زارها سيف الإسلام ابن القذافي فاتصل به هشام عارضاً خبر والده. ولكنه كذب عليه وماطل إلى ان سقط نظام القذافي. لم يترك هشام باباً إلا طرقه: من منظمة حقوق الإنسان، إلى الراديو والتلفزيون، الصحف التي نشرت الخبر، اتصل برئيس وزراء بريطانيا نفسه ليتدخل مع القذافي لكشف ملابسات وجود «حب الله مطر». من دون جدوى.
كان «عزو» وأخوه ابني عم هشام ورفاق لهما قد انضما إلى المقاومة المسلحة ضد القذافي وأملاً بالوصول إلى «باب العزيزية» حيث أبقى القذافي أهم سجنائه، الأحياء والأموات، وأن يجد عمه هناك، إلا انهما قتلا قبل تحرير ليبيا.
حين عاد هشام إلى ليبيا كانت زيارته الأولى لعمّه الذي كان قد سجن ايضاً لواحد وعشرين سنة وفي سجن والده نفسه، سجن أبوسالم الرهيب. وصف لهشام ألوان الحرمان والتعذيب التي قاسوها والتي أودت بحياة العديد من السجناء. بعد 11 سنة من السجن قرر القذافي محاكمة بعضهم، إلا أن والد هشام لم يكن بينهم. وحين سأل أقاربه عنه قال القاضي: «إن مكان وجوده غير معروف». فأوجسوا بأنه كان قد قتل، وكان في السابعة والخمسين. ولكن الأمل طغى على الاعتراف بموته، وأراد الابن فوق ذلك ان يعرف أين جثته ليدفنها بما يليق بها. وأثناء بحثه المحموم هذا حصل له أمر غريب إذ شعر بوالده يقف خلفه ويقول له: «توقّف. هذا كافٍ الآن.» (ص109)
لكنه لم يكتفِ. إذ اخذ بعد ذلك يبحث عن كل من كان في السجن مع والده وخرج حياً. وحين أرى أحدهم صورة والده نكر الرجل ان تكون هذه صورة الرجل الذي كان معه في السجن، على رغم تأكيد هشام أن الصورة قديمة وأن والده ربما تغير كثيراً في السجن. وتنتهي السيرة من غير ان يكون الكاتب قد عثر على اثر الوالد وأخباره الأخيرة.
وفي هذا نرى عنصراً من عناصر الفن القصصي الذي ميّز كتابة هشام مطر القاصّ. منها الوصف الدقيق إما للأماكن أو للنفسيات. من أجمل هذه الأوصاف وصفه مدينة بنغازي: المنارة القريبة من البحر، وحول الشاطئ آثار عدد من المدن المدفونة، جداراً يونانياً شُيّد قبل 2300 عام، أثار مستعمرة رومانية، كنيسة بيزنطية، ولو أكملوا التنقيب لعثروا على آثار فينيقية. أو وصفه للمكتبة في بنغازي إذ دعي إلى إلقاء محاضرة فيها حين عاد إلى وطنه بعد 33 عاماً: مكتبة لا اثر لكتب أو لفهارس فيها، زجاج النوافذ قذر او محطّم. أوصاف تعكس الوضعين الاجتماعي والاقتصادي المزريين في ليبيا آنذاك.
ومن أوصافه الجميلة للناس وصفه تلك المرأة التي كانت تزور خلال سنين المعتقلين في سجون القذافي محملة بالهدايا والطعام لابنها المعتقل ثم تكتشف أن ابنها كان قد قتل في السجن وأن الحرس يأخذون هداياها لنفسهم.
وقبل عودة هشام إلى وطنه يحلّل الصراع في نفسه بين رغبته في العودة وتردّده وقلقه إزاء هذه العودة. وأثناء انتظاره في مطار القاهرة يشعر ان القدر الإلهي دفعه للعودة إلى وطن «يجهله ولا يكتب بلغته.» وأروع أوصافه وصفه والده. قد يكون أقرب إلى تقديسه: فهو كريم، عطوف، يساعد كل من احتاج إلى مساعدة من غير ان يظهر ذلك، وطني، مما دفعه إلى تأسيس جيش سري لمحاربة القذافي، فسجن حين اكتُشف ذلك وقضى في السجن ما تبقى من حياته. وبعد أن مات والده وهو لا يعرف متى أو كيف، يقول إنه يغبط من استطاع ان يحضن ميته الحبيب وأن يربّت على قبره مصلياً لراحة نفسه. وفي عدد كبير من الصفحات تحليل رائع لما يدور في ذهن هشام وقلبه أثناء بحثه عن مصير والده: خيبة أمله ويأسه كلما انقطع خيط من الخيوط التي توصّل إليها فينتهي إلى لا شيء، إلى حيث كان قد بدأ.
ولا ريب أن التشويق في هذه السيرة ما يحفز القارئ لمتابعتها. مثلاً، حين كان وأخاه ينتظران سيف الإسلام ليعرفا شيئاً عن مصير والدهما، وطال انتظارهما جداً، تساءلا أثناء ذلك عمّ ينتظرهما: هل سيُقبض عليهما ويختفيان كما اختفى والدهما؟ وخوفاً من ذلك اتصلا بكل الأصدقاء ينبهانهم في حال لم يعودا من هذه المقابلة. ويستمرّ انتظارهما وانتظار القارئ عدداً من الفصول التي تزيد شوق القارئ إلى معرفة النتيجة.
ومن أهمّ ما في هذه السيرة صورة الجو الذي عاش فيه أشخاصها. يصف الإرهاب والظلم حين استلم القذافي الحكم. قتل كل من قاومه، هرب أو خطف البعض الآخر، شنق الطلاب وإبقاء جثثهم معلقة كي يراها كل من مرّ بها، مصادرة الآلات الموسيقية والكتب من الدكاكين والمدارس والمنازل إذا اعتُبرت غير ثورية، وحرقها في الساحات العامة، تكبيل ايدي موظفين كبار وعرضهم على الأرصفة. حتى الذين تمكنوا من الهرب اقتفى زبانية القذاي أثرهم في اوروبا او مصر واغتالوهم. إلا أن ذلك كله لم يقتل المقاومة، نشبت معركة «مصراتة» مثلاً، التي توقّف عليها سقوط القذافي او انتصاره، وكان الهدف أن يذهب الثوار بعدها إلى «باب العزيزة» حيث احتفظ القذافي بأهم مقاوميه، أحياء او موتى.
ولكن، على رغم كل ما قاسى الكاتب ومواطنوه فإن السيرة مفعمة بحبه لوطنه. حب ليبيبا التي يرى أن بحرها ورمالها لا يضاهيها بحر ورمال في العالم، ونورها يشعّ كما لا يشعّ نور في العالم. يقول هذا كله على رغم اختفاء والده في سجون ليبيا، وعلى رغم كل ما قاساه وأسرته في منفاهم عن البلد.
واختتاماً، الأسلوب. تميّزه صوره ونفحة شعرية وعاطفية تتجلى في جمل كثيرة. منها قوله، مثلاً، حين خرج من الطائرة عائداً إلى ليبيا بعد غياب 33 سنة: «حين خرجنا من الطائرة كان الهواء مثل بطانية لم تكن تعي أنك في حاجة إليها، ولكنك شعرت بالامتنان حين وُضعت الآن على كتفيك».(ص36) او: بعد أن وصلتهم الرسالة الأولى من والده المخطوف، وجلس مع أخيه ووالدته يقرأونها، كل منهم على حدة، «لأن الحزن يفرّق، يرسل كلاً منا إلى مكان ظلال خاصة حيث يستحيل تبادل العذاب، ويستحيل ان تعبّر عنه اللغة». (ص150) وكان أكثر ما خضّه في هذه الرسالة قول والده إنه إذا عرف أحد برسائله إليهم «سيقع في هاوية لا قعر لها».
هذه السيرة الذاتية مؤثرة جداً لا لأنها صادقة فحسب، ولا لأنها تروي أحداثاً عشناها ولا نزال نعيشها في عالمنا العربي، وإنما، فوق ذلك، لأن اسلوبها ممتع بما فيه من رموز. مثلاً، فيما كان هشام يسير في الطريق لفتت نظره فتحة في اسفل الرصيف، فركع يطلّ، وإذا به يرى أمامه باباً مسحوراً، فخاً. وكأنه يرمز بذلك إلى خوفه من ان تكون عودته إلى ليبيا فخاً نصبه له القدر لالتقاطه.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق