.

‘حالة مارتن بيش’.. عندما يتحول السأم إلى مادة مسرحية

ابو بكر العيادي

جاك موجنو هو وجه من الوجوه المعروفة في الوسط المسرحي والسينمائي، تدريسا وتأليفا وتمثيلا وإخراجا، فبعد التدريس في المعهد الأعلى للفن الدرامي بباريس، شارك في عدة أعمال مسرحية تحت إدارة فيليب لوغار وجمال القاسمي وجان لوك تارديو وجان بيير أندري وجان لوران غوشيه، وبعض أفلام من إخراج كلود بينوتو وجوزيه ديان، قبل أن يتحول إلى تأليف مسرحيات ناجحة أمثال “سبّوط دوق بريان” و”المبتزّ” و”شخص بلا أهمية” و”قضية دوسير” وحتى عمل روائي بعنوان “آلة تفكيك الزمن” وكتاب عن سيرة الرسام موريس مازو (1901-1989).

ومن ثمّ، ليس من الصعب عليه أن يختار ثيمة السأم من زاوية كوميدية في مسرحيته الأخيرة “حالة مارتن بيش”، ويبدع نصا يجمع بين العمق والمرح. المعروف أن السأم هو من القضايا الفلسفية الكبرى، ولئن كان قديما قدم الوجود الإنساني، فإنه لم يشكّل ظاهرة محورية إلاّ بداية من الرومانسية الألمانية، قبل أن تزيده الحداثة تضخما، بسبب نسق الحياة واحتداد العنف ورواج المخدرات وتفاقم الحالات النفسية العصيبة، واحتفاء الرومانسية بالذاتية، ما ولّد سأما ناجما عن نقص المعنى الذي يعطيه الفرد لوجوده.

والفلاسفة يميزون بين نوعين من السأم: السأم الظرفي الذي يعيش الفرد خلاله في حالة انتظار شيء محدد، والسأم الوجودي الذي يعكس شعورا بالفراغ، وهو أعمق، لأنه لا يَنشد شيئا، ذلك هو ما تعالجه هذه المسرحية بأسلوب هزلي.

صحيح أن السأم، ومرادفاته كالضجر والملل، ليس جديدا على المسرح، ولكنه هنا يحتل الصدارة، فالبطل الذي ابتكره موجنو، والذي يتقمص دوره بنفسه، يعاني من مرض غريب مزمن، يتمثل في غياب كلي لحب الاستطلاع، أي رغبة التعرف على الناس والأشياء والحقائق وكل ما يحدث في المعيش اليومي، إذ إن كل شيء يصيبه بالسأم ولا شيء يثير اهتمامه، من وسائل التسلية وتزجية الفراغ إلى العمل، ومن قراءة الكتب إلى مشاهدة أفلام السينما، يحس بالسأم حتى من زوجته.

هذه الزوجة هي التي ستقنعه بعرض نفسه على طبيب نفساني ليكشف عليه ويصف له العلاج الناجع، ورغم عدم اقتناعه بجدوى العيادة، يقبل بعرض حالته على طبيب نفساني، ويعترف له بما يعانيه قائلا “اللحظات الوحيدة التي لا أحس فيها بالسأم هي عندما أكون نائما، ولكن بما أني نائم لا أستطيع أن أغتنم الفرصة كي أجد شيئا يجلب اهتمامي”.

هذا المرض المزمن الذي استبد بالسيد بيش يشدّ اهتمام الطبيب المتخصص، فيحاول أن يحل لغز هذه الحالة المستعصية وغير المعهودة، فيستدعي فطنته وسعة خياله، لتتولد عن ذلك مواقف مسرحية مضحكة، يختلط فيها الفضول بالعبثي، إذ يتبدى الطبيب في عيادته، على عكس مريضه، نهما لحب الاستطلاع، يدور حوله كي يعرف كل شاردة وواردة، حتى يُلمّ بكل جوانب العلّة، ويكشف عن أعراضها ويصف علاجها.

وهو لا يكف عن محاصرة مريضه كما يحاصر القط فأرة، يمطره بأسئلة غريبة، ويقترح فرضيات أغرب، ما يخلق مواقف هزلية رائقة، كل ذلك يمضي في نسق سريع، وحوار يدعو إلى التأمل في موقفنا من السأم وسبل مقاومته، حتى وإن تراجع النسق والتوتر في الدقائق الأخيرة، قبل أن تعيده الخاتمة إلى توهجه السابق.

مسرحية تضع وجها لوجه رجلين لا يجمعهما أي شيء، أحدهما ليس محبطا ولا راضيا عن حياته تمام الرضى، بل هو مفرَغ من أي رغبة في اكتشاف الجديد، فاقد للطاقة التي تدفعه إلى الاغتراف من الحياة بنهم، والوقوف على ما فيها من أشياء تلفت اهتمام الناس أجمعين إلاّه.

وثانيهما طبيب نفساني يقف منه في طرف نقيض، يريد أن يعرف كل شيء عن هذه الحالة، فيمعن في الفضول، وإلقاء أسئلة تخص حياة مريضه الحميمة في شكل يجعله يتجاوز حدود اللياقة في أكثر من موضع.

ويجد المتفرج نفسه في وضعية ملاحظ لحصة فحص أولية، للوقوف على خطورة الحالة من عدمها، وقد يتقرر إثرها العلاج ومدته وتفاصيله، فيبدو العرض أشبه بلحظة واصلة بين المسرح والعلاج النفساني، ويغدو الحديث عن السأم دفعا للسأم نفسه من خلال السخرية منه وممن يعانيه.

لقد استطاع جاك موجنو أن يبدع نصا رائعا يتحدث عن السأم دون أن يحس المتفرج بالملل لحظة واحدة، إذ جاءت صياغته محكمة، ذكية، معززة بشحنة هائلة من الهزل تسر المتفرجين، وإن بدا متأثرا بكتابات رولان دوبيار (1923-2011) خصوصا من جهة الحوارات التي عادة ما تنتهي نهاية عبثية لا يصغي فيها أحد الطرفين إلى الآخر، وبدا التفاهم، بينه وبين هرفي ديفولديه الذي قام بدور الطبيب وإعداد الديكور والسينوغرافيا، في أجلى صوره.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة