سينما و تلفزيون

‘الاكتشاف’ فيلم خيال علمي يغوص في حياة ما بعد الموت

طاهر علوان

أسئلة ما بعد عالم الحياة، ما انفكت تطرح نفسها بقوة في أفلام الخيال العلمي، حيث تبحر فيها هذه النوعية من الأفلام منتقلة بين محطّات شتى للوصول إلى حصيلة وافية ومشوّقة لا تخلو من قلق وتوتّر وخوف في آن واحد، وفي فيلم “الاكتشاف” للمخرج تشارلي مكدويل يكرس العالم هاربر (الممثل روبرت ريدفورد) كل جهوده وأبحاثه للوصول إلى حقيقة الآخرة، ليتمكن في النهاية من اكتشاف جهاز متطور، يصل عبر متحسسات خاصة تلصق في رأس الإنسان إلى اختراق ما هو كائن هناك، في الآخرة.

رغبة عشرات الآلاف من الناس في اكتشاف تلك المنطقة المجهولة وشكلها وتفاصيلها تدفعهم إلى الانتحار تباعا حتى فاق عدد المنتحرين حاجز الأربعة ملايين، وكلّ ذلك بسبب الفتنة التي تسبب فيها الدكتور هاربر، بل إنه يتسبب في انتحار على الهواء أثناء إجرائه مقابلة تلفزيونية، حيث يقدم أحد فريق العمل التلفزيوني على إطلاق النار على نفسه متأثرا بالحجج التي ساقها هاربر، ومن ساعتها سيختفي الدكتور عن وسائل الإعلام منشغلا بأبحاثه.

هذه البداية الغريبة كفيلة بالمضي في اكتشاف عالم البروفيسور هاربر، فها هو يعيش في ما يشبه القلعة المهجورة، وهناك استقبل عددا من البشر ممن تم إنقاذهم من الانتحار، فيخضعون لبرنامج تدريبي ومحاضرات، وهم بصدد الولوج إلى الجهاز العجيب بغرض اختبار وجود وشكل الآخرة بعد أن يمروا بميتة مؤقتة.

في الطريق إلى قلعة هاربر النائية سوف يقطع ابنه ويل (الممثل جاسون سيغال) الطريق بصحبة فتاة تريد الانتحار هي الأخرى (الممثلة روني مارا)، حوار مكثف لا يخلو من غلظة وسخرية يتم بين الاثنين على وقع الأخبار التي يتم بثّها عن تجارب الدكتور هاربر، ليتطور الأمر لاحقا إلى إنقاذ ويل لتلك الفتاة من الغرق.

كأنّ العالم والمجتمع برمّته قد تجمّدا، الكلّ تشغله مشاهدات ما بعد الموت، يتم التعدّي على جثّة وسرقتها من المشرحة ليتم ربطها بالمنظومة الإلكترونية لجهاز البروفيسور هاربر، لتظهر على الشاشة آخر الذكريات المخزونة في عقل الميت وهو في المستشفى، وكذلك الحال يتكرر مع الدكتور هاربر الذي يقرر أن يقوم بما يشبه الانتحار لإثبات نظريته، وليتم إنقاذه في اللحظة الأخيرة، لكن ما ليس في الحسبان أن يشتعل الحب بين الابن ويل وبين الفتاة التي أنقذها لينتهي بها الأمر مقتولة على يدي ممرضة كرهت وجودها وخافت أن تحلّ محلّها.

يكتظّ الفيلم تصاعديا بهذه التراجيديا الدامية مع المضي في مشروع الآخرة المجهولة التي سوف تظهر في شكل لقطات مشوشة وصور مهتزّة بالأبيض والأسود، هي كل ما يمكن جمعه من صور تمثل ذكريات مشوّشة لا أكثر، لكن في المقابل هناك خطوط سرديّة موازية ترتبط بحالة ويل وشقيقه، كلاهما ما زالا يحملان ذكرى أليمة هي انتحار والدتهما وعلاقة ذلك بأبحاث والدهما البروفيسور أو سوء معاملته لها.

ويبدو في المقابل هروب إيسلا صديقة ويل من واقعها ومحاولة الانتحار بالغرق، سعيا منها لدخول الآخرة للقاء طفلها الذي مات مبكرا وبقيت ذكراه تحفر في وجدانها. الكلّ تقريبا يبحثون في هذه الدراما الشائكة عن حياة افتراضية بديلة قد يجدون فيها خلاصهم، أو يجدون في آفاقها البعيدة أعزّاء لهم، والحاصل أن الشخصيّات تعاني من أزمات متفاقمة، ومن ذلك أزمة الدكتور هاربر ونظرياته، فهو متذبذب بين دفع الناس لاكتشاف ما بعد الموت ومحاولة إثبات أنه ليس عدميّا، لكن المزج بين الأمرين بدا صعبا ومعقّدا.

ما يلفت النظر تلك المستعمرة النائية التي تعصف فيها ريح الشتاء، حيث يقيم حشد من المحبطين الذين صاروا ينتظرون إجابات محددة عن آخرتهم، وهل عليهم أن ينتحروا أو أن جهاز البروفيسور قادر على أن يريهم الآخرة؟

الممرضة المساعدة سوف تكون أداة في تأسيس حبكة ثانوية، خلاصتها أن لا أحد من الموتى تأكد من أنه شاهد الآخرة من خلال جهاز هاربر، فتتسبب في إحباط جمهور البروفيسور وتاليا في طردها ثم تنتقم لنفسها.

على صعيد البناء المكاني توزّعت المشاهد بين قلعة الدكتور هاربر وبين المشاهد الخارجية الشتائية، وهي غالبا ممتزجة بالأماكن التي جمعت بين ابن الدكتور ويل وإيسلا من خلال علاقة الحب الخاطفة التي جمعتهما، وما عدا ذلك فهنالك المنظومة التي صنعها الدكتور هاربر والتي يُخضع مرضاه لها بما تقتضيه من صعق بالكهرباء قصد إعادة الحياة إلى الشخصيات التي تجرى التجارب عليها.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة