الرئيسية / متابعات ثقافية و فنية / «المدمن» للأمريكي وليام س. بوروز: محنةُ التغيب عن الزمن

«المدمن» للأمريكي وليام س. بوروز: محنةُ التغيب عن الزمن

كه يلان محمد

بعكس الأدب الواقعي الذي لا يُخطئ المتلقي في إدراك غاياته الأيديولوجية وتمثله لجملة من الاشتراطات المسبقة، فإن الواقعية القذرة التي نشأت في الولايات المتحدة الامريكية، لا تستجدي تعاطفاً من الآخر، ولا يلتزمُ كُتابها بقوالب وكليشيهات معينة، في ما يتناولونه في طيات مؤلفاتهم، وغالبا ما تُستعرضُ في أعمال هؤلاء عبارة عن تجارب ذاتية بلغة بسيطة، كما توردُ في سياق نصوصهم الكلمات الخشنة والألفاظ القاسية، التي لا تمرُ بمصفاة الكناية والمجازات، بل تقفزُ مباشرة من قاع المجتمع إلى الصفحات البيضاء، وهذا ما يبدو واضحاً في كتاب «المدمن» للأمريكي وليام س. بوروز الصادر عن دار الجمل 2017، فهو يذكرُ في مُستهل مُؤَلَفه بعد مقدمة آلن غينسبرغ تاريخ ولادته، إذ أبصر النور في 1914 في مدينة كبيرة في غرب الوسط الأمريكي، نشأ في بيئة عائلية كانت تمتلكُ مقومات حياة آمنة على حد قوله. وفي هذا الإطار يُشيرُ إلى ما يراوده من الكوابيس وهو طفل، وخوفه من الظلام وقلقه من أن تدوم أحلامه المرعبة ولا يستيقظَ من النوم، وحين سمع من الخادمة بأنَّ تدخين الأفيون يسوقُ بالمرء إلى أحلام لذيذة، يقولُ وليام س.بوروز (عندما أكبر سأدخن الأفيون) ربما يجدُ المتلقي في ما يرويه المؤلف عن طفولته وأحلامه المفزعة جواباً لماذا صار وليام س. بوروز مدمناً؟ كأن الأخير أراد أن تكون أحلامه في مراحل لاحقة لسنوات الطفولة والمراهقة مختلفةً، فيتخلص من هاجس عدم انقطاع الكوابيس. لكنْ ما يعرضه عن تجربته مع أشكال متنوعة من المخدرات وبحثه عن البدائل عندما ينفذ الأفيون والهيروين ليس إلا وجهاً آخر من الكوابيس والمُطاردات والسجن والتغرب.

دون تجنيس

لعل اللافت بالنسبة للمتلقي هو غياب أى علامة تجنيسية على غلاف الكتاب، إضافة إلى ذلك فإن العنوان يُزيدُ الأمر التباساً ولا يُعينك على إيجاد رؤية حول ما يناقشه النصُ، غير أنَّ العُنصر الإيجابي في وحدة العنوان يَتَمثَلُ في ما يُخلف لدى المتلقي من التوتر، بحيثُ تكونُ أمام علامة تنفره وتجذبه إلى قراءة النص في آن. إذ ما ينفك يتساءل عن جدوى نصِ عارِ من التجنيس، فضلاً عن ذلك فإن مفردة (المدمن) صادمة بحد ذاتها، لكن ما يُرجحُ مُغامرة الشروع بالقراءة هو ما يختزنه العنوان من إشارات غير معهودة، والسؤال الملحاح عن السبب وراء تأليف كتاب حول شخص يُعدُ منبوذاً في كل المُجتمعات، تماماً مثلما أن تشارلز بوكوفسكي يدفعُ بكل تجاربه الشخصية ومُكابداته في العمل، وانغماسه في علاقات مفتوحة مع النساء والجعة والبارات. لاسيما في «مكتب البريد» و»نساء» إلى السطح. كذلك يفعلُ وليام س. بوروز الذي يُسردُ بداياته مع الإدمان وحقن المورفين واللص الذي من خلاله دخل إلى عالم المُخدرات، ومن ثم توسعت دائرة أصدقائه المدمنين والمُتاجرين بمواد مُخدرة في الحانات والشوارع، إذ عملَ الكاتب في البداية وسيطاً لبيع ما أخذه من اللص نورتون وبعدما يلتقي ب(روي هيرمان) يجربُ لأول مرةِ تعاطي هيروين ويستعملُ إحدى الحُقَن ويشرحُ أثر المادة في جسمه، وما ينتابه من الأحساسيس المشوبة بالقلق والخوف، ولا يمضي كثير من الوقت حتى تتحولُ شقتهُ إلى مكانِ يلجأ إليه المدمنون لتناول المُخدرات، وما تجدرُ الإشارة إليه في هذا السياق أن بوروز يضطرُ لشراء المخدرات من زبونه السابق روي، ولا يقف الأمرُ عند هذا الحد إنما يبتكرون وسائل جديدة للحصول على المورفين إذ يقنعه روي بالذهاب إلى أحد الأطباء ويدعي بأنَّ لديه الحصوة في الكلي ليكتبَ له روشتة بوصفة مخدرة، والحالة لا تخلو من الشد والجذب بين طبيب أو أحد أقاربه، والمُطالب بروشتة طبية، يُذكر أن اللجوء إلى الطبيب لأخذ روشتات توفر المواد المخدرة أو بدائلها جزء من الحيل التي لا يني المدمن يعتمدُ عليها حالما يُعاني من صعوبة الحصول على المواد بطرق أخرى، هكذا يندمجُ المؤلفُ في دائرة المدمنين يوما وراء يوم، ويذكرُ أنماط حياتهم، إذ يقاسي بعضهم من أمراض غريبة. ماري هي مدمنة تبلغُ الكاتب بأن أيامها باتت معدودة، وفي غضون سنوات تعجز عن الحركة لأن جسدها لن يعود قادراً على استيعاب كاليسوم، كما ينقلُ على لسان تلك المرأة الأجواء التي ترافقُ إيقاع الرجل داخل هذه البيئات، زدْ على ذلك فإن ماري تكشف عن ميولها السحاقية، ورغباتها في حالات حميمية وبهذا يظهرُ جانب آخر من الحياة تتضافرُ الجهودُ على كل المستويات لتكتم عليه حتى لا تتزعزع الصورة المثالية للمجتمعات، ولا تترشح أي معلومة عن البيئات المُهمشة، كأنَّ بالمؤلف من خلال عمله وما يقدمه عن أنواع المخدرات وأساليب استخدامها وتورط الجهات الرسمية في المتاجرة التي دُرجت في لائحة الممنوعات واقتران المدمن بالشيوعية، أراد إماطة اللثام عن وجه الواقع المُزيف، هذا ويميزُ بوروز بين الحشاشين والمدمنين ويبرز الاختلاف في الطبيعة لدى المجموعتين، فالمدمن يُعطيك النقودَ ويذهب بالمقابل. يتوقع الحشاشُ من التاجر أن يؤنسه ويُعدل مزاجه، وإذا انصرفت إلى مستوى الحقل المُعجمي للنص تجدُ أن ما يتوارد من الكلمات والألفاظ والتعابير لا يخرجُ عن الأطار الذي تُحدده عتبة العنوان.

رحلة العلاج

لا يفقدُ المدمنُ الأمل من استعادة حالته الطبيعية ويقلع نهائياً عن تعاطي المُخدرات، وهذه الرغبة لا تُفارقه في أسوأ حالاته، حسبما يذكره المؤلفُ، لذا كثيراً ما يدور الحديثُ بين المدمنين حول تجربة الإقلاع لدى من تجاوز هذه المحنة، عليه يتطرقُ بوروز إلى محاولاته الرامية للخروج من متاهة الإدمان، كما أن بعض أصدقائه سافروا إلى مركز رايكرز أيلاند للمُعالجة في ثلاثين يوماً، ناهيك عن شيوع نوع آخر من العلاج المعروف بـ(العلاج الصيني) وهو وصفة من الأفيون وماء تونيك، ضف إلى ما ذكر أعلاه يختبرُ المؤلف بنفسه تلقي العلاج في مستشفى على بعد عدة أميال من ليكسينغتون، هنا عندما يخبرُ الطبيب بأنه يتاجر بالهيروين يُفاجئه المُعالِجُ بأن متاجرته ليست إلا لمواصلة إدمانه بما يكسبهُ من الأموال، كما يلقي الضوء على مراحل العلاج، إلى أن يتلقى المدمن حقنة الوداع وعقب ذلك تبدأُ مرحلة التأهيل، غير أن فصول الإدمان لا تنتهى في حياة بوروز مع خروجه من المستشفى، إذ يجرفه التيارُ من جديد إلى دوامة الأفيون والهيروين وحبوب الكودئين والأخطرُ من ذلك يصبح مصيره بفعل المخدرات مطادرة وسجناً وهروباً، يُشيرُ وليام بوروز إلى أن المقلع عن الهيروين لا يحتاجُ إلى كثير من الوقت ليغرق في التعاطي مجددا حتى لو انقطع عنه لمدة عشر سنوات، بينما الأمرُ يختلف بالنسبة للمبتدئ تماماً يتنقلُ صاحب «المدمن» بين نيويورك ونيوأورلينز، كما أن في مدينة مكسيكو المكسكية يكون بوروز أمام محطة أخرى من الإدمان ويتعامل مع لوبيتا المرأة النافذة، وهناك أيضاً ينفصل عن زوجته ويشهدُ توافد الأمريكيـــــين على العاصــــمة المكسيكية تهرباً من(f.b.i) وتصله أخبار أصدقائه بعضهم يقبع في السجـــن، وهناك من رأى في الانتحار حلا، ويبحثُ وليام بوزروز أيضاً عن الياغي طلبا للتوازن الأخير، يجول بك هذا المؤلف في عالم تختلف سيكولوجية شخصياته عما تراه لدى الإنسان العادي وما تتوصل إليه أن المدمن يتغيبُ طوعاً عن الزمن ويمرُ بتجربة الموت وهو حي.

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

الجيدة رئيسا لمجلس إدارة نادي الجسرة لدورة جديدة

خاص- الجسرة   تم عقد الجمعية العمومية العادية لنادي الجسرة الثقافي الاجتماعي مساء الأربعاء الماضي …