الرئيسية / مقالات / تجليات الحزن المقفى عن صلاح عبد الصبور

تجليات الحزن المقفى عن صلاح عبد الصبور

خيري منصور

ما من شاعر عربي حديث باستثناء الماغوط استبد به الحزن حتى صقل روحه كصلاح عبد الصبور، بحيث شهر حزنه على نحو مجرد في وجه العالم، الذي ظل مغتربا عنه حتى رحل وهو في أوج سني النضج والعطاء، وإثر سجال متوتر مع زملاء له لم يحتمله القلب، ولم يكن عبد الصبور هو الشاعر العربي الحديث والوحيد الذي لم ينصفه الاستقراء النقدي وليس القراءة الأفقية، لأن النقد الداجن لا يجازف بالتحليق عاليا وبعيدا، وغالبا ما يرتهن للسائد وما يفرزه من ثقافة الامتثال والقطعنة.
وقد يكون أهم ما كتب عن عبد الصبور هو تأثره بالشاعر ت. س. أليوت، سواء في بعض قصائده المكرسة لرصد تفاصيل الحياة اليومية، أو في مسرحية «مأساة الحلاج» وما فيها من أصداء لمسرحية أليوت «جريمة قتل في الكاتدرائية». وعبد الصبور لم ينكر تأثره بأليوت، ففي كتابه «حياتي في الشعر» ينقل عن أليوت ما قاله في مسرحية «حفل كوكتيل» عن لونين من القلق يعانيهما الرجال يتمثلان في الخوف من فقدان شيء ما، أو الإحساس بتوقع هذا الفقد.
وعبد الصبور كان مهجوسا بالفقدان سواء تعلق الأمر بالحب أو الحياة ذاتها، لكنه بتأثره بأليوت لم يأخذ عنه ما سماه المعادل الموضوعي، الذي علق به أليوت على مسرحية «هاملت» لشكسبير، ويتلخص في فائض العاطفة والانفعال، حيث لا يقتضي المقام أحيانا، وبالنسبة لأليوت فإن التعبير عن الحزن يكون من خلال صور وإحالات وليس من خلال التعبير المباشر كما فعل عبد الصبور، الذي تكررت مفردة الحزن ومرادفاتها مرات عديدة في معظم قصائده، يقول مثلا في قصيدة «رحلة في الليل» من ديوان «الناس في بلادي»: معذرة صديقتي حكايتي حزينة الختام…. لأنني حزين.
ويقول في قصيدة الحزن يا صاحبي إني حزين، وتنتهي القصيدة بقوله: الحزن يفترش الطريق، وفي قصيدة بعنوان «الشيء الحزين» يقول:
هناك شيء في نفوسنا حزين … وقد يختفي ولا يبين
ومن ديوانه «أحلام الفارس القديم» يقول في قصيدة بعنوان المفتتح:
معذرة يا صحبتي قلبي حزين … من أين آتي بالكلام الفرح؟
ولو شئت الاستطراد لرصد تكرار كلمة الحزن لانتهى بي الأمر إلى أن معظم قصائد عبد الصبور هي أقرب إلى ما يمكن تسميته الحزن المقفى، أو الحزن الموزون! ولم تشغل عبد الصبور التراكيب اللغوية المعقدة، كما أنه لم ينشغل باستعراض مهارات لغوية وبلاغية، فكان معجمه الشعري سهلا إلى الحد الذي دفع شاعرا من أبناء جيله هو كاظم جواد لأن يسخر من إحدى قصائده التي يقول فيها:
شربت شايا ورتقت نعلي في الطريق
فالذائقة السائدة في تلك الأيام لم تكن مؤهلة ومدربة على قبول شعرية المألوف. أما مسرحيته الشعرية «مأساة الحلاج» التي استدعت مقارنات مع «جريمة قتل في الكاتدرائية» فهناك من النقاد من رأوا إنها قصيدة طويلة على الرغم من أن عبد الصبور كان له الفضل في نقل المسرح الشعري من الحوار المنظوم والمقفى إلى الحداثة، وتوظيف الدراما على نحو مغاير لرواد هذا الفن، كأحمد شوقي وعزيز أباظة ، لكن استغراق الشاعر في شجونه وأحزانه الذاتية لم يجعله رهينة شرنقة تحجب عنه ما يعانيه الآخرون، لهذا كتب العديد من القصائد في قضايا عامة ووطنية، ومن أبرزها قصيدته عن أحداث قرية دنشواي المصرية عام 1906 بعنوان «شنق زهران»، ولتلك الحادثة تداعيات شجية في الذاكرة المصرية واستطاع عبد الصبور أن يحوّل زهران إلى رمز وطني، وانتهى إلى القول:
مات زهران وعيناه حياة
فلماذا قريتي تخشى الحياة
وما كتبه عن شعراء منهم لوركا وبودلير وأبوتمام، يتيح للقارئ أن يتعرف على المزاج الشعري لعبد الصبور، فهم يجسدون الشعرية التي ينحاز إليها. أما الهواجس الصوفية في شعره فهي تطرح سؤالا يتجاوز الجمالي إلى المعرفي، فهل اجتذبه الصـــوفيون؟ أم الصوفية ذاتها؟ والأرجح أن عبد الصبور الذي لم تكن الميتافيزيقا خارج همومه وانهماكاته الشــعرية والثقافية كان سيجنح أكثر نحو الصوفية لو قدّر له أن يعيش طويلا، فقد أصابه نفور مما هو حسي واقترب من التجريد، خصوصا عندما تعلق الأمر بسؤال الوجود، وجدلية الحياة والموت، لكن الصوفية التي اجتذبته ليست سلبية أو منكفئة على ذاتها، ومثال ذلك قراءته الخاصة للحلاج ومأساته، فالصوفي الذي خلع الخرقة وترجل من المطلق إلى النسبي ومن الصومعة إلى الرصيف، دفع البعض إلى تأويل المسرحية سياسيا، بحيث أوقفت الرقابة عرضها.
كان عبد الصبور شاعرا مثقفا، لكن على النحو الذي يغذي شعريته، والمقالات التي نشرها وصدرت في كتب، إضافة إلى كتابه «حياتي في الشعر» تدل على أن هذا الشاعر كان ذا فضول معرفي بالدرجة الأولى، ولم يركن إلى الموهبة وحدها، أو ما توارثه العرب عن خرافات وادي عبقر، وحين نقارن ما كتبه عن تجربته الشعرية مع ما كتبه شعراء آخرون خصوصا من أبناء جيله نجد أنه كان أكثر انسجاما مع هواجسه وشكوكه، ويعبر عن ذاته بلا أقنعة، لهذا بدأ كتابه «حياتي في الشعر» بالمقولة السقراطية الخالدة عن معرفة النفس، فقد رأى عبد الصبور أن تلك المقولة تختصر الدراما البشرية كلها، لأنها تسعى إلى تفتيت الذرة الكونية الكبرى المسماة الإنسان والتي يتكون من آحادها ما نسميه المجتمع ومن حركتها ما نطلق عليه التاريخ ومن لحظات نشوتها ما نُعرّفه بالفن.
أخيرا عبد الصبور جدير بإعادة الاستقراء لا القراءة فقط، ولديه قصائد رأى من خلالها ما يحدث الآن في واقعنا عن بعد عقود !

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

عن النصوص الزجاجية في ”مذ لم أمت“ ل ”رامي العاشق“

-نيرمينة الرفاعي-   ”الزجاج محاولة الجدار لإفشاء السر“، يقول العاشق في الصفحة 24، وبنصوص زجاجية تفشي …