الرئيسية / متابعات ثقافية و فنية / إبراهيم اليوسف: كتبت مسرحية عن فلسطين فمنعتها الرقابة واعتبرتها عن كردستان

إبراهيم اليوسف: كتبت مسرحية عن فلسطين فمنعتها الرقابة واعتبرتها عن كردستان

سامية لاوند

في الوقت الذي يرى فيه أن الشعر يحقق إنجازاته، ومواجهاته اللحظية كبيرة، يعترف الروائي والشاعر السوري ابراهيم اليوسف بأن مهمة المثقف اليوم أكبر من مهمته في الألفية الماضية، وأن ماتشهده الساحة الثقافية اليوم «لهو كبير»، إذ أن حالة الفوضى التي تعيشها بلاده والمنطقة العربية تفرض مفرداتها الخاصة على النتاج الأدبي لهذه المرحلة. وقد تجلت هذه الخصوصية في روايته الأحيرة «شارع الحرية»
ربما كان صدورها حدثا لم يدعو للانتباه لولا أنها تناولت عملية إرهابية تمت في مدينة القامشلي مستهدفة شارعا يقع فيه بيته.
فكان معه هذا الحوار ..

■ إصدار روايتك «شارع الحرية» بعد عقود من علاقتك بالشعر، ألا يعني أن الشعر قد انحسر كما يروج لذلك؟
□ لست مع التخصص في الكتابة. كتبت الشعر في طفولتي، كما أني ألفت أكثر من مسرحية وأنا في بداية المرحلة الثانوية. ألفت «استرنا الله يسترك»، و«الطبيب الأمي» وقبلها «الندامة»» و«الحق بين أشواك الموت». الأولى أخرجها فاضل بدرو، والثانية أخرجتها أنا، أما «الندامة» فظلت مشروعاً على الورق كما «استرنا الله يسترك» التي اشتغل عليها الصديق أحمد عجة قبل دراسته الإخراج، إلا أن الجهات المعنية لم توافق عليها، على الرغم من أنها كانت تتحدث عن قضية فلسطين إذ رأوها تتحدث عن كردستان». كما كتبت المقال الصحافي وما زلت مستمراً في كتابته، ناهيك عن أنني كتبت النقد منذ وقت مبكر. للشعر حالته، كما أن للسرد فضاءه. لقد تضمنت مجموعتاي «ساعة دمشق» و«أستعيد أبي» اللتان صدرتا عام 2016 ما كتبته منذ بدايات الثورة السورية 2011 وحتى عام 2014. كانت النصوص والقصائد المنشورة فيها تتناول يوميات الثورة. فيها أسماء المعتقلين والشهداء. كان فيها موقفي من الثورة الحقيقية، التي بدأت سلمية في شوارع المدن السورية، إلا أنني وجدت كما سواي أن ما يجري أكبر مما تصورت، لذلك لجأت إلى السرد. لجأت إلى الرواية، على الرغم من أنني كنت أكتب المقال السياسي، حسب إحداثيات ما يجري في البلاد. لجوئي إلى الرواية جاء لأقول أمراً آخر. ما زلت أفكر بقصيدتي، وكيف عليّ أن أطورها، ومازال ثمة من يقرأونها أكثر من قبل.
■ والشعر، ما هو واقعه الآن؟
□ استطاع الشعر أن يتناول الحدث الكبير في حياة إنساننا. ثمة قدر كبير واجهناه، وإن كنت أعترف بأن ما يجري لهو كبير. لم يعد الشاعر يواجه حالة حرب بالسيوف والرماح، ولا بالبنادق التقليدية. ثمة حرب شاملة، من مفرداتها الحداثية وما بعد الحداثية: الكيمياء، والـ«تي إن تي» والطائرات والصواريخ عابرة القارات إلخ، بما يزيل خلال ومضات أعين عمارات، وأحياء، وأحياء تمضي بهم إلى دورة المحو والزوال. من هنا كان على الشاعر، على الكاتب، على الإعلامي وعلى المثقف، أياً كانوا، أن يرتقوا إلى مستوى المرحلة، لاسيما إذا علمنا أنه مقابل تلك الأسلحة الفتاكة إعلام ما بعد حداثي، فيه الكثير من التضليل والتزوير. تلك هي المعادلة التي يجب أن يفهمها الشاعر وهو يكتب قصيدته. القصيدة تتطور، وثمة ما يكتب الآن يبز ما كتب في ما سبق. الشعر يحقق إنجازاته، لكن مواجهاته اللحظية كبيرة. هات الآن بأبي الطيب المتنبي ودعه يقرأ اللوحة، فماذا عساه أن يفعل؟ مهمة المثقف الآن أكبر من مهمته حتى في الألفية الماضية. اللوحة تتعقد. دائرة الشر تتوسع. ثمة ألغام كثيرة باتت تتفجر، وما علينا جميعاً إلا وعي اللحظة المعيشة، في ظل سيادة، بل هيمنة ثقافة الكراهية. ثقافة الحقد التي جعلت ممن كان الأقرب إليك، يخطط للفتك بك، بعد أن انفلتت الوحوش المسعورة من نفوس كثيرين، إلى الدرجة التي لم يعد المثقف نفسه في منأى عما يتم. فما الذي يمكن لقصيدة أن تفعله، الخط البياني للشعر في صعود وفق دورته الطبيعية، إلا أن الخط البياني للكراهية يتصاعد بشكل جنوني، هنا مأزق الشعر.
■ ألا ترى أن روايتك «شارع الحرية» تكاد تكون قصيدة لولا بعض السرد الذي ظهر في بعض فصولها؟
□ لقد حاولت جاهداً أن أخلص روايتي من هيمنة الشعرية عليها. صحيح أن في الرواية التشكيل، والمسرح، والسينما، والموسيقى، والسرد، والشعر، وحتى السحر بمعنى جمالي ما إلخ، إلا أني أؤثر أن تكون هناك معادلة فلا يتغلب أحد مكونات هذا الفضاء على الآخر. كلما وجدت أن لغة الشعر تشطح بي، رحت ألجأ إلى عالم السرد الصرف، بما يذكر بالتقريرية، لأوازن بين هاتين الكفتين، في ميزان الأدوات الكتابية، لأن الرواية هي حالة مكثفة لأصناف وأشكال فنية عديدة، وليست ابنة واحد منها- وحسب- ولا مسوغ البتة للمجازفة بما هو دلالي، ومن يرد أن يغلب عنصراً واحداً على سواه، فليذهب إلى خانة ذلك العنصر ويكتب ضمن إطاره.
■ على الكاتب أن يطرح القضية لا أن يكون طرفاً، لكنك بدوت على خلاف ذلك؟
□ أوافقك، ولكن أمام وجود قاتل وضحية، أي كاتب أو فنان بإمكانهما المساواة بينهما! إن أي خلل هنا لصالح القاتل، يعني مشاركته، ومع هذا فلكل شخصية – مهما كانت- أن تتحرك كما تشاء، ضمن شروطها الطبيعية، بدون أي تدخل في تحديد مساراتها.
■ ولكنك لم تقتصر في روايتك على مجزرة شارع الحرية، بل أثرت قضايا اخرى؟
□ بلى، لقد تطرقت لها، المجزرة لا يمكن تأطيرها في عمل واحد. ما جرى في مجزرة تقاطع شارع الحرية في القامشلي يمكن تناوله في مئات الأفلام، والمسلسلات، والقصائد والروايات. شأن أي مجزرة يروح ضحيتها أبرياء. لم أجزئ الحدث الرهيب عن إطاره التاريخي، لأن نظام البعث الديكتاتوري، الذي كانت الطفرة الأسدية أبشع أشكال صعودها، لا يمكن تناسي شروره وآثاره الرهيبة على المكان وسوريا، بل والمنطقة كلها. كما أن في إخراج المجزرة من سياقها عسفاً لتأريخ اللحظة.
■ لماذا السيرة الذاتية مهيمنة على عملك السردي هذا؟
□ ربما لأنني فتحت عيني في شارع الحرية على الحياة. فيه كانت قصة حبي الأولى، وعندما حدثت المجزرة الرهيبة، فإن بركاناً من المشاعر والأحاسيس اندلع فجأة. فأنا ابتعدت عن قامشلي منذ أن أُعطيت «لامانع» من السفر لمرة واحدة، بعد أن تم الحجز على جواز سفري، بعد إصدار قرار من يقتضي منعي من السفر، إثر قرار جهة أمنية. لقد أبعدت عن مكاني وهوائي وإنساني، وبت أحس بحنين عارم إليه، لأن منفاي إلزامي، وما يجري الآن في هذا المكان هو امتداد لما أسس له نظام البعث الاستبدادي. كل هذا أدى إلى الكتابة عبر حالة فشل أمام تواري الذات. لذلك، فقد تركت الأمور كما كانت، وراحت الروايــــة تكتب نفسها في فترة جد وجيزة.
■ ألم يكن من الأفضل أن يكون البطل غير المؤلف؟
□ جاءت الرواية بعد انتهائي من عملي السردي- السيروي- ممحاة المسافة- لذلك فقد رسمت شخصية البطل ملامحها الأولى، وتداخلت الشخصيتان: شخصية الراوي وشخصية المؤلف، إلى حد الإشكال، كما وصف ذلك بعض الأصدقاء الذين اطلعوا على النسخة الأولى من النص. ما حدث، وبعيداً عن هذه المقدمة الافتراضية هو أن المقتضيات الفنية فرضت نفسها. ما تم خدم تقنية النص ودلالاته.
■ هناك أسماء كثيرة وردت في الرواية وهي حقيقية؟
□ نعم. فقد كانت الرواية في أحد جوانبها توثيقية، كما أن جانبها الفني دعا إلى اللجوء إلى شخصيات غير واقعية. الرواية ملتقى الواقع باللاواقع لخدمة الواقع نفسه.
■ طريقة عرضك للتاريخ بدت مختلفة، رغم كونها رواية تاريخية ولو لمرحـــــلة ما، بم تعلق على هذا الرأي؟
□ ثمة تناول لمفصل تاريخي. لمحطة تاريخية أصررت عليها، إمعاناً في تكريس وثائقيتها، وتاريخيتها، انطلاقاً من مهمتي ككاتب، مطالب أمام مجتمعي، وأمام محاكم التاريخ. حسبي أني كنت أرصد فضاء غير مؤرخ له إلا من قبل مزوري التاريخ والجغرافيا والسياسة والضمائر. من هنا، حاولت أن أقدم عملاً فنياً بهذه التوصيفات.
■ يلاحظ قارئ روايتك أنك أتبعت طريقة مختلفة في السرد. ما سبب ذلك؟
□ حقيقة، النص كتب بتلقائية، وإن كانت المسارات مرتسمة أمام عينيّ، أثناء تناميها الكتابي الفني، وأنا مدرك ما الذي أريده، وما الذي أقوله، لاسيما إن الرواية أتت في حدود فضاء حدوث الصدمة، وكانت تفاصيل المجزرة ماثلة أمام عينيّ، باعتباري ابن هذا المكان، الذي يعرف أكثر وجوه الضحايا، وبيوتهم. علاقتي بالسرد وأشكاله ليست طارئة، فقد كتبت أكثر من شكل سردي، منذ وقت مبكر من حياتي، محاولاً أثناء عملية الكتابة الانقطاع عن كل الأساليب السابقة، وإعادة صياغتها من أجل كتابة محددة. كتابة نص مختلف، وفق محاكماتي الخاصة.
■ لماذا قصة الحب في رواية كهذه في زمن الحرب؟
□ لم يكن ثمة ما هو مفتعل. متطلبات الرواية كانت وراء ذلك. القصة متخيلة، ولكن من خلالها تحدثت عن جذور علاقة المنفي والمهاجر بمكانه، إذ مهما نأى جغرافياً، فثمة ما يربطه بذلك المهاد وأهله، وإن كان من بين ذلك: قبر أب أو أم أو طفل أو جد، أو وجه حبيبة افتراضية.
■ هل حقاً زرت قامشلي عبر كردستان؟
□ كثيرون ممن قرأوا الرواية سألوني: هل حقاً زرت كردستان؟ حقيقة الزيارة هنا خيالية، فهي لم تتم، ولم أزر قامشلي منذ أن خرجت منها آخر مرة، بأعجوبة قبل الثورة السورية.
■ وهل ما زلت تكتب قصيدتك؟
□ الشعر رئتي الأولى للتواصل مع الحياة. عرفت الشعر منذ طفولتي، ورحت أنحاز إلى جبهته، لذلك أرى في كتابته أحد أهم مسوغات استمراري الحياتي. من خلاله قلت كلمتي. موقفي الجمالي مما حولي، لذلك فهو من يعيد إليّ توازني، في مواجهة المتاعب التي لا حصر لها.

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

عادل قديح يعيد قراءة مراحل تطور الفنون التشكيلية في لبنان

يوسف الحربي   وقَّع الفنّان التشكيلي اللبناني والباحث في الفنون البصريّة الدكتور عادل قديح كتابه …