.

«نوسترومو» لجوزف كونراد: ميتة لصّ لبطل إشكالي

ابراهيم العريس

في عام 1990 وبعد سنوات قليلة من تحقيقه آخر أفلامه الضخمة، «ممر الى الهند»، كان المخرج البريطاني دافيد لين يضع، مع كاتبه المفضل روبرت بولت وكريستوفر هامبتون، اللمسات السينارستية الأخيرة على مشروع كان بدأ يشتغل عليه منذ أواسط الثمانينات وهو اقتباس سينمائي لواحدة من أقوى روايات الكاتب الإنكليزي من أصل بولندي جوزف كونراد، «نوسترومو». والحقيقة ان لين، الذي بدأت نجاحاته السينمائية بأفلام حميمة من أهمها «لقاء عابر» ثم تابع طريقه بأعمال اجتماعية مقتبسة من تشارلز ديكنز مثل «دافيد كوبرفيلد» و «أوليفر تويست»، كان منذ «جسر على نهر كواي» و «لورانس العرب»، فيلميه الضخمين، قد اعتاد خوض السينما التاريخية وسينما المغامرات الكبيرة بنجاح، ومن هنا كان من الطبيعي له أن يفكر يوماً بكونراد وأدبه ففكر أولاً بـ «في قلب الظلمات» ليستقر أخيراً عند «نوسترومو» واشتغل عليها سنوات بدعم من ستيفن سبيلبرغ الذي أبدى استعداده ليكون منتجها. وربما لو تحقق الفيلم لكان واحداً من أضخم الإنتاجات في ذلك الزمن بضمه ما يزيد عن عشرين نجمًا سينمائياً كبيراً. لكن المشروع لم يتحقق لسبب بسيط وهو أن دافيد لين رحل عن عالمنا في ربيع 1991. وهكذا، من جديد وجد عمل لكونراد نفسه محروماً من التحوّل الى سينما على غرار حكاية «في قلب الظلمات» الرواية الكبيرة التي فكر في أفلمتها عشرات المخرجين الكبار لكنها لم تتحقق إلا حين نقل فرانسيس فورد كوبولا أحداثها من الكونغو الى فييتنام في «القيامة الآن»، وأحدث فيها من التغيير ما كان من شأنه أن يجعل كونراد يتقلب في قبره.
> مهما يكن، لا بد من الإشارة هنا الى ان السينما والتلفزة اقتبستا «نوسترومو» ولكن ليس بالقوة والأمانة اللتين كان من شأن لين أن يسم بهما فيلمه العتيد. كما أن السينما الصامتة دنت من الرواية نفسها في عام 1926، لكن كل هذا ظل بعيداً عن العوالم الحقيقية لتلك الرواية الكبيرة التي كان سكوت فيتزجيرالد يقول عنها: «كنت أفضل ان اكتب «نوسترومو» بدلاً من كل ما كتبت». بينما كان غراهام غرين يقول أن «نوسترومو» كانت دائماً في باله وهو يكتب أجمل رواياته وأقواها. ناهيك بأن أي قارئ لتحفة غابريال غارسيا ماركيز «مئة عام من العزلة» لا يمكنه إلا أن يفكر برواية كونراد حتى وإن كان من الصعب إيجاد علاقات حدثية أو أسلوبية بين الروايتين. وربما يتأتى ذلك من جغرافية «نوسترومو» أكثر من أي أمر آخر.
> فرواية كونراد تدور أحداثها في بلد في أميركا اللاتينية يسميه الكاتب كوستاغوانا، لكنه في العديد من الملامح يكاد يكون كولومبيا نفسها. والحقيقة أن كونراد في حديثه عن روايته يروي كيف ان أصل الفكرة كان دار في رأسه منذ كان في السابعة عشرة من عمره وهو يزور خليج المكسيك كبحار ليسمع من يحدثه عن رجل تقول الحكاية انه تمكن وحده من أن يسرق ويخفي حمولة مركب صغير من الفضة. لكنه نسي الموضوع طوال خمسة وثلاثين عاماً حتى قرأ مرة كتابًا عتيقاً لمؤلف يروي فيه انه كان هو ذلك الرجل ويحكي بالتفاصيل عما حدث. وطبعاً ليست حكاية «نوسترومو» نفس الحكاية لكنها مستوحاة منها.
> تتحدث «نوسترومو» عما يحدث تحديداً في المدينة المرفئية سولاكو التي على رغم ازدهارها الاقتصادي، ما برحت تعيش العديد من التقلبات السياسية. وها هي الآن عند بداية الرواية وإذ يحكمها رئيس ليبرالي هو الدكتاتور المتنور ريبييرا، تبدأ بالغرق في معارك جديدة بفعل تحركات دكتاتور آخر يمثل مصالح مختلفة هو الجنرال مونتيرو يساعده أخوه. ومن هنا، مع اقتراب المتمردين يتحرك تشارلز غولد، صاحب مناجم الفضة، التي تعيش المدينة ازدهارًا بفضلها، مكلفاً المغامر والبطل المحلي جوفاني باتيستا فيدنتسا، المعروف بلقب نوسترومو بإخفاء شحنة ضخمة من الفضة كيلا تقع في أيدي المتمردين. وبالفعل يتمكن هذا البطل المحلي المعروف بقوة شكيمته ولكن أيضاً بكبريائه، من تحميل الفضة على مركب بمساعدة مارتين ديكو المعتبر نفسه أوروبياً أكثر منه محليًا. ولكن في الوقت الذي تصادفهما عقبات تكاد تقضي عليهما، يتجه الرجلان الى جزيرة صغيرة ينقلان الكنز اليها ويخبئانه. وإذ يعود نوسترومو الى المدينة لمتابعة مهماته، يبقى ديكو في المكان لحراسة الكنز. لكنه بعد عشرة أيام من الوحدة والقلق والترقب لا يحدث فيها شيء، ينتهي به الأمر الى الانتحار مغرقاً نفسه في البحر مستخدمًا جزءًا من الفضة «ثقالة» كي لا يعوم. وهكذا إذ يعود نوسترومو الى الجزيرة بعد حين يجد ان ديكو قد اختفى ومعه جزء من الكنز، فيظن ان شريكه سرق الفضة وهرب. مهما يكن، حين عاد نوسترومو الى المدينة استقبل استقبال الأشباح حيث كان الجميع يعتقد انه غرق مع الكنز منذ البداية. لكن ما من أحد الآن يهتم حقاً بالكنز فالمتمردون كانوا قد انسحبوا وبات كل من السكان مشغولاً من جديد بهمومه الخاصة.
> باستثناء نوسترومو الذي لم يرض كبرياؤه أن يشعر بأن المشروع الضخم الذي تعهده وكان بالنسبة إليه سياسياً واقتصادياً ومسألة شرف، قد تحول الى مجرد حكاية سرقة واختفاء جديرة بتحقيق بوليسي. ولا سيما انه الآن غير قادر على إعادة الكنز الفضي بعدما نقص جزء كبير منه. لكن نوسترومو، وإذ رأى ان معظم الناس المحيطين به باتوا على اقتناع بأن الكنز مدفون الآن في قاع البحر، راح هو الآخر يوطن نفسه على تلك الفكرة، وقد بات على قناعة بأن ما حدث إنما هو انتقام السماء منه انتقاماً يستحقه. غير أنه بعد ان سعى بينه وبين نفسه الى تركيز هذه الفكرة التي راحت تشغل منه البال لكنها بدأت تريح ضميره، تستبد به فجأة جملة أفكار متناقضة، لعل في إمكاننا هنا أن ننسبها أسلوبياً إلى ما يمكن اعتباره «تيار وعي» مبكر في عالم الرواية التي تتحول في قسمها الثاني هذا الى أفكار يدور معظمها في رأس نوسترومو، على عكس ما كان يحدث في القسم الأول من الرواية حين كانت المسألة تتعلق بتقديم الأحداث وعرض سمات الشخصيات. والحقيقة انه لئن كان نوسترومو يشغل وحده قسماً كبيراً من صفحات القسم الثاني من الرواية، فإن ما كان لدينا في القسم الأول، من حول نوسترومو أو من دونه، عشرات الأشخاص بين محليين وأوروبيين وأميركيين شماليين، بين نساء ورجال، بين ثوار وتجار ومسؤولين، كل واحد منهم يطل برأسه وسط الأحداث فيما الكاتب يتوقف عندهم وعند طوبوغرافية تحركاتهم وعلاقاتهم. صحيح انهم جميعاً يظلون محلّقين في أحداث الرواية حتى نهايتها، لكن مركز الصدارة بات الآن لنوسترومو الذي راحت تشغل باله وهو المعتد بنفسه الى أقصى الحدود، فكرة ان بطولته وتاريخه ونظرة الآخرين إليه باتت جميعاً على المحك بسبب الكنز الذي اختفى جزئيًا وغياب شريكه الذي لم يعد له أثر.
> والحال أن هذا كله قد أدى الى تحطيم ذلك السلام الداخلي الذي كان نوسترومو قد جعله عماد حياته وإيمانه ووجوده منذ باتت له تلك المكانة التي جعلت تشارلز غولد يثق به ويسلمه كنزه. غير أن ما لا بد من ملاحظته هنا، هو ان نوسترومو لم يفصح أمام الآخرين عن إخفائه ما تبقى من الكنز في الجزيرة. فهل كان هذا لأنه كان عازماً أولاً على العثور على ديكو وما نقص من كنز، أم لأنه أراد ولو خفية حتى عن نفسه أن يحتفظ بما تبقى من فضة طالما ان الجميع يعتقدون ان الكنز غرق كله في البحر؟. مهما يكن، لئن كان نوسترومو قد آلى على نفسه ذات لحظة ان ينقل أجزاء من الكنز نتفاً نتفًا الى مأواه في انتظار قراره التالي، فإن اتخاذ المدينة قراراً ببناء منارة في الجزيرة أوقف مشروعه هذا عند حده. بل وضع نهاية لحياته ذات ليلة حين كان ينقل شحنة من الفضة فأطلق عليه حارس المنارة النار وأرداه قتيلاً وهو يعتقده واحداً من اللصوص. وهكذا مات البطل لصًا حاملاً معه سر الكنز الذي لا يعرف أحد عنه شيئًا.
> هذه الرواية التي كتبها جوزف كونراد (1857 – 1924) في عام 1904، تبقى، وربما بسبب هذه النهاية الإشكالية، واحدة من أقوى روايات المغامرات، بين دزينتي روايات لكونراد جعلت منه واحدًا من كبار كتاب اللغة الإنكليزية في زمنه.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة