الرئيسية / مقالات / لماذا عجزت الجزائر عن الترويج لثقافتها؟

لماذا عجزت الجزائر عن الترويج لثقافتها؟

سعيد خطيبي

كل صباح، تخرج مئات الجرائد اليومية من المطابع في الجزائر. تُعلق على رفوف الأكشاك، أو تعرض على أرصفة الطرقات، القليل منها يُباع، والعدد الأكبر منها يعود من حيث أتى.
الجرائد في الجزائر لا تهمها المبيعات، بل فقط حجم الإعلانات. تصدر تلك الجرائد، في نسخ إلكترونية يتصفحها قراء، ليجدوا أنها تتشابه في ما بينها في ثلاث نقاط: التركيز على أنباء الجهة الحاكمة ونقل أخبار كرة القدم، مع تغييب صريح ومُعلن للشأن الثقافي. الموضوعات الثقافية، في الجرائد الجزائرية، لا تتعدى الصفحة الواحدة أو نصف الصفحة، ونجد أن الجرائد الأعلى سحباً، في البلد قد تخلت، في السنوات الأخيرة، عن صفحة الثقافة، لصالح صفحات التسلية أو صفحات الفتاوى الدينية. وإن حصل ونشرت مواد ثقافية، فهي في الغالب أخبار معلبة، منسوخة من وكالة الأنباء الرسمية، عن نشاطات وزارة الثقافة، أو الجهات المتصلة بها، تطغى عليها صور وزراء وهم يبتسمون أو وهم يمشون مع بعض الموظفين، فالجرائد الجزائرية هي الوحيدة – ربما – في العالم العربي التي لا تنشر مقالات نقاشية، ولا أعمدة فكرية، وتتقشف في نشر حوارات مع مثقفين، وتتجنب الخوض في النقد أو في مسائل . هي جرائد تتخذ موقفاً سلبياً تجاه الثقافة.
الجزائر لا تمتلك واجهة ثقافية، ليس لديها مجلة ثقافية واحدة، كل محاولات تأسيس مجلات، في الماضي، فشلت، ولم تتجاوز عتبة إصدار بضعة أعداد يتيمة، والسبب أنها مشاريع ارتبطت بوزارة الثقافة، هذه الأخيرة مرتبطة بأشخاص لا بسياسات، هكذا، في غياب ميديا ثقافية، انغلقت الجزائر على نفسها، وبالأحرى جعلت من «العزلة الثقافية» منهجاً وخياراً لها، اختفت ثقافة بلد كامل خلف شجرة العزلة، وفقدت بالتالي، جمهورها في الداخل، وعجزت عن إيجاد متلقين لها في الخارج. ومن الطببعي أن تلد العزلة «تخوفاً» وارتياباً من طرف الآخر، حيث صارت السلعة الثقافية المقبلة من الجزائر، مشكوكا فيها، غير مرحب بها كثيراً عند الجيران العرب، لأن بلدها الأصلي فشل في الترويج لها وفي إثارة الانتباه إليها.
إن ما يحصل في الصحافة الجزائرية، منذ قرابة العشر سنوات، هو انقلاب مكتمل الأركان. تغييب الثقافة وتعليبها، والتحايل عليها، لم يحدث سوى بعد انسحاب أو استبعاد المثقفين، فالصحافة في الجزائر، كانت منذ بداياتها، حرفة المثقفين وبيتهم، كانت الجرائد تخرج من نقاشات المثقفين، وتتوجه للنخبة ولعامة الناس، قبل أن تصير، في الوقت الحالي، مجالاً محتكراً من أشخاص وافدين عليها من قطاعي المال والسياسة، يفقهون فن الخطابة الجافة، يجهلون أحياناً القراءة ويفهمون علم حساب مداخل الإعلانات، يعرفون قواعد الاصطفاف السياسي، لكنهم جد بعيدين عن فهم الثقافة وأهميتها.
ربما المساحة لا تكفي لذكر كل الجرائد، التي كانت تصنع الرأي العام، في الجزائر، ويشرف عليها ألمع المثقفين، تحريراً وكتابة. لكن نذكر فقط بعض الأمثلة، على غرار مطبوعة «الأخبار»، التي وُلدت بداية القرن العشرين، وكانت تصدر – أسبوعياً – باللغتين: العربية والفرنسية. التي استمرت، إلى غاية أواسط الثلاثينيات، كواحدة من أهم المطبوعات، في الدفاع عن قضايا الأهالي، ضد الاحتلال الفرنسي. كان يُديرها كاتب معروف بالتزامه ضد الكولونيالية هو فيكتور باريكان (1864-1934). عُرف خصوصاً بمجموعته الشعرية «أنشودة يونيو» وكتابه النقدي «الجزائر والرسامون الاستشراقيون». وكانت تنشر في المطبوعة نفسها إيزابيل إيبرهارت، مقالاتها واستطلاعاتها عن حياة الأهالي في الصحراء، وقصصها القصيرة أيضاً، التي صدرت ـ بعد وفاتها ـ في كتاب. وكان من فريق مطبوعة «الأخبار» كاتب مهم آخر هو امحمد بن رحال، الذي كان يكتب بالعربية واشتهر، في تلك الحقبة، بمقالاته ودفاعه عن حق البنات في التعليم. كانت «الأخبار» هي الصحيفة الأكثر طباعة، في الربع الأول من القرن الماضي في الجزائر، أهميتها تكمن خصوصاً في أنها كانت تزاوج بين السياسة والثقافة، وتنشر نصوصاً لكتاب بالعربية، نذكر من الأسماء التي كانت تكتب فيها أيضاً عمر بن قدوس.
عشر سنوات بعد ظهور «الأخبار»، بدأت تتوالى المطبوعات والجرائد، في الجزائر، التي كان يتبناها مثقفون، وصدرت جريدة «الحق»، بالفرنسية أولاً ثم بطبعة عربية، كان يشرف عليها الفنان عمر راسم، الذي كان يشتغل على تحريرها وعلى نشر لوحات فنية له فيها، هكذا كانت تبدو أعداد مطبوعة «الحق» أشبه بلوحات فنية. ورغم أن جريدة «الحق» لم تعمر كثيراً، لكنها خلقت ديناميكية جديدة، في المجتمع الجزائري، وساهمت ـ قبل اختفائها ـ في ظهور جريدة أخرى تبنت الخط التحريري نفسه، اسمها «صوت الأهالي».
عقب الحرب العالمية الأولى، ظهرت جريدة «الإقدام»، التي كان يشرف عليها الأمير خالد (1875- 1936)، حفيد الأمير عبد القادر، الذي جمع حوله كتاباً وشعراء بالعربية، وركز على الطبعة العربية من الجريدة نفسها، التي وجدت قراءً لها في أوساط الأهالي، أكثر من الطبعة الفرنسية.
في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، ستظهر جريدة مهمة صوت الثورة الجزائرية، جريدة «المجاهد»، التي شكل نواتها الأولى عدد من المثقفين المهمين: فرانز فانون، رضا مالك، لمين بشيشي، عبد الله شريط، محمد الميلي، وغيرهم، وبعد الاستقلال، تواصل ظهور جرائد ومجلات، جعلت من الثقافة اهتمامها الأساسي، إلى جانب السياسة، على غرار «الثورة الإفريقية» أو «الجزائر ـ أحداث» أو «المسار المغاربي»، ثم بدأ حضور المثقفين يتراجع، عن المشهد الإعلامي، سنوات التسعينيات، نظراً لما عرفته البلاد من حرب دموية، واستهداف للكتاب والصحافيين (دفعت جريدة «الخبر» ـ آنذاك ـ الثمن، كان صحافيوها مستهدفين من الجماعات الإسلامية، لكنها لم تتخل أبداً عن خط المقاومة بالثقافة)، وحصل التحول الأخطر في الجرائد الجزائرية، مع بداية الألفية الجديدة، حيث ارتفع عدد الجرائد، بشكل لافت، وتراجع حضور الثقافة على صفحاتها في المقابل، ودخل كثير من الصحف، التي تطبع بمئات الآلاف، يومياً، خندق البروباغندا، والسير في خط الأجنحة السياسية المهيمنة، تحولت إلى ما يشبه «برافدا سوفييتية»، طفى على السطح رؤوساء تحرير جدد، تهمم أنباء السياسة، وآخر أخبار لاعبي الكرة، ولا يعرفون ماذا يجري في أوساط الثقافة، لا في البلد، ولا خارجه.
كثير من الكتاب الجـــــزائريين المهميــن خرجوا من عباءة الصحافة، واشتغلوا في الصحافة، في فترة من فترات حياتهم: محمـــــد ديب، كاتب ياسين، مراد بوربون، الطاهر وطار، الطاهر جاعوط، إلخ.. كان هذا في الماضي، لأن الجرائد الجزائرية ـ اليوم ـ تكاد تكون مهجورة من الكتاب، أو ربما يكونون قد استبعدوا أو أخرجوا منها، بطريقة أو بأخرى .
استبعاد المثقف هو النقطة الفاصلة بين مرحلتين: بين صعود الصحافة، في الجزائر، ثم سقوطها. فالجرائد الجزائرية، التي دخلت، كما ذكرنا منذ عشر سنوات، سباتاً ثقافياً معلنا (عدا بعض الاستثناءات: «ملحق الأثر» أو «كراس الثقافة»)، قد تَصدق عليها تلك العبارة الساخرة التي قالها يوماً توماس جيفرسون: «الشيء الحقيقي الوحيد في الجرائد هو الإعلانات». ومن المفارقة أن تزايد الإعلانات، وبالتالي مداخيل هذه الجرائد (جريدة «النهار الجديد» مثلاً، التي تستفيد من حصة الأسد من الإعلانات)، تزامن مع تغييب الثقافة عن صفحاتها.
إن الصحافة في الجزائر ليست «سلطة رابعة» كما يُحاول البعض إقناع القراء ـ خطأ ـ فهي ذراع من أذرع السلطة، تتحرك في دوائرها وبأوامر من مسؤولين سياسيين. لكن هذا لا يعني أن ننقص من قيمتها، لأن من الضروري وجود الصحافة واستمرارها، على الرغم مما تعرفه من مراحل صعبة، من سقوط حر في السنوات الأخيرة، مع تراجع الوعي الجمعي، وتنازلها عن جانب مهم من حرياتها، بالمقابل، لا يمكن أن ننتظر منها أن تكون سبباً في الترويج للثقافة، ولا حتى في الترويج لصورة معتدلة عن البلد، لأنها مشغولة بحسابات سياسية وأخرى تجارية، وأي جريدة تجاهر بمعارضتها ستتعرض للمنع ( كما حصل مع «الخبر» العام الماضي، وقبلها «الجزائر نيوز»)، هي جرائد تتسع لشيوخ دين، لصفحات فتاوى جاهزة، وتضيق كلما تعلق الأمر بكتاب أو كاتب أو فنان أو مفكر ما.

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

عن النصوص الزجاجية في ”مذ لم أمت“ ل ”رامي العاشق“

-نيرمينة الرفاعي-   ”الزجاج محاولة الجدار لإفشاء السر“، يقول العاشق في الصفحة 24، وبنصوص زجاجية تفشي …