الرئيسية / . / «في عشق فينسنت» للبريطاني هيو ويلشمان: رسالة حب صادقة لفان غوخ

«في عشق فينسنت» للبريطاني هيو ويلشمان: رسالة حب صادقة لفان غوخ

نسرين سيد أحمد

يقدم فيلم «في عشق فينسنت» للمخرج البريطاني هيو ويلشمان وزوجته المخرجة البولندية دوروثا كوبيلا، المعروض على هامش مهرجان لندن السينمائي (4 إلى 15 أكتوبر/تشرين الأول الجاري) رسالة حب صادقة للرسام الهولندي فينسنت فان غوخ.
يبدو للوهلة الأولى أن الفيلم يتنازعه التفاوت بين جانبه التقني التنفيذي المحكم والجهد الضخم المبذول فيه من جهة، وبنائه الدرامي غير المترابط من جهة
أخرى. ولكن رغم نواقصه في ما يتعلق بالبنية السردية والحبكة، يبقى مردود الفيلم النفسي على المتلقي كبيرا، وتبقى متعة مشاهدته قوية. فيلم يبهرنا فيه صدقه وإخلاصه لروح فينسنت فان غوخ في الرسم واللون، ولكن هذا الإبداع التنفيذي لا تقابله حبكة درامية محكمة، ولا رسم محكم للشخصيات. يبدو السرد أحيانا كما لو كان قراءة مباشرة لمقتطفات من رسائل فان غوخ لشقيقه ثيو، على خلفية مصورة للوحات الرسام الشهير. ومع الإقرار بالنقيصة السردية للفيلم، نجد أن الإبداع الحقيقي له لا يكمن في حبكته أو سرديته، ولكن في تلك الرحلة التي تتكشف لنا فيها روح فينسنت فان غوخ الفنان عبر ألوانه ولوحاته وفرشاه، تلك الرحلة التي نكاد فيها أن نرى العالم بعيني فان غوخ ومن منظوره.
الفيلم هو أول عمل سينمائي على الإطلاق يعتمد من بدايته لنهايته على لوحات زيتية رسمت على قماش. شارك في رسم لوحات الفيلم، التي رُسمت لتحاكي أسلوب فان غوخ في الرسم واللون، 125 رساما، أنجزوا ما يفوق 62 ألف لوحة، أي بمعدل 12 لوحة لكل ثانية من ثواني مدة الفيلم (94 دقيقة)، واستغرق إنجازه زهاء سبع سنوات. يصحبنا الفيلم في رحلة تسعى لفهم الرجل خلف الأسطورة وخلف العبقرية الفنية المعجزة، خاصة الساعات الأخيرة في حياته، تلك الساعات التي سبقت إطلاقه النار على نفسه وموته. نُسج الفيلم بحب وإخلاص بالغين واتخذ الكثير من ملامح أفلام الغموض والجريمة والـ«الفيلم نوار» في محاولة فهم فان غوخ. لا يُقدم الفيلم منظورا واحدا لفان غوخ كإنسان وفنان، بل يقدمه من وجهات نظر متعددة، يعتمد فيها على شهادات من عرفوه في حياته وفي أيامه الأخيرة، لكلٍ منهم رؤيته الخاصة
لفينسنت ولكل منهم رحلته الخاصة معه.
تدور أحداث الفيلم حول محاولات شاب لتسليم رسالة كتبها فينسنت في أيامه
الأخيرة لشقيقه ثيو. الشاب هو أرمون رولان (الذي رسمه حقا فان غوخ في حياته القصيرة عدة مرات، والذي يقدم الأداء الصوتي له دوغلاس بوث)، أرمون يضطلع بمهمة تسليم الرسالة كرهاً وبدون رغبة حقيقية، ولكن نزولا على رغبة والده المسن، الذي كان ساعي البريد في القرية الفرنسية حيث يقيم فينسنت، والذي يكن له معزة خاصة. عندما يكتشف أرمون ان ثيو توفي بعد نحو ستة أشهر على وفاة أخيه، يبدأ الشاب رحلة لتسليم الرسالة لمن يعتقد أنه كان الأقرب لفينسنت، رحلة يسعى فيها لفهم ذلك الرجل الذي ظنه مشاكسا جالبا للغط والمشاكل، والذي يحبه والده كثيرا. يلتقي أرمون في رحلته التي يحاول فيها فهم لغز الساعات الأخيرة في حياة فينسنت بالكثير من الشخصيات والآراء المتضاربة. ويبدأ تدريجيا إدراك أن ذلك الرسام الذي بدا له مجنونا مختلا معتلا نفسيا كان يحمل قلبا كبيرا وحبا فائقا للحياة ولفنه الذي كرس له حياته القصيرة.
إذا نحينا من الاعتبار البناء الروائي للفيلم، لوجدناه يقدم رحلة مصورة جذابة
للغاية إلى عالم لوحات فان غوخ وفرشاته المميزة واستخدامه الكثيف للون، ولكن الحبكة الدرامية لا تخدم الصورة. يمكننا القول إن الحبكة في الفيلم لم تكن سوى أمر ثانوي هامشي، وضعت كإطار يضم أكبر عدد ممكن من لوحات فان غوخ. ربما ما نخلص إليه من حبكة الفيلم وبنائه الروائي هو أن فينسنت كان شخصا أُسيئ فهمه من قبل الكثيرين، لم يكن مجنونا أو مختلا أو معتلا نفسيا بل شخصا يكرس نفسه بكل ما أوتي من قوة لفنه.
يحاول الفيلم كشف لغز الأسابيع الستة الأخيرة في حياة فان غوخ، بعد مغادرته المصحة، التي ذهب إليها طوعا للتعافي نفسيا في بلدة سان ريمي جنوب فرنسا. خرج فان غوخ من المصحة مقبلا على الحياة، وفي حالة نفسية جيدة ليطلق على نفسه النار بعد ذلك بعدة أسابيع. ولكن الفيلم يسعى أيضا لتضمين أحداثه أكبر قدر ممكن من لوحات فان غوخ، ومن الشخصات التي برزت كموضوعات للوحاته، فيأتينا الفيلم مكبلا سرديا بهذا السعي الدائب لتقديم الصورة على حساب الحدث. رغم ذلك، قد يكون هذا الفيلم من الأفلام القليلة للغاية التي شاهدنها، والتي لا تحول فيها نقائص السرد من التجاوب النفسي مع الفيلم. رأينا عيونا كثيرة تدمع تأثرا بالفيلم أثناء عرضه الجماهيري الأول في بريطانيا في الناشيونال غاليري. وسمعنا شهقات انبهار وإعجاب الكثيرين
أثناء عرض الفيلم. ربما يمكننا القول إن جوهر الفيلم هو صورته ذاتها، وليس حبكته. اتخذ مخرجا الفيلم ولشمان وكوبيلا من الحبكة مجرد إطار لتقديم لوحات فان غوخ وأسلوبه المميز على الشاشة.
تقول إحدى شخصيات الفيلم عن فينسنت إنه كان مسكونا بهذه الرغبة لأن تضم لوحاته الحياة بكل تفاصيلها: حركة النسيم في الحقول، تمايل الأوراق مع النسيم، كل ورقة شجر أو نبتة صغيرة. وهنا يكمن تميز الفيلم رغم ضعف بنائه الروائي.
إذا نحينا جانبا الشق البوليسي لكشف الغموض في أيام فان غوخ الأخيرة، لوجدنا روح فينسنت تحدثنا عبر لوحاته التي بُثت فيها الحياة على الشاشة. كل التفاتة وحركة ولون نراها على الشاشة هي العالم كما بدا لفان غوخ، وكيف رسمه وصاغه في لوحاته. تأتينا روح فينسنت صادقة من فيلم حيك بحب ونسج بشغف ليبرز أعمال الرسام القدير.
ما يبقى معنا بعد الفيلم ليس فينسنت الرجل أو الشخص الذي يعاني نفسيا والذي يجتهد بطل الفيلم في فهمه، ولكن يبقى معنا فينسنت الفنان والرسام الفذ
الموهبة، الذي رأينا جزءا من موهبته الدافقة على الشاشة. يقدم الفيلم بصدق
واقتدار كبيرين هذه العبقرية الفنية التي صاغتها روح مجهدة مثقلة بحب الفن
والحياة، معذبة في مسعاها للكمال.

 

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

عن الليل والعتمة يكتب القاص والكاتب ”ناصر الريماوي“

-ناصر الريماوي-   ما الذي يمكن أن يحدث لرجل وحيد عند الساعة الواحدة فجرًا؟ هو …