الرئيسية / . / هناك ليلة ثانية مجهولة بعد ألف ليلة وليلة

هناك ليلة ثانية مجهولة بعد ألف ليلة وليلة

محمد ناصر المولهي

لم يكن الفنان المسرحي شكري علية ينوي مغادرة تونس، لكن عطشه للتعرف على الفنون هو ما دفعه إلى المغادرة نحو فرنسا بداية التسعينات بقصد دراسة المسرح.

يقول علية “اكتشفت المسرح في قفصة، لم أكن أعرف المسرح مطلقا، إلى أن اقترح علي صديق هاو للمسرح المشاركة معه في أحد الأعمال التي يقدمها الطلبة، وعندها بدأت أولى اكتشافاتي للمسرح، الطريف أن هذا الصديق الذي أدخلني عالم المسرح انقطع عن هذه الهواية، فيما أنا واصلت درب الاحتراف. بدأت في قفصة أؤدي أعمالا مع مسرح الجنوب حيث تتالت مشاركتي في الأعمال التي قدمها وأشهرها مسرحية ‘عمار بالزور‘ و‘السوق‘ و’صاحب الكلام’ و’أبو القاسم الشابي”’.

لكن في تونس رغم تعدد الأعمال لم يكن هناك تكوين خاص بالتمثيل، لذا التجأ علية إلى السفر نحو فرنسا لدراسة المسرح أكثر، حيث درس بداية، كما يقول، في المعهد الوطني للمسرح في رين الفرنسية، ومنها انتقل للدراسة بالمعهد العالمي للمسرح جاك لوكوك، هناك اكتشف أنواعا جديدة من المسرح وانفتح أكثر على عوالم مسرحية لم يكن له عهد بها، إضافة إلى أن المعهد كان يضم دارسين من 35 جنسية، وهذا ما وفر له تكوينا منفتحا على مختلف المجالات، حيث اللغات المتعددة، والمنهج التطبيقي الذي يكسر من خلال الجسد حاجز اللغة.

اشتغل علية بعدها كممثل ولعب في مهرجان أفينيون العالمي للمسرح بمدينة أفينيون الفرنسية، ثم عمل في عدة أعمال منها “البحر الأبيض المتوسط” الذي يحكي عن الاستعمار الفرنسي لشمال أفريقيا.

 

مسرح “حركة”

يقول شكري علية “الخطوة الأبرز في مسيرتي كانت تكوين فرقة ‘حركة’ بباريس والتي قدمت من خلالها أول عمل لي بعنوان ‘الساعة التي لا نعرف فيها شيئا أحدنا عن الآخر’ وهي عمل مقتبس عن الكاتب بيتر هندكه. بعدها تتالت الأعمال التي أخرجتها وقدمتها في فرنسا وفي بعض البلدان العربية كالمغرب، منها مسرحية ‘الحروب الصليبية’ نص الكاتب الفرنسي ميشال أزاما وهو عمل مستوحى من حرب لبنان، وقدمت أيضا أوبيرات في إطار مسرح غنائي، ثم عملا آخر بعنوان ‘عنبر في بلاد الجن’ وهو للأطفال والكبار على حد سواء”.

تنوعت تجارب شكري علية لكن بقي هاجسه التواجد بين ثقافتين، ثقافة الفنان القادم من جنوب تونس وثقافة الفنان المتكون في أكبر مسارح فرنسا، من هنا ولدت فكرة تجربته المسرحية الأخيرة، التي لا تزال قيد الإنجاز بالاشتراك بين مركز الفنون الدرامية والركحية بقفصة ومسرح “حركة” بفرنسا.

العمل المسرحي الأخير لشكري علية بعنوان “الليلة الثانية بعد الألف”، وهو وليد أفكار بقيت تختمر في ذهن الفنان لسنوات طويلة منذ هجرته إلى أوروبا، وكانت الأحداث المتتالية التي انعكست على العالم العربي قادحا لها، حيث منذ أحداث 11 سبتمبر بأميركا وبعد تتالي الأحداث الإرهابية بمختلف مناطق العالم، تضررت صورة الإنسان العربي ووقع تشويه تاريخ العرب وحضارتهم بشكل كبير، ينكر كل ما لها ويستحضر كل ما عليها، هذا ما جعل علية يتساءل: هل حقا هذه الحضارة التي عشتها؟ كيف كنا؟ كيف أصبحنا؟

وكثيرة هي الأسئلة التي تحاول استكشاف حال العرب اليوم، لذا كانت “الليلة الثانية بعد الألف” تساؤلات تقودها شخصية شهرزاد التي لا تحضر بشكل كبير بل تمثل فقط الخيط الرابط للحكاية. كما تحضر في المسرحية شخصية شهريار الذي يرمز إلى الحكام العرب، وواقع الانهيار الذي تعيشه الأنظمة والدول العربية بسبب الجهل والتسلط.

يقدم علية في مسرحيته قراءته الخاصة للتاريخ العربي، بعين معاصرة، تحاول أن تمسك بأسباب الهوان والتراجع، والتقوقع التي طرأت عند الكثيرين، ما خلق منهم جماعات متعصبة، لا تنتج سوى العنف، فرأي علية أننا “عندما فتحنا الكتاب تطورنا وعندما أغلقناه جهلنا”.

يعتمد شكري علية على أسلوب مدرسة لوكوك في تأدية عمله المسرحي، من خلال التفاعل بين المخرج والممثلين، فكل مكونات العرض تتطور على الركح وتنمو فيه، فلا شيء ثابتا مسبقا لا النص ولا الكوريغراف ولا التصور الإخراجي، هذا كله بمسحة من الرقص، الذي يرى الفنان أنه يعطي شاعرية كبرى للمسرحية، شأنه شأن اللغة، وسيقدم المخرج عمله في تزاوج بين العربية والفرنسية.

 

ليس دروسا

“الليلة الثانية بعد الألف” مشروع مسرحي تطلب سنوات ليختمر في ذهن شكري علية، إذ يمثل رؤيته الشخصية وإحساسه الخاص، وهو ما يتطلب في رأيه بحثا كبيرا، وأن يقود هو كتابة النص الذي يمثل رؤاه، حيث اللغة في رأيه للجميع وهي جسر قبل أن تكون حدّا.

يطرح علية الكثير من القضايا في عمله الأخير، مثل الهوية، التي يبحث عنها الجميع اليوم سواء في تونس أو في العالم العربي أو حتى في أوروبا، إذ بات البحث عن الهوية هاجس الإنسان اليوم في عالم أشبه بقرية، كما يقول ضيفنا.

ويلفت علية إلى أن عمله الأخير “الليلة الثانية بعد الألف” سيقدم في فرنسا خلال شهر فبراير 2018، ولكنه يطمح إلى تقديمه في تونس قبل ذلك في أيام قرطاج المسرحية.

عن الفن في واقع تونسي اكتسب حرية التعبير، يرى شكري علية أنه على الفنان اليوم أن يحاول تقديم أعمال محترمة جماليا وفكريا، وهذا ما نجح فيه كما يقول عدد من المخرجين الشباب، إضافة إلى أعمال سفير المسرح التونسي الفاضل الجعايبي مثل “العنف”، أو عمل أخير شاهده بعنوان “الشقف” لسيرين قنون، ويقر علية أنه غير متابع بشكل جيد للساحة المسرحية التونسية بحكم إقامته بفرنسا، لكنه لا ينفي بعض المشاكل التي يعانيها المسرح التونسي مثل ميل البعض إلى تقديم أعمال تجارية، وهو حقهم كما يقول، ويبقى منوطا بالفنان الحقيقي تقديم أعمال محترمة وغير تجارية، إذ الفن في اعتقاده رؤية كاملة، والمسرحي يجب أن تكون عنده رؤية وأخلاق.

يوافق علية على رأي الفاضل الجعايبي بأن التلفزة أضرت بالمسرح، ولكنه يرى أيضا أن المهرجانات ساهمت في إلحاق ضرر كبير بالمسرح التونسي، إذ يقوم عليها أناس يميلون إلى عرض ماهو تجاري وتجاهل الفني، إضافة إلى فقدان الكثير من المهرجانات لخصوصياتها حد أن بعضها تخلى عن تقديم الأعمال المسرحية.

يرى علية أن حرية التعبير مكسب هام جدا للتونسيين اليوم وللفنان التونسي على وجه الخصوص، لكن حرية التعبير في رأيه لا يجب أن تتحول إلى فوضى، حيث حدثت الكثير من اللخبطة في عدد من الأعمال التي فقدت قيمها الجمالية والفكرية متحججة بحرية التعبير، فيما حرية التعبير تبدأ من احترام الآخر لا احتقاره. هناك من يحافظ على الرقابة الذاتية، وهي أمر جيد أحيانا، وهناك من ينجرف إلى الشتيمة وتقديم أعمال لا تتجاوز الغضب.

يؤكد علية أنه منفتح على التعلم دائما من الجميع، ثم المسرح اليوم، في رأيه، لا يعطي دروسا، إذ دوره الحقيقي، كما يقول، هو إثارة التساؤلات.

(العرب)

شاهد أيضاً

على ضفة نهر بلا اسم.. ل -أمل زقطان-

-أمل زقطان-   عندما يأتي المساء. البيت يستعد لنومه، الأبواب والنوافذ، الأرواح المستنفرة والمستعدّة للخروج …