الرئيسية / متابعات ثقافية و فنية / القاصّ التونسي علي الدّعاجي… الضاحك من الواقع بالواقع

القاصّ التونسي علي الدّعاجي… الضاحك من الواقع بالواقع

عبدالدائم السلامي

عاش علي الدعاجي (1909- 1949) حياتيْن مُتَوتِّرتيْن: حياة واقعيّة ممزوجة بأخرى كتابيّة. وظلّت كلّ واحدة منهما تمتح من الثانية معناها وتذهب به إلى أقصى ممكناتِه. وهما حياتان اجتمعتا عليه اجتماعَ المحْنةِ، وأغرقتاه في قلقٍ محمولٍ على رغبةٍ في التفلُّتِ من قيودِ أنظمة مجموعته الاجتماعيّة، فلا يدري قارئُ سيرتِه أهوَ المبدِعُ الحُرُّ في قلقه أم هو القَلِقُ المبدِعُ في تدبير حرّيتِه ضمن واقع استعماريٍّ ضاغِطٍ على رقابِ المثقَّفين. توغّل الدعاجي في الدنيا عميقا حَدَّ التيهِ ومنحها جسدَه، فلا ندري إنْ كان ذلك توقا منه إلى اختبار قدرته على تحمُّلِ مشاقِّها؟ أم كان فناء منه في لذائذها؛ نحن أمام كاتب جرّب أُنْسَ الليل وأتعابَ ناسِ النهار، كان عضوا فاعلا في أنشطة جماعة «تحت السّور» وهي جماعة من الكتّاب كانوا يعقدون لقاءاتهم الفكرية والفنية في مقهى ثقافي «يقع في حيّ باب سويقة في العاصمة. وهذا الحيُّ -على حدّ قول عزالدين المدني- ربض شعبي معروف. وقد تهدّم هذا المقهى اليوم. كان مكان لقاء واجتماع، فيه كان يتجمع العازفون لإعداد سهرة موسيقية. وفيه كان يستضيف بعض أدباء تونس يومئذ زملاءهم الأجانب للحديث معهم. وفيه كانت تـنعقد اجتماعات أدبيّة وفنيّة».
علّم الدعاجي نفسَه بنفسِه، غامر برميِ روحِه في الفضاء العامِّ، ضحك من الواقع بالواقع، وسخر من كلّ مُسطَّحٍ، من العاديِّ، من المنتظِمِ. جرّب أجناسا من الكتابة كثيرة، واطّلع على أعمال أشهر كتّاب القصة في زمنه لعلّ منهم موباسان (كان توفيق بكّار يدعو طلبتَه إلى قراءة قصص غي دي موباسان كيْ يتعرَّفوا مناخاتِ علي الدعاجي القصصية) وغوركي وبودلير وأدباء المهجر وكتّاب الرابطة القلمية، ولكنّه كتب قصّة تونسية بديعة: قصّة صاغ أحداثها من عجينة أيام الناس، وبناها بناء سرديّا تفوَّق به على كتابات مجايليه. كلّ قصة عنده إنما هي تمرين على الخلقِ، يظلّ يداور فيها فكرتَه ويُحاور حتى إذا لانت له وكشفت عن البالي من أحوال الواقع ومنظوماته القِيَمية وما يكون منها حاكِما لحضور المرأة والرجل فيه، صاغها صوغا فنيّا مكثَّفا فيه رَجٌّ لطمأنينةِ الواقع، ووعيٌ بحاجة الناس إلى سماع أصواتٍ أسْكِتتْ فيهم، وإلى رؤية مشاهد من معيشهم اليوميّ غُيِّبت عنهم تفاصيلُها، فإذا باللغة تجري فصيحة مُوقَّعة إلى منتهى إبْلاغِها ولا تأنَفُ أحيانا من أن تأخذ من العاميِّ بلاغتَه، وإذا بالحكايةِ تستدرج قارئَها إلى أعالي دهشتِه فلا يعود منها إلا ممتلئا بالمعنى، تستدرجه إلى تفاصيلِ كائناتها المتْعَبةِ المهمَّشةِ حتّى يكاد يلمس لحمَها ويراها وهي تتحرّك في الأسواق والبيوت العتيقة والساحات، وإذا بالقصة على حدّ قوله: «صورة صادقة لمنظر شاذّ، وعلى شذوذه هذا لا يستغربه القارئ ولا يستنكره، وإنّ دور كاتب القصّة هو عرض الواقع البحت بكلمات واضحة نيّرة وأن يمسك زمام قلمه عن التعاليق الزائدة وعن وصف شعوره الشخصي وعن الوعظ الثقيل».
ولئن توزّعت كتابات مجايليه، محمد البشروش ومصطفى خريّف ومصطفى آغا، بين «كتابة مشدودة إلى السنّة الأدبية السائدة وكتابة أخرى تسعى إلى مواكبة العصر والتحدّث بلغة غير لغة الأسلاف»، وَفْقَ ما يقول محمد القاضي، فإنّ للدّوعاجي الفضل في تحرير القصة التونسية من أغلال المألوف الكتابي في زمنه؛ من ذاك «الوعظ الثقيل» الباهتِ، فقد مَنَحَها روحا جديدة صورتُها وحدةُ مضمونٍ وجرأةٌ فيه على نقد السائد وتقشير أسراره بهزلٍ، حيث يذكر الباحث محمد الباردي أنها «امتازت بتصويرها للبيئة التونسية في الثلاثينيات من هذا القرن ومنحتْها قدرة الكاتب على التصوير بعدا نقديا يتسم بضرب من السخرية المستحبة، ما جعل هذه النصوص المحدودة محل عناية فائقة لدى الباحثين في الجامعة خصوصا في السبعينيات من هذا القرن، إضافة إلى السلوك الوجودي الذي عرف به الكاتب، والذي يبدو للقارئ من خلال بعض الأفعال التي تمارسها بعض شخصياته المتميزة»، ذلك أن ذاتية الدعاجي الأدبية، كما يقول الباحث بشير الوسلاتي طفحت «من خلال خاصية الأسلوب الفكه الساخر الذي يعسر ضبط حدود جدّيته، ويتجلّى الهزل عنده اختيارا إنشائيا يؤتَى به لا لمجرَّد الإضحاك فمدلوله أبعد من أن يكون قريب المنال، وإنّما هو طريقة مخصوصة بهذا الكاتب في طرح القضايا العميقة، ولا اختلاف في أن الدعاجي يُتقن استعمال خاصيّة الهزل المحمَّل بوظائف دلالية بعيدة الغور».
وهو أمر يُجيزُ لنا القول إنّ الدعاجي جعل قصّتَه قصّة مرحة في غير تهوُّرٍ وناقدة في غير تجريحٍ، لها بالناس صلةٌ حارّةٌ، ولها بالحياةِ شغفٌ أحرُّ، فعل ذلك مقتصرا في كتابتها «على ما هو ذو وظيفة فنيّة في بناء الأقصوصة وإحكام حركتها والانتهاء بها إلى مآل طريف يرجّ القارئ، ويبلغ بإحساسه أقصى درجات الانفعال». ولعلّنا نقف على كثير من هذا في قصة «سهرت منه الليالي» التي قال عنها بشير الوسلاتي: «ومهما تعدّدت مستويات التأويل المكتنزة في هذه الأقصوصة التي عدَدْناها من عيون النصوص السرديّة، فإنّ حذق التشكيل لثنائية الفنّ والفكرة يُعتبَر أبرز خاصيّة تُلفِت النظر إليها وتُنَزِّلها في مرتبة الأدب الجيّد».

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

الجيدة رئيسا لمجلس إدارة نادي الجسرة لدورة جديدة

خاص- الجسرة   تم عقد الجمعية العمومية العادية لنادي الجسرة الثقافي الاجتماعي مساء الأربعاء الماضي …