متابعات ثقافية و فنية

الدراما الشبابية تدفع الكبار إلى الاعتزال

سعيد ياسين

أحدث خبر اعتزال أكثر من فنان العمل في مجال التمــثيل صدمة كبيرة لجمهورهم ومحبيهم، وأيضاً لزملائهم الذين يعانون من المــأزق نفسه، بسبب تراجع الطلب عليهم في شكل كبير خـــلال السنوات القليلة الماضية. ويأتـــي هذا الشعور بالتهميش فـــي ظل سيطرة الشباب الجدد على مقاليد الأمور في الوسط الفني، خصوصاً في مجال الدراما التلفزيونية بعدما أثبتت مسلسلاتهم تفوقاً ملحوظاً وطلباً متزايداً من القنوات الفضائية. ومع أنّ أدوار كبار السن تُشكّل عصباً رئيساً في الدراما (الأم أو الأب أو الجد والخـال والعمّ لهــؤلاء الشباب)، عانـــى معظم مــن شارك في مسلسلات خلال العامين الأخيرين من تراجع ترتيـــب أسمائهم على مقدمات هذه الأعمال، وحلولهم بعد فـــنانين جدد كانت أقصى أمانيهم الوقوف أمامهم ولو فـــي مشهد صغير، إضافة إلى الأجــر المادي المنخفض الذي تُقدّمــــه لهم جهات إنتاج تتجاهل تاريخهم الفني العريق.
يبخلون على الفنانين الكبار، في حين أنّ أجور النجوم الجدد تُقدّر بملايين الجنيهات، وتصل الأمور في أحيان كثيرة إلى عرض أقل من ربع أجورهم الحقيقية، إضافة إلى سوء التقدير المعنوي لهم أثناء التصوير، بحيث يتم إسكان النجوم الجدد في أفخر الغرف داخل البلاتوات أو في الفنادق حال التصوير الخارجي، وأيضاً تأجيل مشاهدهم بالساعات حتى ينتهي الشباب – الذين يصلون متأخرين عن مواعيدهم المتفق عليها مع فريقي الإخراج والإنتاج- من تصوير مشاهدهم أولاً، وتكون الكارثة أعمق وأشد تأثيراً حين ينصاع القائمون على العمل إلى طلبات النجوم الجدد للتقليل من مشاهد الكبار. وقد تسببت غالبية هذه الأسباب، أو تحالفها مجتمعة في اتخاذ بعضهم القرار بالاعتزال. وجاء في مقدمهم محمود الجندي الذي كان له باع طويل في عشرات المسلسلات الناجحة طوال العقود الخمسة الماضية، ومنها «عيلة الدوغري» و«الشهد والدموع» و«بابا عبده» و«دموع في عيون وقحة» و«درب الطيب» و«الدالي» و«كفر عسكر» و«أوراق مصرية» و«ألف ليلة وليلة» و«هارون الرشيد» و«زيزينيا» و«أبوالعلا البشري» وغيرها. وقد ظهر بأدوار ثانوية خلال رمضان الماضي في مسلسلي «ظل الرئيس» و«الجماعة2»، وبدور أطول قليلاً من حيث المساحة في «رمضان كريم». وعلى رغم أنه أعلن استياءه في كانون الثاني (يناير) الماضي بعد مشاركته في الجزء الأول من مسلسل «الأب الروحي»، ووصلت الأمور إلى هجومه على مؤلف العمل ومخرجه وجهة إنتاجه مؤكداً انسحابه منه وعدم المشاركة في أجزاء أخرى، اضطر بعد رمضان الأخير إلى اتخاذ قراره بالاعتزال النهائي، وكتب الى جمهوره الذي صُدم بقراره على حسابه الفايسبوكي قائلاً: «كل أحبائي وأصدقائي الذين أزعجهم خبر اعتزالي الأعمال التلفزيونية، أشكركم على حبكم وصدق مشاعركم، ولعلمكم أنا لم أتخذ هذا القرار إلا من أجلكم. ولأنني لن أتسول الاحترام، كان لا بد من أن أحترم نفسي. القيم انهارت والمبادئ اندثرت فأصبح التعامل مع تجار الفن مستحيلاً، وإذا تحولت الحياة حولك إلى غابة، فلا تحاول أن تكون حيواناً، تمسك بإنسانيتك لأن الله خلقك إنساناً».
وتكرر الأمر نفسه مع الفنان يوسف شعبان صاحب نصيب الأسد من المسلسلات المتميزة، ومنها «الشهد والدموع» و«رأفت الهجان» و«العائلة» و«ضمير أبلة حكمت» و«المال والبنون» و«ليالي الحلمية» و«صباح الورد» و«الحفار» و«الوتد» و«ضد التيار» و«الضوء الشارد» «امرأة من زمن الحب»، ومسلسلات تاريخية ودينية وتراثية عدة، وهو غائب عن الدراما منذ أن شارك العام 2015 في مسلسل «أوراق التوت»، وأعلن أن قراره الاعتزال جاء بسبب ما وصفه بـ «الانهيار الأخلاقي في الفن»، وأنه وأبناء جيله تسلموا الراية ممن سبقوهم وأكملوا العمل الخاص بهم، بينما الجيل الحالـــي لا يعطي أي دليل على تسلمــه الراية من الجيل السابق، اذ يتمّ تركيز المواضيع على جرائم القتل والبلطجة، مؤكداً أنه لم تعد لديه القدرة على العمل في مناخ بهذا الشكل.
وعلى رغم أن الفنانة سميرة عبدالعزيز التي تفوقت على نفسها في عشرات المسلسلات ولقبت بـ «أم المشاهير» لقيامها بتجسيد دور الأم في مسلسلات كثيرة ومهمة مثل «أم كلثوم» و«أبوحنيفة النعمان» و«نسر الشرق» و«الشيخ الشعراوي» و«بوابة الحلواني» و«وجه القمر» و«بنت من شبرا» وغيرها، لم تعلن اعتزالها، إلا أنها أكدت سوء معاملة القائمين على الإنتاج للفنانين القدامى في شكل مخزٍ ومحزن، ولا يليق بفنانين لهم تاريخ طويل في الأعمال الدرامية والسينمائية. وأعلنت أسفها لما وصلت إليه حال الدراما، وأبدت انزعاجها من كمية الضرب والقتل والجريمة وصراخ السيدات في الأعمال في شكل مستفز جداً، وافتقادها الحوار داخل المسلسلات، ما يدل على أننا أصبحنا نحل مشاكلنا بالضرب وبالأيادي، كذلك أعمال السحر والدجل والشعوذة التي تنشر الجهل في المجتمع.
وكان عدد من كبار الفنانين الراحلين عانوا من تمرد الوجــوه الجديدة عليهم سواء من الفنانين أم الفنانات الذين انتقلـــوا إلى البطولة المطلقة، وشاركوهم في أعمالهم هذه، ومــــن هؤلاء مديحة يسري وليلى فوزي وعبدالمنعم مدبولي ومريم فخرالدين وحمدي غيث وأمينة رزق ومحمد توفيق ومحمد الدفراوي وآخرون.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق