.

التاريخ لن يرحم الشعراء الذين يقفون على أبواب السياسيين

زكي الصدير

شاعر كندي من مواليد الكويت. هكذا يعرف محمد النبهان نفسه التي استيقظت في سبعينات القرن الماضي بلا وطن ينتمي إليه، وبلا هوية يزرعها في محفظة بنطلونه، وبلا أوراق ثبوتية يهشّ بها على نقاط التفتيش المتربصة بالمبدعين العرب عند كل شارع. وجد نفسه نجاراً ينحت في الخشب في ورشة أخيه في الكويت، يحمل “البدون” كهوية كاشفة عن لا إنتمائه المبكر الذي سُحب إلى فنه وقصيدته ونصوصه واشتغالاته الإبداعية المتنوعة التي شكّلت حكاية “الرجل العجوز” كما يحب أن يدعو نفسه. ثم من الكويت فتح على نفسه باب الهجرة ليتذوق غربة الأوطان بعد أن تذوّق غربة وطنه.
الخروج والتجاوز
يقول النبهان عن الكتابة والشعر وانتظار اللحظة “لو كنت أعرف ما الجديد لكتبته وانتهيت منه. في فكرة الخروج المستمرة، أنت تهب نفسك للطريق وأخطارها ومغامراتها، ما يستحق أن يكتب سيأتي وقته وزمنه، النصوص المتفرقة لا تشكل كتابا، الكتاب رؤيا وقلق وتجربة تستنزف كل طاقتك. كتابي ‘حكاية الرجل العجوز‘ انتظر في دمي عقدين، وكتاب ‘امرأة من أقصى المدينة‘ سافر معي في كل المدن التي أقمت فيها أو عبرتها. الجديد سوف يفقد دهشته عندي لو عرفت الآن تفاصيله وملامحه كاملة، لكن منذ فترة وأنا مأخوذ بهاجس البريد الذي أحمله منذ أن كنت موزعا للبريد في الريف الكندي، ثمة مخلوقات كثيرة الآن تأكل معي وتمارس ألعابها الكثيرة في رأسي. كيف ستخرج، هذا ما لست أعرفه حتى الآن”.

على مدى ربع قرن تقريباً، مرّ النبهان بمحطات كثيرة، امتدت من الكويت حتى كندا ثم عوداً للخليج من جديد، حيث استقر بالبحرين. يقول عن حكايته لـ”العرب”: “عندما خرجت من الكويت في عام 1995، خرجت بفكرة واحدة اكتشفت أنها ما زالت صالحة وتنقذني دائما في كل الظروف، وهي مغامرة الخروج، الخروج عن المكان بكل تبعاته السائدة القبلية الجمعية، الخروج الذي يتطلب أن أنتزع ذاتي من المكان وحنين العودة قدر المستطاع (طبعا لا يعني هذا التنكر للأصول وانتزاع الجذور، المسألة هنا بناء إنسان”.

يتابع ضيفنا “الحلم لا يعني شيئا دون الرغبة في المحافظة عليه. لهذا كنت دائما أعمل ضمن الفكرة التي وضعني فيها مجتمع بلدي الأول بكل مؤسساته الرسمية والأهلية، لكن مع تطويرها إنسانيا، كأن يطلق عليك “بدون” فتكون مع الزمن متخفّفاً من وهم الأوطان ومنطلقا لحقيقتك الإنسانية الأولى، بدون وهم ورقة بائسة. في الخروج فعلت ما كنت أتمنى تجربته إنسانيا، حتى على المستوى الثقافي، أطلقت مجلة ‘أفق’ في كندا على سبيل المثال رغم توقفها، ومشروع ‘مسعى’ المستمر بتنقلاته من الكويت إلى البحرين وأخيرا إلى كندا. الإيمان بقدرة الفرد على التغيير -وإن كانت ضعيفة ومتراكمة- أهم بكثير من وهم الحراك الجمعي ضمن أفراد غير متفقين في ما بينهم، ولهذا كنت دائما ‘بدون انتماءات مؤسساتية’؛ لم أنتم في كل حياتي إلى أي حركة فكرية أو ثقافية أو سياسية”.
بعد عدة إصدارات شعرية اتسمت بحالات من الوعي الإنساني العالي وجاءت كمشاريع ذات مناخ واحد تتزاحم فيه الأسئلة الفلسفية، ابتدأت بنصه الأول “غربة أخرى” و”دمي حجر على صمت بابك”، ولم تنته بـ “ثلاثون قصيدة حب”، نسأل ضيفنا هل استطاع النبهان تجاوز تجربته الأولى التي يعتبرها فصلا طويلا من سيرته؟

يجيب محمد النبهان “‘دمي حجر على صمت بابك‘ قصيدة الخروج بكل الأفكار التي قلتها قبل قليل دون أن أعي فلسفتها بعد كما الآن. هذا العمل أشبه بمسودة أفكاري ولغتي وامتداداتها. لا يتجاوز الشاعر قصيدته لكنه يبني عليها، ولا يمكنك أن تبني تجاربك على أساس رخو في داخلك. أؤمن بأن الشاعر يمكنه أن يكتب في حالات مختلفة ويكون أسيرا لكل ما قد يستجد في حياته، يكتب قصائد كثيرة ومتنوعة ومتفرقة، لكن حين تأتي فكرة النشر فعليه أن يفكر بكتاب شعري وليس مجموعة قصائد. ‘دمي حجر على صمت بابك‘ أسس لهذه الفكرة وجعلها ضرورة، رسم لي شخصية خاصة ونبهني لمساحات جديدة في الكتابة الشعرية”.
مثل شبح

إلى جانب اشتغاله الشعري يدير النبهان دار مسعى للطباعة والنشر. ولا شك في أن العمل في صناعة الكتب ونشرها يجعل من الشاعر ناقداً شرساً، يحيّد التجارب وينتخبها ويقوم بعملية نقدها عبر اختياراته. كيف يمكن ألا يتورّط النبهان بمزاجه الشخصي في اختياراته لإصدارات مسعى؟

يعلّق النبهان على هذا الشأن بالقول “تعلمت، أيضا، ومنذ بدايات الكتابة والعمل الثقافي والصحافي أن أمارس النقد وأتقبله، أنا لا أرحم نفسي من النقد فكيف تريدني أن أرحمك، لكن تعلمت أكثر أن أخرج على مزاجي في العمل المهني، في ‘مسعى’ لم أتورط أبدا في الاختيار حسب مزاجي الشخصي، موضوع النشر في مطبوعة أو دار نشر خاضع لمواصفات الدار وفلسفتها، هل يستحق هذا المطبوع أو لا يستحق النشر، كنص أولا، حتى وإن لم يعجبني على المستوى الشخصي، ناهيك أن للدار لجنتها ومستشاريها ومن نستأنس بآرائهم واختياراتهم. لو كنت أختار بمزاجي الشخصي الصرف لما طبعت ربع هذه الأعمال المنشورة”.
يرى النبهان أن مصطلح “الحركة النقدية في الخليج” مضحك، ولا يعني شيئاً، فهو لم يجد ناقداً واحداً يدرس الشعر برغبة وشغف حقيقيين ويكون في الوقت نفسه على تواصل وتماس مع المنجز الشعري في الخليج. يقول “النقاد (إن صحت التسمية) لا يقرأون المنجز الشعري الجديد إلا حسب ما يُطلب منهم من أوراق لمؤتمرات أو مناهج أو دراسات. اقبض على أي ناقد اليوم وباغته بسؤال كم قرأت لشعراء بلدك أو منطقتك؟ وماذا قرأت لهم؟ وأين مشروعك تجاه هذه القراءات؟”.

وعن إمكانية تحييد الثقافي عن السياسي بعد الانقسامات التي خلفتها رياح الربيع العربي على المنطقة يؤكد شاعرنا أن “المثقف موقف؛ ولا يشترط أن يكون المثقف محسوبا أو منتميا إلى أي طرف أو حزب أو جهة ليكون له موقفه من الأحداث والتحولات. أنا فقط لا أحب السلطات، بكل أنواعها، التاريخ لن يرحم أولئك الذين ينتظرون في أروقة الحكام والسياسيين الذين لا يبيعون إلا الوهم. أي موقف سياسي لم يكن إنسانيا في رؤيته لا يعول عليه. مشكلة المثقف العربي أنه يعتقد أنه سلطة ثقافية ويبيعك الوهم أكثر من السياسيين والحزبيين. أين أنت من الناس؟ أين أنت من نفسك؟ هذا السؤال الذي يجب أن يضعه المثقف حين يشرع في الكتابة”.

في ختام حديثنا توقفنا عند المشهد الثقافي البحريني الذي يرى النبهان أنه مشهد غني ومتنوّع وأصيل، ويمتلك طاقات إبداعية مؤسسة بشكل رصين، لكنه -حسب تعبيره- مثل شبح، لا تستطيع أن تقبض على ملامحه أو تحدد هيئته أو مزاجه، ولا تعرف متى يخرج لك من سكونه أو أين أو كيف يتمدد في هذه المساحة المغلقة بالماء من كل جهاتها. فـ”البحريني منفتح على التجارب والأشكال الفنية المتنوعة والأجيال والمدارس، هو فقط يحتاج هذه المساحة المفتوحة لاستيعاب تجربته والتخلص من عادة الانتظار.. انتظار شبح، أو شبح انتظار”.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة