الرئيسية / . / أشياء محطمة .. قصة جديدة ل “عصام سعد حمودة”

أشياء محطمة .. قصة جديدة ل “عصام سعد حمودة”

-عصام سعد حمودة-   خاص (الجسرة)

  

تتعثر القدم في أشياء كثيرة عن تعمد أو تغافل.. تقترب من المنزل وكلما اقتربت تبحث في داخلك عن أعذار تختلقها للمرأة التي رفضت كل المعاذير التي سقتها إليها.

تخبرك أنها تريدك في أمر هام ولا يدعو للتأجيل الذي تدعو أنت إليه، تجذبك من اليد.. وبالأخرى المفتاح في الباب.

صرير المفتاح يعلن أن ما كنت تريد الهروب منه واقع لا محالة، ولابد من المواجهة مهما كان الأمر.

سنوات تحاول نسيان شيء.. تلقيه وراءك، ولكنه كان يطل عليك أحيانا من نافذة صنعها خيالك الجامح.

في الصالة تعطي ظهرك ناحية باب الشقة، تتركك وتتجه للداخل تعود تحمل شايا.. تثرثر.. تسأل عن الصحة والأحوال ولا تدع لك فرصة لإخبارها عن شيء.

ومن خلال إطار معلق على الحائط. يعود وجه ابنة المرأة للتخلق من جديد, اللون القمحي.. العينان.. استدارة الوجه.. ربطت بينكما دروب الحياة في مسالكها العديدة وصارت قضية حيثياتها عندك حب.. أمل.. غد مشرق. ناقشت هي القضية مثل تاجر جشع. أهدرت كل شيء ببساطة شديدة.

ـــ يجب علىّ الرحيل.

قالتها ومضت.. ناديتها.. لم تلفت.. أكملت سيرها.

  • وداعا

ظللت أتلمس أخبارها، أخرها تقدم لزواجها (شقة تمليك، سيارة، 60 عاما)

انقطعت بعدها الأخبار أو لم تشأ أن يصلك شيء عنها؛ بالرغم من القرابة التي تربط بينكما. تحملت زوجتك كثيرا من أجلك نظرات الأهل والآخرين. أعلنت أمام الجميع تمسكها بك. ليال كثيرة كانت.. لم تشك أو تعلن تبرما. أنجبت لك ابنة مثل صفحة القمر وجهها.

تتذكر أنك لم تأت بطلبات المنزل فقد داهمتك تلك المرأة، تدعوك لشرب الشاي.. ترفع اليد الشمال.. تثرثر هي، تتحدث عن أشياء لا تخصك عن جارهم الذي عاد يوما ووجد زوجته.. المشاجرة التي نشبت بين الجيران بسبب…. تخوض وتخوض ولم تترك أحدا في حاله. تتوقف بحجة أن لديها (ولايا)

من الخلف تأتي أصوات، أغلب ظنك أنها صادرة من المطبخ, يدعم الصوت ظنونك وشكوكك.. صورة الفتاه ابنتها تحتل مساحة من الفراغ في العقل، تباغتك تساؤلات شتى.

لماذا صممت المرأة على مجيئك معها بعد ما حدث؟ من بالداخل؟ أهي؟

أسنوات العمر الستون مضت لخالقها.. ما مصير الشقة والسيارة؟.. لا تدرى السيدة أنك تزوجت وصارت لك ابنة.. ألم ترتضيك زوجا لابنتها؟

تعقد أصابع يدك حول ركبتيك؛ فيبدو خاتم زواجك واضحا, لم تلفت.. تذهب.. تعود.. تحمل عصائر.. تجلس من جديد.. تذهب.. تعود.، ثم تأتي لتثرثر.

وجه عنكبوت يرسل نظراته إليك من وسط خيوط منصوبة لك.

  • أنت اتجوزت؟

تستقبل أذنك كلماتها ولا تنفضها، فرصة طال انتظارها، تلقى إجابة السؤال دفعة واحدة، كلمة لم تزد عنها شيئا.

تتشابك خيوط الوجه من جديد.. تتعقد ملامحه.. وجوم صادر من خلف زجاج النظارة, أشياء في الخلف تتحطم، أبواب تغلق في حدة, أبواب تصفق بشدة. تعدو المرأة تجاه الأشياء المحطمة والأبواب المغلقة في عنف. وحدك، تمضي تجاه باب الشقة.. تفتح.. تهبط السلم وثبا دون أن تلتفت للوراء!

 


*********************

كان يغوص في أقرب مقعد يصادفه.. الآن يجلس على المقعد الذي تعلوه لافته (مخصص لكبار السن والمعاقين)

ـ قلة ذوق. قاعد ومش مراعي راجل كبير واقف

الصيف وأنفاسه اللاهبة تزيد (صهد) الجو في الحجرة التي مكانها تحت السلم، والتي يعيش فيها مع أمه. والشتاء تتجمد الأطراف.

لم ير والده أو يستطيع تكوين صورة له في مخيلته، وكلما سألها عنه تلتزم الصمت.. ترد بعد إلحاح طويل. أنها لا تعرف عنه شيئا سوى أنه خرج يوما ولم يعد. رآه الآخرون يوما ما يركب عربة فارهة بجواره امرأة عارية الكتفين وهي تطعمه بينما هو يقود. آخرون قالوا أنه سقط تحت عجلات القطار ودفن بمقابر الصدقة.

***

تقدم لوظائف عديدة.. طرق أبواب كثيرة في أعمال كثيرة.. تخترق أذنه كلمات الرجل الجالس خلف المكتب.

ـ لا نريد آخرين، لدينا النسبة التي حددها القانون. لن نتعداها أنهم لا يفعلون شيئا سوى انتظار المرتب والحوافز.

***

أراد اللعب يوما مع أقرانه، خذلوه.. سخروا منه.. اتفقوا فيما بينهم على أن يأتي لهم بالكرة التي تتخطى المرمى.. في الليل كان سعيدا وهم يتوارون من أمامه حين انهارت الطوابي، وسقطت البيادق واحد تلو الآخر ونفقت الجياد، والوزير صريع أمام الملك العاجز. أمام الرقعة.. يرقص فوقها.. يرفض أن يكون ملكا خطواته مقيدة. يصاب بالضيق من كثرة مواجهاته مع الآخرين.. يفوز أحيانا.. يخسر كثيرا..

***

احتكاك القضبان بالعجلات، وارتجاج الأجساد وتمايلها داخل الترام، وصوت الرجل الواقف أمامه وأحد الجالسين يفسح له مكانه والرجل يرفض بشدة، يخرجانه من شروده.

ـ حقنا وخصصته لنا الدولة

يهمس لنفسه: “حقي أيضا لن أتركه”

من أجلها التي لم تعرف طعما للراحة منذ كانت تحمله ذهابا وإيابا للمدرسة.

ـ أنت يا بني أدم قاعد ولا في دماغك حاجة فز شوف لك مكان تاني المكان ده بتاعنا.

يشير له تجاه اللافتة؛ يتيقن أن الرجل كان يقصده وحده دون الآخرين. همسات بين الركاب، تعليقات، اتهامات للفتى بقلة الذوق.. تشجع الرجل على أن يزيد في صرخاته.

ـ (قوم يا جدع.. أنت عاجز)

ـ آآآآآه

ولم يزد عن ذلك.. يهب من مقعده رافعا بيده قدمه اليسري العاجزة متجها تجاه الباب. تتوقف الكلمات على شفاه العجوز، وظل واقفا أمام المقعد الخاوي.

نظرات الركاب تجاه الفتى والرجل، وهم يلومون أنفسهم ويلومون بعضهم على انسياقهم وراء كلمات العجوز.. يقوم أحدهم متنازلا للفتى عن مقعده؛ فلم يلق منه سوى نظرات جامدة..

يصل الترام المحطة.. يهبط الفتى بقدمه السليمة مطوحا بالأخرى في الهواء حتى استقرت على الرصيف.

شاهد أيضاً

القاهرة تحتفي بعبدالرحمن الأبنودي

محمد الحمامصي طالبت الإعلامية نهال كمال زوجة الشاعر الراحل عبدالرحمن الأبنودي في الاحتفالية التي نظمها …