الرئيسية / متابعات ثقافية و فنية / العودة إلى الريف عبر «باب الدنيا»

العودة إلى الريف عبر «باب الدنيا»

عمار علي حسن

لا شكّ في أنّ ملامح الريف المصري في تغيّر مستمرّ حتى صار أقرب إلى كيانات حضرية مشوهة، فلا هو بالمدينة المكتملة المبنى والمعنى ولا هو بالريف في سماته وقسماته. قبل عقود كان هناك من بين الساردين المصريين من يهتمّ برصد الحياة الريفية مثل عبدالرحمن الشرقاوي في «الأرض»، ويوسف إدريس في معظم أعماله الروائية والقصصية، ومن ثم يوسف القعيد وعبدالحكيم قاسم ومحمد البساطي وسعيد الكفراوي ويوسف أبورية. أما اليوم، فإن محمد إبراهيم طه يكتب نصاً عميقاً وحميمياً عن الريف، وهذا ما تجلّى في روايته الأخيرة «باب الدنيا» (دار النسيم).
لقد حضر الريف بقوة في هذه الرواية من خلال ما يصيغه كاتبها من خلال شبكات من التفاعل الإنساني المتواصل، وتاريخ اجتماعي في إطار الأسرة والعائلة الممتدة والوحدة الاجتماعية المتمثلة في القرية كلها. فاللغة انحازت إلى الشفاهي والمحكي في ترتيب الحوار وتدبيره، وإلى الكتابي المصنوع بعناية حين يبدأ الراوي في الحكي، وهو يصف الأماكن والبشر والمشاعر، ويسترجع ما جرى حين يكون الحنين إلى الماضي لازماً، ويتنبأ بالمستقبل من خلال نفوس تتوق إلى اكتشاف ما يأتي.
ويمضي هذا الحكي وفق بنية دائرية، هي في الحقيقة أقرب إلى ثلاث دوائر متداخلة توزعت على ثلاثة أقسام أخذت عناوين دالة هي: «حدود شفافة»، و «ظل البونسيانا»، و «طائران في عش».
لقد بنت الرواية أنماطاً من العلاقات الحميمة، لاسيما بين بطليها، وهما أخوان فرَّقت بينهما القابلة، إذ ولدتهما أم واحدة، لكنهما سُجّلا في الأوراق الرسمية باسمي رجلين مختلفين، وصارت لهما والدتان أيضاً، هما أختان، واحدة ولود والأخرى عاقر. ظلّت هذه الصلة البيولوجية والروحية والشعور الجارف بـ «المصير المشترك» تصبغ هذه العلاقة في صعودها المتواصل مع الزمن لتبلغ ذروتها حين يموت أحدهما، «فتح الله الشحات»، فيشعر الثاني «إبراهيم جبر» أـن حياته توقفت وهو يجلس وحيداً أمام قبر أخيه. ويبدأ في استرجاع ما بينهما من روابط نفسية ومواقف إنسانية وعلاقات مادية، وقبل هذا ما ترتبه الواجبات والالتزامات بين ذوي القربي، أو المنتمين إلى أسرة صغيرة. وكانت هذه الروابط دفينة إلى درجة أن الأخير لم يتحمل رحيل الأول فسقط في غيبوبة، اتخذ منها نقطة بداية حكايته التي تصنع هذه الرواية، حيث يقول: «كشخص جديد يرى العالم للمرة الأولى، لم أعرف من أين أتيت، ولا إلى أين أتجه؟».
ومن هذين البطلين، بما يقولانه ويفعلانه ويريدانه، تتوالد الحكايات المربوطة بشخصيات أخرى، بعضها يكاد يتكرر في حياة الريفيين، وأخرى تجيء مع انتقال إبراهيم جبر إلى المدينة، مثل زميلة كلية الطب التي ارتبط بها عاطفياً وتزوجها، ويعول عليها أن تعوضه نفسياً عن رحيل أخيه، وأطباء المستشفى الذي عولج فيه فتح الله بعدما أصيب بسرطان البنكرياس. ومن ثم الانتقال إلى أماكن أخرى، لنجد ناظر المدرسة التي يعمل فيها، وشيخ القبيلة الذي وفَّر له الحماية بعد أن فرَّ إلى الصحراء مِن ديون تراكمت عليه إثر انخراطه في أعمال مقاولات كانت تستهويه، ليتمكن من أن يكون مهندساً حقيقياً، بعدما أجبره أبوه على الالتحاق بمدرسة المعلمين.
وإذا كان فتح الله قدمه النص على أنه ذكي متصوف فيلسوف مغامر طموح، فإنّ ابراهيم جاء حذراً، قانعاً، مضحياً، جلداً ذا عاطفة جياشة، وهو طبيب تزوج من امرأة مضطربة نفسياً، تدعى أنوار، لا تقدر على رعاية طفلتيهما، سالي وسوسن، فيجد نفسه مضطراً إلى أن يكون أماً وأباً لهما. وعلى رغم هذا، لا يريد أن يتخلى عنها مع سعيه إلى ارتباط بأخرى، علياء، آملاً بأن تعوضه عما فقده من أخ وصاحب وحبيبة وزوجة.
وحين يقول فتح الله: «في ظل البونسيانا ترى الأمور المبعثرة مترابطة، والمعقدة بسيطة»، فكأنه يصف هذه الرواية في لغتها ومسارها وبنيتها. فالحكايات فيها مبعثرة بفعل التداعي الحرّ، الذي يذهب إلى الماضي ويأتي منه لينغمس في الحاضر وينهمك في تفاصيله من دون إفراط. ولكن يظل هناك رابط قوي بين هذا المتناثر، يصنعه الراوي الممسك بأطراف الحكاية، والمتحكم فيها إلى حد بعيد، والمكان المركزي، والشخصيات القروية النمطية، لاسيما الولد الشقي الذي يمثله «العَو»، والجدة «شوق» التي تعوّض نقص معرفة ابنها باستعراض ما ورثه من بيت فخيم وأرض ومصنع، ومَن يقومون بتغسيل الموتى وتكفينهم وقراءة الأدعية على قبورهم بعد دفنهم ويمثلهم «جمعة أبو الجود»، والشاب الذي يكافح من أجل كسب قوته ويبني نفسه تدريجاً ويمثله «السعيد بن مكة»، وأشكال عدة من علاقة الآباء بالأبناء، وأهل القرية بعضهم ببعض.
هذه الشخصيات تبدو مألوفة في الروايات التي يكون الريف مكانها وموضوعها، لاسيما أن الظروف الاجتماعية والاقتصادية للقرى المصرية متشابهة إن لم تكن متطابقة. أو أن القرية كوحدة اجتماعية يمكن أن نلمس فيها عن كثب هذه النماذج البشرية، ويستطيع أي كاتب عايَشها أن يعرف عنها الكثير، بما يمكّنه من أن يكتب حكاياتها منفصلة في قصص قصيرة، أو يوظفها في مسار سردي أطول وأعرض تصنعه رواية كالتي نحن بصددها.
أما عن «التعقيد البسيط»، فتجسده هذه الرواية بوضوح، إذ هي على رغم صغر حجمها (154 صفحة) وضيق موضوعها، أو الفكرة المركزية التي تنسج على ضفافها خيوطها الفنية وتصورها الجمالي، فإن الكاتب تمكَّن، عبر الغوص في نفوس الشخصيات، واستدعاء الماضي القريب، ووصف الأمكنة بعناية، والبوح المتواصل الذي يأخذ أحياناً صورة الشكاية وأحياناً يبدو وكأنه نوع من الرثاء، مِن أن يمد الحكاية على اتساعها ليصنع رواية لافتة، سواء من حيث لغتها العذبة أو عمقها الإنساني أو قدرتها على جذب من يقرأها، ليس عبر حكاية مسلية إنما من خلال الحفر في الوجدان والتعويل عليه.

(الحياة)

شاهد أيضاً

الجيدة رئيسا لمجلس إدارة نادي الجسرة لدورة جديدة

خاص- الجسرة   تم عقد الجمعية العمومية العادية لنادي الجسرة الثقافي الاجتماعي مساء الأربعاء الماضي …