الرئيسية / سينما و تلفزيون / «جيوش الشمس»… الفيلم الاستثناء في ملحمة العبور السينمائي

«جيوش الشمس»… الفيلم الاستثناء في ملحمة العبور السينمائي

كمال القاضي

تظل حرب أكتوبر/تشرين الأول 73 بالنسبة للأجيال الجديدة مجرد صور درامية وبطولية منقولة عبر مجموعة أفلام لا يتجاوز عددها العشرة على أكثر تقدير، أنتجت في فترة السبعينيات إبان حكم الرئيس السادات، في غمرة الزهو بالنصر.
الأفلام الروائية الطويلة يحفظها الجمهور عن ظهر قلب لأنها تتضمن قصصا ذات بداية ونهاية وتفاصيل درامية مثيرة، لها صلة بالحدث الأصلي أو تتعلق بالأبطال والبطلات، وهناك نماذج بعينها تركز عليها وسائل الإعلام في احتفالها بالمناسبة التاريخية والحربية المهمة، فيغيب دور السينما التسجيلية صاحبة السبق في توثيق النصر، فقد سبق فيلم «جيوش الشمس» للمخرج شادي عبد السلام مجموعة الأفلام الروائية الأخرى.
وما يميز الفيلم التسجيلي المهم لشادي ليس فقط أسبقيته فحسب وإنما اعتنائه بحالة التأريخ للحرب والرؤية الشاملة للحدث من زوايا أخرى، كأثر إيجابي للنصر الذي جاء بعد انتظار مصحوباً بتداعيات شكلت ملامح مرحلة أخرى من حياة مصر، تلاشت منها ندوب الهزيمة، ومحا العبور العظيم عارها، فاستيقظت الأمة العربية كلها على فجر جديد وشمس سطعت في أوانها بعد سنوات الغروب، وبشاعرية متناهية يؤكد المخرج الراحل على ماهية وجوهر المعاني الكبرى لانتصار الروح وتخلصها من قيود انكسارها معنوياً ومادياً، وتأهبها للبدء في ارتقاء درج الاستقرار والنهضة. ويأتي دور الأفلام الجماهيرية التجارية لاستثمار حالة التأييد الشعبي والانتشاء بالنصر، فيتم إنتاج أفلام مثل، «بدور» و»العمر لحظة» و»يوم الوفاء العظيم» و»الرصاصة لا تزال في جيبي» و»حتى آخر العمر»، ورغم أهميتها كرؤى بانورامية تربط بين الحرب والجماهير لكنها تظل ناقصة على المستوى الدلالي الكامل لأجواء المعركة وتضحياتها الكبرى، فالقصص المقدمة عبر الشخصيات اعتمدت على الأفكار التقليدية في العلاقة الرومانسية بين البطل والبطلة، كمحرك أساسي للأحداث مع تضمينات عن ظروف القتال والأجواء المحيطة والاستعدادات العسكرية والنفسية والاجتماعية، وهو ما تكرر حرفياً بشكل معيب في معظم ما تم تقديمه كعلاقة محمود ياسين بنجلاء فتحي في فيلم «بدور» وصراعه مع مجدي وهبة للاستئثار بقلبها، وكذلك «يوم الوفاء العظيم»، بدأ وانتهى بعذابات رومانسية وشجون عاطفية جراء حرمان ولاء أو نجلاء فتحي أيضاً من حبيبها محمود ياسين بقرار من الأب المتشدد كمال الشناوي، لتبقى الحرب مجرد خلفية ومشاهد تعبيرية للتذكير بالنصر ذراً للرماد في العيون. ويأتي البطل الأوحد والمقاتل الفريد محمود ياسين للمرة الثالثة على التوالي في فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي» ليعيد الطرح نفسه من منظور مختلف نسبياً، فيرتبط بعلاقة عاطفية أخرى مع نجوى إبراهيم، التي تمثل مصر، فيخوض من أجلها معركة داخلية مع الرجل الانتهازي الفاسد عضو الاتحاد الاشتراكي الذي جسد دورة يوسف شعبان، ثم يذهب إلى معسكر التدريب على الجبهة ليتأهل للحرب ضد إسرائيل، وهو إسقاط على من سماهم الرئيس السادات بمراكز القوى، واستخدمت السينما آن ذاك في التشهير بهم وتصفية الحسابات معهم، أي أن توثيق نصر أكتوبر لم يكن هو الهدف الأسمى لهذا الفيلم، على الرغم من الإشارة الدالة على ذلك في العنوان.
ويبقى فيلم آخر لمحمود عبد العزيز ونجلاء فتحي هو «حتى آخر العمر» لا يمكن استثناؤه من جملة الأفلام الرومانسية التي اتخذت من حرب أكتوبر ذريعة لترويجها، في حين أن علاقتها بالحرب والعبور والانتصار لا تعدو كونها مماحكة، فهي لم تضف للجوهر الموضوعي القتالي الحربي شيئاً يذكر، وبقيت مجرد ملامح لا تفي بأي معنى ولا تخلص لأي نتيجة غير عادية، اللهم غير درجات التأثير التراجيدي الناتجة عن عجز البطل بعد إصابته إصابة بالغة، كما حدث لمحمود عبد العزيز في نهاية الأحداث، أو استشهاد أحمد زكي وقصف إسرائيل لمدرسة بحر البقر الابتدائية في فيلم «العمر لحظة»، علماً بأن هذا الفيلم بالتحديد أكثر الأفلام المذكورة تميزاً، تليه أفلام أخرى وثقت لحرب الاستنزاف بشكل يقترب من التسجيلية، أهمها «الطريق إلى إيلات» و»حكايات الغريب» للمخرجة إنعام محمد علي و«يوم الكرامة» للمخرج علي عبد الخالق فكشفت نقاط الضعف في أفلام أكتوبر.

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

أيام قرطاج السينمائية دورة العودة إلى أفلام الجنوب وبلدانه

يسري وناس تقام الدورة الـ28 من مهرجان “أيام قرطاج السينمائية” الذي يطلق عليه “عميد مهرجانات …