الرئيسية / متابعات ثقافية و فنية / يوتوبيا في مواجهة السوداوية في «تغريبة الناي» لصالح لبريني

يوتوبيا في مواجهة السوداوية في «تغريبة الناي» لصالح لبريني

محمد العرابي

في ديوان «تغريبة الناي» (2017) للشاعر صالح لبريني، في منتصفه بقليل، عندما توشك صرخاتُ الألم، في عالم يصطخب بالمرارة والبؤس والحرمان، أن تسبب للشاعر غصة وترديه قتيلا، بدون أن نجد علة أو مبررا كافيين لكل هذه السوداوية المسترسلة عبر تجاويف النص وكثافته، وطياته التي لا تنفك تزيده قتامة وتضاعف من شعور اليأس المطبق، ينتصب نص قصير يضع الإصبع على الجرح ويفسر أصل المأساة التي لم تدَّخر شاعرنا وتجنبه حتمياتها العدمية، راسمة بظلالها قدرَه ورؤيته الرمادية للشيء، كل شيء مقذوف خارجا عنه. إنها قصة اليُتم: «سأكون كما أنا/ صبيا قادما من جهة اليتم»، التي تُغذِّي شعوره بالانفصال وكذلك بالعزلة والهجر الدائمين، والتي لا يملك حيالها سوى أن يجتر معه حبلَها السُّريَّ المقطوع أينما حلَّ وارتحل. ليس بمقدور شيء أن يجسُر هذه الهوَّة الوجودية، لا مناديل الحبيبة ولا باخوسية الجسد وكلبيته. هذا النصُّ المفصليُّ يعنونه الشاعر صالح لبريني بـ»أبي». الأب الذي نعرف من عتبة الديوان، من الإهداء، أنه غادر باكرا، ولم يترك وراءه غير الصمت وغير الحفيف الذي مازال صداه يتردد في وجدان الطفل اللابث على حاله، مدمنا مطاردة الفراشات: «أبي/ هناك يطرِّز المقبرة بصمت الخطوات/ الخطواتِ التي مازلتُ أطاردها/ كما كنت أطارد الفراشات».
الأب هناك في رحم الأرض، يسكن العالم الآخر، لكنه في الآن نفسه مازال كما كان يذرع الأمكنة ويملأ بوقع خطاه فراغات الزمن وانقطاعات الحياة، وهذا في وعي الطفل وحده الذي لم يغادر طفولته، ولن يغادرها بكل تأكيد لأنها الوحيدة التي يمتلكها على وجه الحقيقة. الأب يسافر سفره البعيد، لا يترك وراءه سوى فلذةٍ منه تتفتت، وإيقاعٍ يجاور الفراغ وصمت القبور، أي لا يترك سوى الأسباب التي تُفقِد الذات حصانتها التكوينية الصلبة لمجابهة عالم فظ وغير رحيم. عالمٌ يغيب، إذن، وينسحب بدون مقدمات ولا تلويحة يد، وعالم آخر يحضر بغيابه من خلال الأثر، من خلال الوقع وترجيع الصدى. وهو بذلك يسفر عن جدلية الحضور والغياب التي تجدل و»تطرِّز» كل مفاصل نص صالح لبريني، وتشدُّ لحمته في وجه التشظي الذي ينطق به واقع الحال.
إن القراءة المستكنهة لنص صالح لبريني من منطلق الحضور والغياب تعضِّد رؤيتنا التي نختبر إجرائيتها على عدد من نصوص الشعر المغربي، التي يمكن سحبها على كثير مما يكتب من شعر عربي، والتي دعوناها في مناسبة سابقة باليوتوبيا. وهذه الرؤية نكتفي بالإلماع إليها ههنا بكونها نشدانا لِـ، وليس هروبا إلى، عالم آخر مختلف ليكون ملجأ الإنسان وأرضه البديلة، أي الأرض الشعرية التي تذوِّب المتناقضات في رحمها، الأرض الرحيمة بالإنسان وبمقامه المؤقت في هذا العالم، في مسعى بسيط ومتواضع لفهم كل السوداوية والميلانخوليا التي تبسط سطوتها على النص الشعري الحديث، الذي لا تكاد تتسرب أضواءٌ كليلةٌ من بين شقوقه إلا ليعود ويغرق من جديد في ظلامية أشدّ وانطوائية أكثر استحكاما.
في هذا السياق، إذن، تأتي قراءة الحضور بالغياب، أو القراءة المؤوِّلة للنص المكتوب بالنص المنشود الغائب لسبب من الأسباب. وعلى هذا الأساس، بعد أن يتعهَّد الشاعر «وردة الكآبة/ في بساتين اليأس»، تكتمل دورة الزمن لديه وتدخل مرحلة الكمون والمطلق، يعود العالم إلى المقبرة، إلى مساكن الأبدية ليسكن جوار الأب الذي ترك بصماته وخطواته المنسية في المسالك مع حفنة أحلام وحكايات في أذني الصبيّ وذاكرته. يعود إلى المقبرة أي إلى «المكان بلا مكان» أو إلى «اللا مكان»، بتعبير ميشيل فوكو، حيث يتوقف جريان الزمن، ويتأبد العابر والوقتي ويتصل بمياه الكينونة: «لا وقت للجلبة/ الأفق يرتب مائدة المغيب/ يختار زاوية من الليل/ ويدعو خلان الأرق/ كي يقاسموه دنان الحكاية/ هو الخارج من ضجيج العالم/ التارك بصمات يديه على/ أقفال صدئة لأبواب مفتوحة/ على خطوات منسية في المسالك/ وأحلام منذورة للخيبة/ الداخل بيوتا تستبيح الخيال/ وتصطفي التيه». الخارج، التارك، الداخل: لحظات ثلاث، عبّر عنها الشاعر بمفردات مختلفة، لكنها في العمق تعبر عن لحظة واحدة، فالخارج من ضجيج العالم معناه دخوله في غيره، والتارك بصمات يديه لا بمعنى الهجر والعقوق، وإنما بمعنى تواصل السلالة ودخوله فيها وتأبُّده في ما قدره المحو. إنها لحظة انقلاب وجودي بامتياز تذكِّر بلحظة الانقلاب المذهلة عند الشاعر رامبو في «بعد الطوفان»، لحظة اصطفاق الباب المنبئة بانتهاء الحالة الاستثنائية والخروج بالتالي منها والعودة إلى الزمن الخطي في جريانه وتدفقه المألوف. مع فارق بسيط: إن لحظة صالح لبريني هي لحظة دخول ومعانقة للرحم المولد للدلالة: الأب، لكن على الرغم من انسجام هذه البنية العميقة التي تشتغل على هديها شعرية صالح لبريني، فلا نعدم وجود بعض الصور التي تشوِّش على هذا المنحى التأويلي والتي لا نستطيع ببساطة أن نتجاهلها في سبيل انسجام زائف. لذلك فهي تحتاج لكثير من الحفر على مستوى اللاوعي لكي تتَّسق وتحوز صلادة وتماسك النسق. فالبنية السطحية تظل تحمل لنا الكثير من خيبات الانتظار والمفاجآت حينما ترسم صراحة هذا الوجه الآخر الذي يقدمه لنا الشاعر عن أبيه، والذي نستشف منه أن تلك الصور المنيعة التي كان يفترض فيها أن تحمي الصبي وتشكل درعا واقيا له في وجه طعنات الحياة، كلها تتهاوى الآن وتقدم هذا الأب بأسلوب النفي والسلب، متبرِّئة منه: «أبي/ لا شأن لي بك/ الساقية الممتدة في ذاكرة الطفولة/ مات مجراها». كما أن الشعور الذي يترسَّب في وعي الشاعر يرجِّح عدم تقدير الأب لابنه وعدم رضاه عنه، وهو الجاثم هناك، من خلال أقسى ما يمكن أن تُرمى به الذرية وهو السخرية: «أبي/ وأنت هناك/ أراك تسخَر مني/ من طفل تركته يراهن على/ شموس خائبة».
يصل التوتر مداه حينما يقطع الشاعر كل خيوط وألياف الجبة الحامية له والممتلئة بدفء أنفاس الأب. الأنفاس التي رأينا أنها تجسدت، في الصورة الرحمية الأولى، في صفة رجع لخطوات مقبلة من طفولة لا تزال هناك في زمنها المطلق تتعقب آثار الفراشات: «لن أكون كأبي/ جلبابُه البنيُّ الحافل بأنفاس خطواته». عقدة قتل الأب هي، إذن، ما يفسِّر هذا القلق على مستوى البنية السطحية، التي قضت على أوديب لكي يكون نفسه عليه، أولا، أن يقترف هذه الجريمة في حق السلالة: «سأكون كما أريد/… شاعرا يربي طفولة الآتي»، أي أن يصبح أبا يربي كلماته ولا يتخلى عنها أبدا كما فعل أبوه به، وإن كان بوعي منه أو بدونه سيغدو موضوع القتل التالي هذه المرة بطعنة قريب، أو بنيران صديقة، كما أصبح يعرف في القاموس الحربي.

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

الجيدة رئيسا لمجلس إدارة نادي الجسرة لدورة جديدة

خاص- الجسرة   تم عقد الجمعية العمومية العادية لنادي الجسرة الثقافي الاجتماعي مساء الأربعاء الماضي …