الرئيسية / . / ظلال نازك ضمرة المتحركة

ظلال نازك ضمرة المتحركة

احمد فضل شبلول

تنتمي رواية “ظلال متحركة” للكاتب المبدع الأردني نازك ضمرة إلى رواية السيرة الذاتية الغيرية، حيث الصوت الواحد الطاغي على كل الأحداث والشخصيات هو صوت فهيمة المطّ التي تدخل إلى ذاتها وتتعمق فيها، وتستخرج لنا قطعا كثيفة متناثرة متشظية من حياتها الشخصية في أدق تفاصيلها، وفي عموميتها أيضا، منذ طفولتها الباكرة وحتى بلوغها سن الثمانين. وعلى ذلك سنرى استعراضا طويلا لتاريخ المنطقة العربية بعامة، والأردن وفلسطين على وجه الخصوص، بالإضافة إلى خصوصيات أنثوية شديدة الحساسية والتعمق.تنتمي رواية “ظلال متحركة” للكاتب المبدع الأردني نازك ضمرة إلى رواية السيرة الذاتية الغيرية، حيث الصوت الواحد الطاغي على كل الأحداث والشخصيات هو صوت فهيمة المطّ التي تدخل إلى ذاتها وتتعمق فيها، وتستخرج لنا قطعا كثيفة متناثرة متشظية من حياتها الشخصية في أدق تفاصيلها، وفي عموميتها أيضا، منذ طفولتها الباكرة وحتى بلوغها سن الثمانين. وعلى ذلك سنرى استعراضا طويلا لتاريخ المنطقة العربية بعامة، والأردن وفلسطين على وجه الخصوص، بالإضافة إلى خصوصيات أنثوية شديدة الحساسية والتعمق.
هذا الاسترجاع أو الارتداد إلى الوراء عشرات السنين يتم خلال ساعات محدودة هي عمر الزمن الفني للرواية، وهي الساعات التي تقبض عليها فهيمة أثناء ركوبها الطائرة من مطار نيويورك متجهة إلى مطار علياء الدولي بالعاصمة الأردنية عمَّان.
ومن خلال تلك الشذرات النفسية التي تقدمها لنا فهيمة، يستطيع القارئ أن يرسم شخصية تلك المرأة الأردنية التي ترى عمَّان أجمل مدينة في العالم، وتصفها بأنها جنة الزمان. إنها شخصية مترددة، تريد الشيء ونقيضه في الوقت نفسه (فهي متزوجة من زكي وتفكر في عزيز، الشاب الشركسي ذو الوجه الأحمر الذي كان يزورهم في بيت العائلة، ولم تصادف “أحمرَ منه” – كما تقول – وأحبته وهي في الرابعةَ عشرةَ من عمرها)، غير أنها لم تؤذ أحدا، وتخاف من الغرباء، محافظة على بيتها وعائلتها، لا تملك ثقافة عريضة مثل زوجها زكي المحجوب الذي طلبت منه الطلاق قبل أقل من شهر على زواجهما، ولكنها استمرت معه كزوجة مخلصة أكثر من ستين عاما أنجبت خلالها ثمانية أولاد، وهي في الوقت نفسه غير جاهلة (رغم أنها لم تكمل تعليمها وتوقفت عند المرحلة الابتدائية)، وتستطيع أن تزن الأمور بميزان أنثوي حساس.
تبدأ الرواية بأجواء طبيعية دالة وكاشفة لنفسية بطلة الرواية “فهيمة” حيث الهواء كان “عاصفا في الخارج، وذرات الرمل الدقيق المتطاير تملأ الجو، وتحجب الكثير من الرؤية، سبب الضجر لي والضيق، يمتزج بالكبت والانكماش، جو يُدخل في نفسك شعورا بضعف وإحباط، لا يقلل ذلك الإحساس إلا مطر غزير وجارف، كي يغسل الأدران الظاهرة والخفية على الأرض ..”.
هذا الجو الطبيعي هو الخلفية التي ستدور أمامها – أو على إيقاعِها – الأحداث، أو هو المعادل الموضوعي للجو النفسي الذي سنكتشفه ويلازمنا طوال الرواية من خلال شذرات فهيمة النفسية ومكاشفاتها التي تطلعنا عليها خلال تحليقها داخل الطائرة على مدى الرحلة الزمني.
كما يلعب تيار الوعي وتدفق الذكريات كبحر هادر متلاطم الأمواج، دورا كبيرا في الرواية من خلال استنهاض الهمة الروائية واستدعاء الكثير من الذكريات والمواقف والأحداث التي مرت في حياة “فهيمة” سواء في عمّان أو رام الله أو الخرج أو الرياض أو جدة (بالسعودية) أو اليونان أو نيويورك أو ولاية تكساس الإميركية حيث تقيم في سنواتها الأخيرة بالقرب من أولادها وأحفادها، وهكذا تتنوع الأماكن والأزمنة، ويؤسس “الزمَكان” وعيا روائيا يغوي القارئ لتتبع سيرة حياة تلك المرأة الأردنية العصية على الفهم أحيانا، والتي تعيش أغلب سني حياتها في عزلة وحيرة وهشاشة فكرية وانكسار وانهزام، يصاحبها أنفة وكبرياء وتعالي (لا أريد أن يراني أحد أرافق شخصا حافيا) ولولا حكمة زوجها “زكي” – ولشخصيته نصيب من اسمه – وقوة شخصيته وتمسكه بعروبته، ما نجحت تلك الزيجة.
لم تعتمد “ظلال متحركة” على استدعاء الذكريات والعيش في الماضي فحسب، ولكنها تطمح أيضا لتقديم رؤية مستقبلية، فنرى زكي المحجوب (الفلسطيني المثقف) يشرح لزوجته فهيمة رؤيته لأوضاع المنطقة العربية قائلا: “إن أياما صعبة على العرب ستأتي، يجدون أنهم فريسة لمعظم شعوب الأرض، إن الغنى والبترول لن ينفعهم، لا بل سيكون السبب في تدمير كياناتهم، وجلب العداوات فيما بينهم ..”.
وهو الشيء الذي بدأ يتضح جليا خلال السنوات الأخيرة.
وما يهمنا ونحن نناقش عملا إبداعيا روائيا هو كيفية توظيف هذه المقولات السياسية الكاشفة داخل العمل، وهل هي كانت مقحمة عليه، لمجرد إثبات أو تسجيل وجهة نظر سياسية تخدم هوى سياسيا ما لدى المؤلف، أو لإرضاء ذوق قارئ ما، أم هي من صلب العمل ولا نستطيع الاستغناء عن هكذا مقولات؟
لو عرفنا أن شخصية فهيمة تميل إلى الانغلاق والخجل (خاصة أمام الغرباء) والدخول الجواني إلى نفسها أكثر من انفتاحها على الآخر رغم تعدد سفرياتها وتنقلاتها بين أكثر من مدينة وبلد، وأنها شخصية غير مثقفة (لكن الغريب أنها تحفظ أبياتا من شعر شوقي وتتماهى مع قصائد نزار وترددها) وأنها عنصرية تفتخر بأصولها الأردنية وكانت تندم أحيانا لزواجها من شاب فلسطيني فلاح، بل كانت تنعت الفلسطينيين أحيانا بأوصاف غير مقبولة. تقول (ص 87): “لم أنسجم مع البنات الفلسطينيات، وصرت أغيظهم بسؤالي: لماذا أتيتم للإقامة في حي المهاجرين في عمّان”.
ولو عرفنا في المقابل أن زوجها زكي المحجوب شخصية مثقفة تؤمن بالوحدة العربية وأن حب العرب والأخوة العربية هو القوة أو الضمان لما سيأتي من بلاءات ستتعاقب فيما بعد، لأدركنا مدى أهمية مقولاته السياسية التي لم تكن عبئا على العمل الروائي. وإنما هي رؤية مستقبلية على ضوء ما يراه أمامه من اعتداءات إسرائيلية متكررة وتشرذمات وخيبات عربية متتالية منذ عام 1948 وحتى الآن، بل أنه يحاول أن يقنعها بأن الأردنيين والفلسطينيين سواء، بلدهم واحد، ومصيرهم واحد، وليس لأي طرف خيار في ذلك.
إذن لا تخلو “ظلال متحركة” من الأجواء السياسية التي تُلقي بظلالها المتحركة على سير الأحداث وتقدم الزمان، وتشكيل الشخصية داخل العمل الروائي.
كما لا تخلو الرواية من محاولات اللعب بالزمن عن طريق الاستدعاء والتذكر أو الفلاش باك، ثم العودة إلى الزمن الحاضر أثناء ركوب الطائرة باستخدام تقنية القطع والمونتاج، وأحيانا تتداخل الأزمنة في مثل قولها:
“صرنا ننعم بالنوم حتى موعد صحو زكي، وأمسينا نحلق مع رغباتنا وحاجاتنا الجسدية أنّى شئنا وفي أي وقت، وأصبحنا أحرارا نستحم أي وقت للطهارة أو للنظافة، عرق يسح تحت إبطي وبين ثديي، يغمرني الكسل من التحليق، فأعود لإسناد رأسي على ظهر كرسي الراكب الذي أمامي ..”.
و”التحليق” هنا يحتمل معنيين أو دلالتين، التحليق الأنثوي أثناء عملية الممارسة الجنسية التي تستعيدها فهيمة في تلك اللحظات، والتحليق في الجو أثناء رحلة الطائرة، وربما تقصد في هذا التداخل الدلالتين معا، لنكون أمام إحدى جماليات الخطاب الروائي.
لذا نؤكد أننا نجد أزمنة متداخلة وظلالا متحركة ومحلّقة، فظلال زوجها زكي تتراءى لها وهي في زمنها الحاضر أثناء الرحلة الجوية، فيبزغ زمن قديم ترى فيه صورا وذكريات عصية على النسيان.
تلك العجوز الشمطاء صاحبة الثمانين عاما (والتي تحب أغاني عبدالحليم حافظ وفريد الأطرش، وتتذكر الفيلم العربي الجرئ “أبي فوق الشجرة” وأوجدت لها عملا في ولاية تكساس الأمريكية)، تلتذ كثيرا باستدعاء أزمنة التعالق الجنسي مع زوجها زكي، بل تستدعي أيضا من مخزون الذاكرة الشاب عزيز ذا الوجه الأحمر والتي تعترف في أكثر من استدعاء بحبها له، ولأنه أحمر الوجه فقد كانت تصفه بأنه يستحمرُ معها ولا يقدر مشاعرها رغم تردده كثيرا على بيت العائلة في فترة صباها، لكنه لم يبح لها ولم تبح له بهذا الحب الذي يبدو أنه كان من طرف واحد.
وكما تلاعب الروائي بالأزمنة فإنه تلاعب أيضا بالضمائر، وخاصة ضميري المتكلم والغائب، تقول فهيمة على سبيل المثال (ص 45): غياب زوجي عاما كاملا في السعودية جعلني ازداد نضجا ممزوجا باضطراب وشك وتشويش (الضمير هنا هو ضمير المتكلم) ثم في السطر التالي مباشرة نجد: “أينا المظلوم يا ترى؟ أهو زكي أم فهيمة؟ حينما حضر زكي المحجوب لزيارة أهل فهيمة في المرة الأولى .. الخ (هنا يصعد ضمير الغائب).
وبتوالي تلك التقنية في اللعب بالضمائر اكتشفتُ أن فهيمة نفسها هي التي تلعب بالضمائر لتعظيم نفسها أو لإضفاء نوع من الأهمية، أو فلنقل إنها على درجة عالية من النرجسية وأنها مفتونة بنفسها، وتتغنى كثيرا بشعرِها الأحمر؛ فهي تقول على سبيل المثال (ص 68): أحب نفسي أولا. وتقول (ص 46): “لاحظتْ فهيمة علامات انشراح على أسارير زكي، وأحستْ هي بشيء عجيب يسري في كيانها، وبأن أمرا خارقا حصل حتى قبل انفضاض اللقاء” وبعد انقضاء هذه الجملة تقول: “اليوم اكتشفتُ متأخرةً أنني لم أتقن التعامل مع الرجل”. وعلى الرغم من ذلك يصفها زوجها زكي بقوله: “يا سيدة الفهم” ربما من قبيل المدح أو الغزل، أو ربما من قبيل السخرية والاستهزاء.
هذ التداخل في الضمائر على لسان متكلم واحد يكشف جوانب معينة في شخصية هذا المتكلم. وقد استطاع الكاتب نازك ضمرة رسم الملامح النفسية للشخصية من خلال تلك الضمائر ومن خلال هذا التناقض في حديثها.
غير أن هذا التداخل أو اللعب بالضمائر يوقعنا أحيانا في حيرة، وخاصة عندما يكون الخطأ مطبعيا، وعلى سبيل المثال نقرأ قول فهيمة في (ص 105): “ذاهب إلى عمان للاستراحة والاستجمام” مع أن الضمير المتكلم قبلها مباشرة كان ضمير المتكلم المؤنث، وعلى ذلك كان من المفترض أن تكون الجملة: “ذاهبة إلى عمان”. أيضا في ص 102 نقرأ قول فهيمة: “ليت ابنتي تلغي موعد حضورها حتى أبادر أنا نفسي بالخروج من البيت (هاربا) لزيارتها أو لأحد الأسواق الكبيرة” وأعتقد أن الجملة الصحيحة: الخروج من البيت هاربةً.
وعلى طول حديث فهيمة عن نفسها وأحوالها واستدعاء الجوانب الجميلة والتعيسة في حياتها وعلاقاتها الأسرية نرى أن الجانب الجنسي هو الذي يعلو على بقية الجوانب. امرأة في الثمانين من عمرها لا تزال تحن للمسة وهمسة ومداعبة وحضن دافئ ورائحة العطر الذي يجذب رجلها إليها، فيا لها من امرأة وفية تعشق الحياة. وعندما تتمادى في أسئلة الجنس والحديث عن غشاء البكارة تقول في حالة من الوعي الكامل بتقاليد وعادات بلادها (ص 60): “أعرف أنها أسئلة محرمة، إنها على رأس المسكوت عنه”.
لا تخلو أيضا “ظلال متحركة” من الجانب المعلوماتي حيث يقدم لنا الكاتب في الفصل السابع – على سبيل المثال – معلومات تاريخية وجغرافية وديموجرافية عن تهجير الفلسطينيين من ديارهم وعلى تشجيع السلطات الأردنية لهم على الإقامة شرق نهر الأردن، وعن لب المشكلة القائمة حتى الآن بين الأردنيين الأصلاء والفلسطينيين المهجرين، وعدم تقبل البعض لهذا الأمر، بما فيهم فهيمة نفسها التي كانت تتعالى بعض الشيء على زوجها وأهله، كونه فلسطينيا (تطلق عليه: ذلك الإنسان الريفي الفلسطيني) رغم أنه من نفس القبيلة التي تنتمي إليها أسرة زوجته، ولكنه يستطيع أن يكبح جماحها في الكثير من الأحوال بحكمته وثقافته الموسوعية، وحسن إدارته لشئونها النفسية.
ومن خلال تجوالنا داخل الرواية أستطيع أن أقول إن فهيمة تستدعي بكثافة الذكريات الأبعد أو الأقرب إلى الطفولة والشباب، أما الذكريات القريبة زمنيا فلا تذكرها كثيرا، وعلى سبيل المثال هي لم تتحدث كثيرا عن أولادها وأحفادها أو عن عملها طول السنوات العشر الأخيرة في إحدى المحلات الاستهلاكية الكبرى في ولاية تكساس. مجرد إشارات سريعة فقط، تخبرنا فيها أنها حصلت على مجمع إجازات من عملها للسفر إلى عمان ولقائها مع زوجها زكي، وتفاجئنا بأنه تزوج من أخرى، رغم طول العشرة معا.
هل خبر زواج زكي من أخرى، هو الذي حرك في فهيمة كل هذا الازدحام والكثافة الماضوية، فتدفق بحر الذكريات الهادر على شاشات وعيها، أم أنها أصيبت – وهي في الثمانين – بمرض الزهايمر أو فقدان الذاكرة التدريحي، وهو مرض يجعل صاحبه يتذكر بقوة المراحل الزمنية القديمة المؤثرة في حياته، في حين قد لا يذكر شيئا من المراحل الزمنية قريبة العهد.
وعلى ذلك تصعد ذكرياتها مع أخيها شريف الذي كان يرفض الزواج مادامت هي تقوم بخدمته بعد وفاة والدتهما، وكانت هي ترتاح لذلك ولا تفكر في الزواج أيضا، كما تصعد بقوة ذكريات الخرج والرياض في الستينيات والسبعينيات وتقفز بشدة على شاشة وعي فهيمة فنقرأ عنها الكثير من التفاصيل والمنمنمات، ومنها ما حدث لزوجها قبل غروب يوم ما في عام 1972 في سوق البطحاء في الرياض، وما تلقاه من ضرب ولَكْم ظنا من بعض المطاوعة أنه تحرش بامرأة صاحت في وجه رجل آخر تحرش بها وهرب، فلم يستبن هؤلاء المطاوعة الأمر ووجدوا زكي أمامهم فظنوا أنه المتحرِّش فأوسعوه ضربا ولكما، بينما المرأة اختفت ولم تدافع عن زكي، وأحداث أخرى في شارع الوزير أو شارع الخزان أو شارع المطار والديرة ومنفوحة والشميسي بالرياض. ومناظر أخرى في الخرج لا تنساها أبدا مثل منظر الحمار مع الحمارة وقول جارتها السعودية لها: ما تشوفين المهباش الأسود؟ طويل طويل داخل خارج، يا ويلي هل شفت مثل ذا من قبل”، ويتواصل الحوار مع جارتها السعودية التي تقول: زين أن الرجل ما عنده مهباش مثل ذاك الجحش. وهو ما يؤكد على الجانب الأيروتيكي بالرواية، أو على الجانب الشبقي لدى شخصية فهيمة.
مثل هذه الوقائع البعيدة التي تتذكرها فهيمة بقوة بعد مرور عقود عليها بما فيها أسماء الشخصيات أو الشوارع والمناطق والشركات في عمان ورام الله وغيرهما، يؤكد ما ذهبنا إليه من تعويضات نفسية، بينما لا تحدثنا بمثل هذه الكيفية الحميمية عن أحفادها وأبنائها والأماكن التي عملت بها مؤخرا على سبيل المثال.
ويتضح لنا جليا أن زوجها زكي هو الحمولة الأساسية في وعي تلك المرأة الثمانينية، تقول (ص 171): “في الطائرة يشاركني زكي الحياة والأنفاس” وعندها تتغير اللغة الوصفية والسردية العادية، وتتحول إلى لغة شاعرية، تتذكر قول زكي “دعينا نتكلم عن جمال الليل وهدوئه يا فهيمة، عن أحلام الأسحار والسكينة، وعن أحلام الأطفال وتماوج الأشجار، تحملنا أنسام العشق والرغبات معها ونحملها .. الخ ص 171.
وهكذا تتبدل اللغة تبعا للموقف الذي يقفز إلى ذهن فهيمة ووعيها، محاولة إشراك القارئ في جملة أحاسيسها ومشاعرها وعالمها الإنساني الجميل المرهف والمرهق معا، ولأننا في مقام التداعي الحر للذكريات فسوف لا نرى خطا واحدا تسير فيه تلك الذكريات والأحداث، لا نرى تلك النمطية أو الخطية في السرد بحيث تسلمنا نقطة إلى أخرى في تتابع سردي خطي منتظم أو منظم، وليس معنى هذا أن هناك فوضى في السرد، وإنما كما قلنا من قبل إنها شذرات من هنا وهناك، ولكن ما يوحد تلك الشذرات ويجعلها منسجمة وحميمية مع بعضها البعض هو عالم فهيمة التي أصبحت أقرب إلينا كشخصية روائية جميلة عصية على النسيان لم تُحرم من أي شيء أرادته في حياتها إلا في أمرين وحيدين هما عدم تذوق طعم شراب الكحول، وتجربة الجنس المحرَّم، فهي في النهاية فهيمة العليمة التي تفهم ما يلزمها وما يعنيها، ولا تزال تحمل في جعبتها أسلحة كثيرة رغم سنها الثمانيني.

(ميدل ايست اونلاين)

شاهد أيضاً

نيرمينة الرفاعي.. في نص بلا اسم

نيرمينة الرفاعي-   خاص (الجسرة)   أنا حورية البحر الحزينة بعت ذيلي مقابل أقدام لم …