الرئيسية / . / الشاعر المغربي عبدالكريم الطبال في عزلته الجبلية

الشاعر المغربي عبدالكريم الطبال في عزلته الجبلية

حسونة المصباحي

أصدرت مؤخرا مؤسسة منتدى أصيلة كتابا يحتفي بالشاعر المغربي عبدالكريم الطبال بعنوان “عبدالكريم الطبال: العاشق الصامت”، وقد تضمّن الكتاب مداخلات شعراء ونقاد حول تجربة الشاعر التي تمتد على ما يزيد على الأربعين عاما.

في مقدمة الكتاب يقول الأستاذ محمد بن عيسى، رئيس منتدى أصيلة، إن اختيار عبدالكريم الطبال ليكون فائزا بجائزة تشيكايا أوتامسي للشعر جاء لا ليؤكد فقط “على شخصيّته المطبوعة عند الجميع بصدقها، ونبل تواضعها، ودفق مشاعرها العميقة”، وليس فقط لأنه -أي الطبال- “صاحب تجربة شعرية ظلّ من خلالها وفيّا لعالمه الشعري، ورائدا مجددا عبر أربعة عقود من الزمن أو يزيد”، وإنما لأن لجنة التحكيم “قد وفقت في الوقوف عند محطة شعرية تختزل ذاكرة الشعر المغربي ذاتها بمكوناتها وتحولاتها وامتداتها، وبما تزخر به مراحلها المتعاقبة من انفتاح على السؤال ورغبة في التجديد”.

 

شغف بالشعر

منذ بداية مسيرته اختار الشاعر عبدالكريم الطبال -الذي امتاز بخجل المراهقين وبساطة الزاهدين في الحياة- العيش والكتابة في الصمت والعزلة. وفي حين يفضل جل شعراء المغرب وكتابه الإقامة في المدن الكبيرة مثل الرباط والدار البيضاء ومراكش وفاس وطنجة، تمسّك هو بالعيش في مسقط رأسه مدينة الشاون، المعلقة مثل عش النسر على أعلى قمم جبال الريف.

ولا تزال هذه المدينة البيضاء، الزرقاء، محافظة على تقاليدها القديمة الموروثة من الزمن الأندلسي المفقود، إذ أن جل سكانها وفدوا إليها بعد سقوط غرناطة عام 1492. ومثلها أيضا لم يشأ الشاعر أن يتغير.

صحيح أن الطبال يكتب شعرا حديثا، ويميل إلى الأفكار الجديدة في الكتابة، لكنه يرغب دائما في المحافظة على نمط حياته البسيطة التي تكاد تكون خالية من مظاهر التمدن الحديث.

والذي يزور الشاون في جميع الفصول، لا يجد مشقة في العثور على عبدالكريم الطبال. فقد يلتقي به متجولا في السوق، أو في الأزقة الضيقة، أو جالسا مع بسطاء الناس وأمامه كأس شاي، وقد سرح بخياله بعيدا بحثا عن شتات قصيدة لم تكتمل بعد، أو عن كلمة أو استعارة ترضيه وتشعره بأن الشعر لن يخونه حتى بعد أن تقدم به العمر، وباتت يداه ترتعشان كلما أمسك بالورقة أو القلم.

كان الشعر دائما وأبدا “ضالته وبغيته ومنَاطَ حياته ووجوده” كما يقول الناقد نجيب العوفي، الذي يضيف قائلا إنه -أي عبدالكريم الطبال- “لا يزال مسكونا بهاجس الشعر مغمورا بسحره وأسره دون كلال أو ملال كما لو أنه طائر فينيق متوقد ومتجدد، ينبثق بهيّا من رماد أيامه ولياليه”.

وعبدالكريم الطبال نفسه يؤكد على ذلك قائلا بأنه لم يشغله في حياته لا “من يصوغ السيوف، ولا من يطرز الطيلسان، ولا من يتسنم عرشا، ولا من يتبوأ نعشا، ولا من هو في قفص، ولا من هو في غابة”، بل إن ما يشغله حقا ويظل متيما به هو الشعر، ولا شيء آخر غيره.

يقول الطبال في إحدى قصائده:

 

“ليس يشغلني/ غيرُ قافية/ في قصيدة مدح/ لهذا التراب/ وهذي السماء”.

ولا يهتم الشاعر في قصائده بالأحداث الكبيرة في بلاده أو في بلاد العرب. ففي عزلته الجبلية هو معني بكل ما هو عابر وبسيط وذاو وهشّ وما هو “خفيف كريش السحاب، وبهيّ كقطرة مُزْن”. وهو يندهش مثل الطفل أمام “الشجر المُتيبّس يُسقط منه غصْنين”، و”يأتي إليه بروح رباب يعلمه أول الكلمات فيقرؤها”.

 

يوميات الشاعر

من كل المدن المغربية، ليست هناك مدينة تشغله وتسكنه، وبها يتغذّى عالمه الشعري مثل مسقط رأسه الشاون. لذلك هو يأبى مغادرتها والابتعاد عنها. فمن “مائها الشفاف يستخلص المداد، ومن ضوئها الخاص يصطنع قرطاسه”.

وهي “تسافر إليه”، وهو “يسافر إليها” من دون أن “يبرحَ كل واحد منهما باب العتبة”. وحين يستيقظ الشاعر في الصباح، “يطيل التأمل في صورته، وفي “الوجوه الجديدة، من ياسمين وضوء وعطر”. وأثناء تجواله في الشاون، يحب عبدالكريم الطبال أن يتوقف في ساحة يتجمع فيها الحمام في أوقات المساء، فيتذكر طفولته، واندهاشه أمام ذلك المشهد البديع، ويكتب قائلا:

 

“ها هنا يستحمّ الحمام/ بماء الصباح/ ويحطب ُعشب المساء/ ليدفأ في ليله/ ها هنا كانت المملكة/ شادها من شذى وهديلْ/ عرشه كان في شجر القصبة/ أو على شجر القلب حين يشاء”.

ومواصلا تجواله في مدينته الحالمة مثله، يتوقف أمام البيوت القديمة فتنبثق القصيدة من الأعماق مبللة بالحب والعشق فيكتب قائلا:

 

“تحت سقف شفيف/ هنا الباب لحلم حينا/ وللنبع حين/ فمن مرّ تحت سحابته/ مسّه الشعر/ أو سقطت في يديه يد/ هي سوسنة/ أو جديلة مهر/ يسيح في جذور الخفاء”.

من خلال الكتاب الذي تكرّمت مؤسسة منتدى أصيلة بإصداره، نتبين أن عبدالكريم الطبال “عاشق صامت” بالفعل. وفي كل قصيدة من قصائده يحتفي بنفسه متأملا العالم من حوله بروح المتصوف، المتوحد بنفسه، متوقفا عند الأشياء البسيطة التي قد لا ينتبه إليها عامة الناس، وقد لا يبالي بها الشعراء المتعجلون الذين يعتقدون أن الشعر مَعْنيّ فقط بكل ما هو ظاهر وبارز وفارض وجوده على الناس أجمعين.

كما نتين أن الطبال يمتلك قدرة فائقة على هضم التجارب الشعرية القديمة والحديثة على حدّ السواء ليصوغ تجربة شعرية خاصة به وحده، بحيث يصعب علينا أن نميّز في النهاية التأثيرات التي فعلت فيه، وتركت بصماتها في شعره. فكما هو متوحّد بنفسه في الحياة، هو متوحّد بنفسه في الشعر.

(العرب)

شاهد أيضاً

نيرمينة الرفاعي.. في نص بلا اسم

نيرمينة الرفاعي-   خاص (الجسرة)   أنا حورية البحر الحزينة بعت ذيلي مقابل أقدام لم …