الرئيسية / متابعات ثقافية و فنية / «المرأة في مصر» لماهر عبد العال: العقل النسوي في مواجهة المجتمع الذكوري

«المرأة في مصر» لماهر عبد العال: العقل النسوي في مواجهة المجتمع الذكوري

محمد عبد الرحيم

تاريخ طويل من نضال النساء المصريات ومحاولاتهن لتحقيق قدر من مساواة بينهن وبين الرجال، ورغم تباين الظروف الاجتماعية والسياسية إلا أن اللافت هو وجود بعض المشكلات والعوائق، التي لم يتم تجاوزها طيلة ما يزيد على القرن. حتى أن بعض مظاهر الحداثة وما بعدها التي ضربت المجتمع المصري وحاولت تغيير وجهته، لم تنل منها المرأة إلا قشورا فارغة أدت إلى ترسيخ الصورة الأسوأ، التي كانت سبباً للهجمة المتأسلمة في فرض المزيد من القيود الاجتماعية، بدون نسيان مُساندة النظام السياسي لفكر هؤلاء. فماذا يعني كون المجتمع ذكورياً بالنسبة لقضايا النساء؟ كمحاولة للإحاطة بهذا السؤال تأتي بحوث/فصول الكتاب المعنون بـ«المرأة في مصر.. العقل النسوي في مواجهة المجتمع الذكوري»، لمؤلفه ماهر عبد العال الضبع، والصادر مؤخراً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.

العقل النسوي وسمات الأسرة

يبدأ المؤلف بالتساؤل حول كيفية تشكُل العقل النسوي، ذلك الذي ينشأ من خلال الأسرة وطبيعتها ــ الأسرة العربية والمصرية ــ حيث أهم سماتها الأبوية والهرمية المرتكزة على الجنس، فالأبوية هنا تعكس دونية النساء والصغار، فالأول هو المُنتِج والمالك، حتى لو عملت المرأة أو الفتاة في الأعمال نفسها التي يقوم بها الذكور ــ العمل في موسم جني القطن مثلاً في الريف، فالمقابل المادي للذكور ضعف ما تحصل عليه الفتاة. ومن خلال السلطة المطلقة للأب داخل الأسرة يتم تشكيل عقول الأبناء، فالذكر مصدر كسب للعائلة، بخلاف الأنثى التي تظل عبئاً حتى تلتحق بعائل آخر هو الزوج. هذه النظرة يُعاد إنتاجها يومياً من خلال ممارسات الأسرة الفعلية، وبالتالي تأتي التنشئة من خلال أفكار وأعراف مُسبقة يجب السير عليها والامتثال لقوانينها، تبدو هذه التفرقة في أبسط صورها كما في ألعاب الأطفال أو «حواديت» ما قبل النوم. فالعقل النسوي هو نتاج مركب اجتماعي نفسي ثقافي، ووفقاً له تشكلت رؤى وأفكار النساء في المجتمع، مقابل الرؤى والأفكار الذكورية، وهو ما يُشكل البنى الاجتماعية ويؤدي حتماً إلى طبيعة السلطة المسيطرة في المجتمع.

تهميش المرأة

وبخلاف العامل الاقتصادي السيئ عامة، إلا أنه الأسوأ بالنسبة إلى المرأة، ولكن الأهم هنا هو المنظور الثقافي بالمعنى الواسع لوجود المرأة، فكرة النظرة الاجتماعية للمرأة ووجودها، وهي فكرة تسعى بكل طاقتها إلى تهميش هذا الوجود، من حيث السلوك الاجتماعي الجمعي تجاه المرأة، والفقيرة بوجه خاص. ويبدو أن التعليم يساهم بنصيب كبير في ترسيخ هذه النظرة، حيث يحصر المرأة في أدوار محددة، وهو ما يكوّن عند الذكور والإناث فكرة عن المكانة المتدنية للمرأة، ويتضح ذلك في النسب المتفاوتة بين أمية الإناث والذكور. وبخلاف النصوص الدستورية التي تؤكد على المساواة وتكافؤ الفرص وعدم التمييز بين الرجال والنساء، إلا أن ممارسات الواقع تناقض ذلك تماماً، وما وجود امرأة أو أكثر في حزب سياسي ــ إذا انوجد من الأساس ــ إلا تجميل للصورة ليس أكثر. الأمر الأكثر غرابة أن العديد من النساء ــ القياديات الرسميات ــ يؤمن تماماً بأدوارهن المحدودة في الحياة، ويستندن في ذلك إلى التراث الديني ومقولاته الأغرب.

الفقيرات وأمنهن المفقود

بداية من خطة الإصلاح الاقتصادي وآلياته التي فرضها صندوق النقد الدولي على مصر، في العقود الثلاثة الأخيرة، ونظراً لمخاطر هذه الإصلاحات على العديد من الفئات الاجتماعية، حاولت الدولة وقتها اختلاق مجموعة من البرامج لعلاج آثار هذه السياسات، خاصة النساء الفقيرات. لكن هذه البرامج واجهت العديد من العراقيل الإدارية والبيروقراطية، وكان النجاح فقط في الدعاية الحكومية المعهودة ــ ما زاد من تعرض الكثيرات إلى الإفقار، فلا توجد أمامهن فرص للتدريب من أجل العمل، وكذلك الأعراف الاجتماعية التي لم تسع الدولة إلى محاولة تقويمها. ورغم العديد من هذه البرامج ومسمياتها.. «بنك ناصر، معاش السادات، الضمان الاجتماعي والتأمينات الاجتماعية»، إلا أنها لم تحقق ما جاءت من أجله، خاصة أنها تتماس مع حالات تنحو من الفقر إلى الأشد فقراً مثل، الأرامل والمطلقات، زوجات المساجين، المهجورات، والمعوقات واليتيمات، وأي امرأة تتولى رعاية شؤونها وشؤون أسرتها مادياً وبمفردها، بدون استنادها إلى وجود الرجل، فكل هذه المسميات من برامج التمويل المحدودة والوهمية في أغلبها ــ من حيث وصوله بالفعل إلى مَن تستحق ــ زاد من تفاقم الأزمة، ووقوع الكثيرات في شرك النساء الأكثر فقراً، بينما زادت الفجوة عموماً ما بين مجتمع رجال الأعمال والمستثمرين نتيجة هذه السياسات، وبين أغلب فئات المجتمع المصري رجالاً ونساءً، والأخيرات أكثر معاناة بالطبع.
وإن كانت هذه الدراسة تنصب بالأساس على الفترة السابقة، إلا أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي الآن في أكثر صوره بؤساً، وما تصريحات الصحف الموالية للنظام الحاكم إلا أوهام يتم تصديرها للناس، الذين يعانون على أرض الواقع من السياسات الاقتصادية الحالية، فالرجال أصبح أكثرهم يهجر بيته ويرحل هرباً من وطأة الفقر، والبعض الآخر لا يجد سوى الانتحار سبيلا، لكن الصحف لم تزل تؤكد أن الجميع بخير فاطمئنوا.

 

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

الجيدة رئيسا لمجلس إدارة نادي الجسرة لدورة جديدة

خاص- الجسرة   تم عقد الجمعية العمومية العادية لنادي الجسرة الثقافي الاجتماعي مساء الأربعاء الماضي …