الرئيسية / متابعات ثقافية و فنية / «عُمتِ صباحاً أيتها الحرب»: قصةُ تآلف الإنسان مع الشر

«عُمتِ صباحاً أيتها الحرب»: قصةُ تآلف الإنسان مع الشر

كه يلان محمد

الحربُ ليست واقعاً مُرعباً يعاني من يعيشُ في ظل أجوائه الكابوسية وحسب، بل إنَّ الصور والمشاهد التي تتوالى من مناطق الصراع غزت كل الفضاءات، بحيثُ أصبح الإدراك البصري لدى المتابع نهباً لكل مظاهر الخراب والدمار الناجمة من الحرب، وذلك بفعل تسابق القنوات الفضائية لإنجاز السبق الصحافي، وانتشار الوسائل الأخرى التي تضعُ المُشاهدَ في تفاصيل الصورة، بما تحمله من البؤس والإحباط، لكن الإعلامُ في أحسن أحواله لا يتسنى له تجاوز النمط الاختزالي، هذا فضلا عن احتمالية تراجع المستوى التفاعلي مع الأبعاد المأساوية للمشهد، نتيجة سيل من الصور غير المُتجانسة.
من هنا تأتي أهمية النصوص الروائية التي تتمحور حول الحروب المُستهترة بخصوصية الكائن الإنساني، وتتضاعفُ قيمة هذه الأعمال إذا طوعت المعطيات الحديثة وتفاعلت مع الشهود، مدعمة ذلك بما لدى المؤلفُ من ذكريات ومعرفة تأريخية دقيقة عن الأمكنة الحاضنة للحدث. هذه الترسيمةُ السردية هي ما تعولُ عليه الكاتبة السورية مها حسن في «عمتِ صباحاً أيتها الحرب» الصادرة حديثاً عن منشورات «المتوسط إيطاليا» إذ يمتزجُ في نسيجِ هذه الرواية الواقع العياني بعنصر المتخيل، ما يكسيها رداءَ الواقعية السحرية، لاسيما في المقاطع التي تستفيقُ فيها الأمُ من الموت، لا لتُخبرنا عما يقع في عالم البرزخ، بل لتحكي عن مخاوف ساكني المقبرة، مع تجدد قصف الطيران، الأمر الذي يميزُ شهرزاد الحرب عن كل الشخصيات الأسطورية والخيالية التي جابت في العوالم الأخروية، ومن ثُمَّ سجلت ما رأتهُ في عالم مسيج بالألغاز، هي تشغلها أهوال الحرب عن سكينة الموت ومعاينة وضعيتها الجديدة، وفي ذلك ثراء دلالي عن مأساة مدينة حلب التي تتقاطع في أجوائها نيران الملل المختلفة.

مفارقة العنوان

على الرغم من الوضوح في صيغة العنوان، وما يحمله من الوظيفة الوصفية إذ يحددُ مضمون النص، ويٌمكن المتلقي من التوقع الموضوع الأساسي الذي تُبنى عليه هيكلية الرواية ومُحتواها الكُلي. لكن تلك العتبة الاستهلالية تضمرُ مفارقةً عندما تتجاورُ في تركيبتها العبارة المتداولة في سياق العلاقات الإنسانية، مع مُفردة الحرب بما توحي إليه من أفعال مُضادة لما يرشحُ من معنى ودلالة لفظ (عمتِ صباحاً). هنا يتناصُ العنوان مع عمل الكاتبة الفرنسية فرانسو ساغان المعنون بـ«صباح الخير أيها الحزن»، كما أن مُعظم العناوين الداخلية التي تتصدرُ فصول رواية «عمت صباحا أيتها الحرب» هي بمثابة الشروح للعنوان الرئيسي، إلى جانب ما لها من وظيفة تكثيفية لمضامين النص، أضف إلى ما سلف أن المقطع المُسْتَشهد به في مُفتتح الرواية وهو مأخوذ من «صلاة تشرنوبل» للكاتبة البيلاروسية سيفتلانا أليكسيفيتش، يخدمُ البنية الدلالية للرواية، كما يكشفُ عن الصيغ والأساليب التي تمررُ الكاتبةُ من خلالها المادة السردية، إذ أن ما يحتشدُ به هذا العمل من الشخصيات والإرصادات والشهادات، والاستفادة من تقنيات سينمائية ومسرحية وصيغ خبرية. فضلا عن إيراد المُفردات العامية والميل إلى الأسلوب الميتاسردي في بعض الفقرات، والإحالة إلى خارج النص الروائي، وما يأتي ضمن إطار المناصات، وهي خطابات مُصاحبة للنص الأساسي من التوضيح والإحالة الواردة في الهامش يصلُ بالعمل إلى (الكتابة عبر النوعية) على حد قول إدوارد خراط، ويضفي المرونة إلى النص، وقد تتطلبُ الكاتبة من وراء ذلك تكريس ذائقة قرائية جديدة.

دفتر العائلة

لا تتسترُ الكاتبة وراء اسم مستعار ولا تُفضلُ الظهور في جلباب الراوي، بل هناك تصريح باسمها في حيثيات النص، وتتواردُ عناوين الأعمال الروائية التي سبقتْ روايتها الأخيرة في سيرورة السرد، وأنَّ الأم كونها شخصية محركة تجمعُ بين مؤلفات الكاتبة، إذ تصفُها في «مترو حلب» بينبوع السرد وتكشفُ ما راودها في رواية «تراتيل العدم» عن رغبة الكتابة حول النساء المشتقات من الأم، كما تشغلُ الأم الموصوفة بشهرزاد الحرب في «عمت صباحاً أيتها الحرب» مساحة أوسع، بل هي تُعدل صيغة الجمل والعبارات وتوهمنا الكاتبة أن شهرزاد الحرب تشاركُ في تأليف الرواية مع غيرها من أفراد العائلة والحارة، وبذلك لا يفوق دور الكاتبة في ما تعرضه وترويه على ما تقدمه الشخصيات الأُخرى، إذ كثيراً ما تتبادلُ الأدوار بحيثُ ينتقلُ الراوي إلى موقع المروي له، وقد أرادت صاحبة «حبل سري» فعلاً الدفع بشخصيات حاضرة داخل بؤرة الأحداث إلى واجهة العمل، إذ تبسطُ كل شخصية دفتر يومياتها وما مرت به حياتها من التحولات عقب الحرب، ويتساوق هذا مع الاسترجاعات إلى زمن قبل اضطرام نار الصراعات، وما كانت عليه طبيعة المكان والعلاقات الاجتماعية في مدينة «حلب». كما تُضمن الأمَّ فصلاً عن بناء البيت وحيازة ملكيته في تضاعيف العمل، بل تصبحُ مُفردة البيت عنواناً داخلياً لبعض أجزاء الرواية، لذا يبدوُ أن البيت ركن الأم في العالم على حد قول (غاستون باشلار) ولا تتحمل الابتعاد عنه، إنما تتمسكُ بركنها بخلاف الأبناء الذين تشتتوا في المنافي، وتزاحمت تكوينات البيوت في أحلام يقظتهم. وهذا ما يتبينُ أكثر لدى شخصية (مها) التي تُسردُ بدورها جانباً من سيرتها وتستعيد ما كان يتميز به مكان المنشأُ من الحميمة والتلاحم، وهو الحارة الخالدية التي تستوعب الجميع، وتغيبُ في أجوائها إشكاليات هوياتية إلى أنْ تغص هذه البقعة بوجوه غريبة ولهجات غير مألوفة في البيئة الحلبية، كما ترفرف رايات بشتى المسميات، هنا في هذا المُناخ المُثخن بخطابات جهوية ينتبهُ حسام ماذا يعنى أن يكون من مواليد عفرين، إذ تختطفه إحدى الجماعات المسلحة التي يتزعمها خالد حيانى صاحب السوابق الإجرامية، هنا تخسرُ الثورة نقاءها ويفقد الجيش الحر سحره، عندما يندسُ في صفوفه المتطرفون من جنسيات مُتعددة، يُذكر أن هناك تلميحات إلى ما يمارسه النظام من التمييز ضد بعض القوميات المنضوية في التركيبة السكانية، كما أن ظاهرة الانشقاق تطال نسيج الأسر فلؤي هو ضمن الموالين من بين أفراد العائلة يقاطع أهله، وتمثلُ ابنتاه فرح ومرح نموذجاً عن الجيل، الذي تضيع سحنة هويته في بيئة تسود فيها صراعات دينية ومذهبية وقومية، ومن المفارقات اللافتة أن من يكون موالياً للنظام يتهدم بيته بصواريخ جيشه، كما يستهدف المعارضون بيوت أصدقائهم، وبهذا لم يعد هناك مكان يحمي خصوصيات الإنسان، وتنمحي الفوارق بين الحي والميت ويتحولُ كل فرد إلى مشروع للموت، عطفاً على ما سبق تلاحقُ مؤلفة «حبل سري» هاربين من جحيم الحرب إلى قساوة الغربة، إذ يتوزعون بين تركيا والسويد، كما أن البعض يذوقون مرارة تجربة الأماكن العالقة. إذن طلعت هذه الرواية من تربة الحرب على قول باتريك موديانو وترصد قصة تآلف الإنسان مظاهر الحرب بوصفها شراً مُطلقا.

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

الجيدة رئيسا لمجلس إدارة نادي الجسرة لدورة جديدة

خاص- الجسرة   تم عقد الجمعية العمومية العادية لنادي الجسرة الثقافي الاجتماعي مساء الأربعاء الماضي …