الرئيسية / حوارات / القاصة الأردنية هدى أبو غنيمة: الكتابة مغامرة غير مأمونة العواقب

القاصة الأردنية هدى أبو غنيمة: الكتابة مغامرة غير مأمونة العواقب

نضال القاسم

رغم كونها لم تصدر حتى الآن سوى خلال مسيرتها الأدبية سوى مجموعتين قصصيتين هما «معاناة عربي» و»هموم الورد»، إلا أن الكاتبة الأردنية «هدى أبو غنيمة» لها أثر واضح على المشهد الثقافي الأردني، سواء من خلال كتاباتها الإبداعية أو دراساتها التوثيقية والنقدية المتعددة. أبو غنيمة من مواليد دمشق عام 1949، حصلت على بكالوريوس اللغة العربية وآدابها من جامعة دمشق سنة 1973، شهادة الدبلوم العالي في جامعة محمد الخامس في الرباط/ المغرب سنة 1985، ثم شهادة الماجستير في الأدب الحديث في الجامعة نفسها سنة 1989، ثم حصلت على شهادة الدبلوم العالي في الدراسات التربوية العليا في جامعة عمّان العربية للدراسات العليا سنة 2006. وعن مسيرتها الطويلة مع الكتابة كان معها هذا الحوار ..

■ بداية .. ماذا عن هوية الكاتبة هدى أبو غنيمة؟
□ أردنية عربية أعتز بهويتي الحضارية الإنسانية البعد والمضمون، فالهوية ليست انكفاء على الذات ولا يحددها عرق أو دين، بل هي انتماء ثقافي وفكري قادر على التواصل والتأثير في الثقافات الأخرى بمثل ما يتأثر، ولعل في الآية 13 من سورة الحجرات ما يعزز هذا المضمون «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير».

■ وماذا عن هاجس الكتابة وطبيعة إصدار عملك الأول «معاناة عربي»؟
□ الكتابة عندي نتيجة طبيعية لأثر الأسرة والمجتمع، اللذين نشأت فيهما، فقد نشأت في وسط عائلي كان أفراده من الرواد التنويريين في بلاد الشام، وقد شكلّت تلك الأجواء الأسرية والاجتماعية أساس إطاري المعرفي، وأيقظت وعيي بقضايا أمتي. كتبت كثيراً قبل «معاناة عربي» وأنا طالبة ولم أنشر، كتبت الشعر ثم مجموعة قصصية في المرحلة الإعدادية ضاعت في متاهات الحياة، لكن «معاناة عربي» النوفيلا أو شبه الرواية هي التجربة الأولى التي نشرتها عام 1958 وكانت ترجيعاً بعيداً لتداعيات كارثة 1967 على الصعيدين العام والخاص.

■ مَن هم الكُتاب الذين تأثرت بهم عندما بدأت مغامرة الكتابة؟
□ كانت مكتبة والدي عامرة بمصادر التراث العربي ومراجعه، بالإضافة إلى مجلدات «الرسالة والمقتطف والمختار والهلال»، وإنتاج كبار الكتاب في تلك الفترة أوائل الستينيات أمثال طه حسين والعقاد وبنت الشاطىء وسهير القلماوي ونجيب محفوظ، وقد أعجبت بقصص سلمى لاغرلوف الكاتبة السويدية التي حصلت على جائزة نوبل، بالإضافة إلى الثقافة الشفوية التي استقرت في لاوعيي، قبل أن أتقن القراءة والكتابة، فقد كان بيتنا ملتقى لنخبة الأدباء والمثقفين والسياسيين من سوريا والأردن وفلسطين ومصر، كذلك كثيراً ما ضم مجلس والدتي السيدة فاطمة الخطيب السورية الأصل من حماه أديبات أمثال وداد سكاكيني وألفت الإدلبي وسلمى الحفار الكزبري وكوليت خوري في بعض المناسبات.

■ كقاصة وإعلامية، هل أنصفك النقد؟
أنقد نفسي قبل الآخرين، وأتردد كثيراً قبل النشر، وأعتقد أن على الكاتب/الكاتبة أن ينصف نفسه بالمطالعة المتواصلة لآداب الشرق والغرب والمعارف المختلفة، والفنون كالرسم والنحت والتصوير والمسرح والسينما وقراءة الناس والمجتمع، مبتعداً عن الغرور والسعي وراء الدعاية لعمله، وأن يسعى إلى تطوير عمله والتفاني فيه متحرراً من التفكير بالشهرة السريعة.

□ ما هي نقطة الانطلاق لديك من أجل كتابة قصة جديدة، وما هو المُحرض على الكتابة؟
الكتابة هاجس يومي وليس لها طقوس عندي، لأن القراءة والكتابة غذاء فكري يومي لكنني أحاول أن أوفق بين متطلبات الحياة اليومية، وأوقاتي الخاصة رغم التوتر والقلق. قد أجد رسائل مهمة في الحياة اليومية في أبسط الأشياء وفي هامشها، سافرت كثيراً واختزنت كثيراً من التجارب والمشاهدات، كل ما في هذا الكون يرسل رسائل لها أهمية عندي، ولكن القضية الرئيسة هو تطلعي إلى نهضة حضارية أخرى نعود بها مؤثرين في المشهد الإنساني لا متلقين تابعين، ويبدو أنني لن أراها وإن كنت مؤمنة أنها ستأتي فعمر الحضارات لا يقاس بعمر أفراد أو أجيال.

■ هناك حالة من الوهن الذي تعيشه ثقافتنا اليوم مقارنة بمرحـــــلة الثمانينيات والتسعينيات، هل يعيش الوطن العربي حالة ذبول في الإبداع الثقافي؟
□ نعيش حالة فوضى غير خلاقة، رغم الجهود المبذولة، ففي الواقع الراهن السياسي والاقتصادي ليست الثقافة من الأولويات، رغم كثرة المتعلمين، لا يوجد مشروع ثقافي حضاري تتكاتف فيه الجهود مقابل الثقافة المركزية الأخرى، التي طرحت الثقافة والمعرفة مشروعاً سياسياً ليس نزيهاً تماماً. بينما احتوت السياسة مشروعنا الثقافي الحضاري وأعاق تقدمه غياب الديمقراطية.

■ يقال بأن الغرابة والمخالفة والخروج على المألوف في الطرح والتعبير هي التي تميز أدباً عن غيره، هل هذا صحيح من وجهة نظرك، وما هو مفهومك الخاص للحداثة بعيداً عن تنظيرات الأخرين؟
□ بعيداً عن تنظيرات الآخرين، الخروج عن المألوف في الطرح والتعبير جميل، لكنه ليس بالضرورة كل خروج حداثة. الحداثة ليست انقطاعاً معرفياً عن التواصل مع تراثنا برؤية جديدة وتطوير ما يصلح لزماننا وإدراك قيمة ما نملك والانتقال من حضارة اللفظ إلى حضارة الأداء. الحداثة هي القدرة على المشاركة والتأثير والإضافة إلى الثقافات الأخرى بعيداً عن التقليد والتماهي معها.

■ هل تميلين في أعمالك المقبلة إلى اجتراح أشكال تجريبية؟
□ إذا اتسع العمر لأعمال مقبلة وقد بدأت بها، ولا أستطيع أن أتحدث عن التجديد، لأن لكل تجربة خصوصيتها ومناخـــــــها العــــام والخاص وقد تنجح أو لا تنجح، فالكتابة مغامرة غير مأمونة العواقب، والتجول في مجاهل الــــذات الإنسانية يأخذ الكاتب إلى عوالم لم تخطر في باله قبل أن يبدأ الكتابة. يبقى الإنسان رغم التقدم العلمي والمعرفي ذلك المجهول.

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

”خلاص الكائن البشري يقع خلف ظهره“ .. الروائي ”ماوريتسيو طيروني“ محاورًا ”أحمد لوغليمي“

* أجرى الحوار وترجمه عن الإيطالية: أحمد لوغليمي     ماوريتسيو طيروني [1967] قاص، روائي …