سرد

عروض السينما الجوّالة تجوب المناطق اللبنانية

منال عبد الأحد

«أحيانًا كنت أحاول إيجاد الكلمات لأقول ما أشعر أو أفكر به، لم أفلح دائمًا على ما أظن، وهذا ليس بالأمر المعيب. لا أرى أنّه عليّ أن أمتلك الإجابات دائمًا، ربما عليّ أن أبحث عنها». فتّشت ريم المهتار عن إجابات كثيرة فدرست السينما، بحثت أكثر فساهمت مع مجموعة من الشباب في وضع مداميك مبادرة السينما الجوّالة Movies On The Move.
Movies On The Move هي مجموعة مستقلة من الشباب الذين وضعوا نصب أعينهم هدفًا واضحًا هو إحداث التغيير الإيجابي في المجتمع من خلال السينما، سينما جوّالة باستطاعتها بلوغ أكبر عدد ممكن من الناس، فكثيرون لا يمكنهم الوصول إلى صالات السينما غير الموجودة في كل الأماكن، ناهيك عن الطابع التجاري الذي تتّخذه.

جامع الفنون
ووفق فارس مرعي من مجموعة Movies On The Move وهو ابن التسعة عشر ربيعًا فإن «السينما هي الفن السابع الذي يجمع كل الفنون، السينما لها تأثيرها في التفكير البشري المعاصر، لذا نريدها أن تكون متوافرة للجميع خارج صالة مقفلة».
ويضيف مرعي: «نعرض الأفلام غير التجارية التي لها قيمتها الفكرية وأبعادها الثقافية، ولديها مضمون دسم من ناحية الأفكار وتعكس واقعًا معينًا».
Movies On The Move التي تسعى إلى التوسع لتغطي كل مساحة لبنان، بدأت تمارس أولى نشاطاتها في قضاء عاليه بحكم انتماء القيّمين عليها إلى أمكنة مختلفة في هذا القضاء، فكان من السهل عليهم التحرك بخطًى واثقة ضمنه في البداية. وما إن بدأت الفكرة بالانتشار حتى لاقت استحسانًا جماهيريًا بخاصة في أوساط الشباب، فتلقى فريق العمل اتصالات لتقديم العروض في صيدا والشوف والرميلة إلا أن الإمكانات المادية الضئيلة قد وقفت عائقًا أمام التوسع السريع هذا. ولكن يصرّ ريم وفارس، المتحدثَان باسم فريق عمل Movies On The Move، على أنهم سيخطون هذه الخطوة عاجلًا أم آجلًا حتى لو اضطروا إلى التمويل الذاتي الذي هو الوسيلة المتبعة حاليًا مع المساعدة التي يقدّمها بعض الأصدقاء الذين زوّدوهم بالأجهزة الصوتية، فيما اشتروا هم الشاشة من أموال جمعوها في ما بينهم. ومن هنا جاءت خطواتهم هادفة وثابتة في آن.
ولدت فكرة Movies On The Move من تلك الحاجة الملحّة إلى لامركزية الفنون وبخاصة السينما كي لا تكون حكرًا على فئة معينة من سكان ومرتادي العاصمة، فكانت السينما الجوّالة التي تأتي إليك عوضًا عن أن تذهب أنت إليها، فتشارك فيها من دون عائق، هذه المادة المستساغة والمسلّية والتثقيفية في آن.
تأتي الأفلام المعروضة في صميم احتياجات المجتمع لتجيب عن تساؤلاته ومشاغله وتطرح على بساط البحث مفاهيم قد تكون شكّلت ثوابت في ما مضى. حيث يتم اختيار تيمة معينة كل أسبوع ويجري اقتراح ثلاثة أفلام ضمن هذه التيمة على أن يختار الجمهور عبر صفحة المبادرة على موقع «فايسبوك» الفيلم الذي سيتم عرضه. وتلي العرض جلسة نقاش يجري خلالها تداول كل الأفكار المتعلّقة بالفيلم وتبادل الآراء ووجهات النظر في هذا الخصوص. وانطلاقًا من إدراك القيّمين على Movies On The Move حاجة الشباب إلى منبر يعبّرون فيه عن مواهبهم وتطلّعاتهم أفسحوا في المجال أيضًا أمام الموسيقيين الشباب للمشاركة بالعزف بعد جلسة النقاش، فتنشأ «سهرة نار» عفوية.

أفلام للنقاش
وهنا تجدر الإشارة إلى أن Movies On The Move تؤكّد أن الأفلام التي تعرضها لا تمثّلها بل هي نابعة من عمق هذا التنوع المجتمعي والفكري الذي يميّز فريق العمل أيضًا. فهم يختارون الأفلام التي تطرح نقاشات، حيث تسعى المبادرة إلى كسر الحواجز المناطقية وإزالة الانقسامات والتراكمات، فتعود فئات الوطن إلى الانصهار في بوتقة الشاشة العملاقة ومفاهيمها لما تعرضه.
وتأخذ السينما الجوّالة هذه من الأماكن العامة في طبيعة لبنان الجميلة مركزًا لها، بحيث كانت العروض خارجية طيلة فصل الصيف وتجرى مرة كل أسبوع، على أن تبدأ مرحلة العرض الشتوي في أماكن مميّزة تحكي قصصًا عابقة بالتاريخ، أماكن تحاكي روحية Movies On The Move ويتم العرض مرة كل أسبوعين.
وتقول المهتار: «نحن في Movies On The Move لدينا تطلّعات كثيرة نحو الانتشار على مستوى أوسع، ولذلك نبحث عن تمويل قد يساعدنا في ذلك شريطة أن لا يؤثر في فكرة عروضنا ونوعيتها، فنحن نرغب في أن نطوّر أنفسنا تقنيًا ونعرف أن ذلك سيحدث عاجلًا أم آجلًا».
تتطلّع Movies On The Move إلى إعادة إحياء الموروث السينمائي اللبناني الذي بلغ العالمية، وما زالت إنتاجاته تُعرَض حتى اليوم على الصعيد الدولي، مثل أفلام مارون بغدادي وبرهان علوية وجورج نصر على سبيل المثال. إذ تحاول هذه المبادرة تعزيز الدعم الجماهيري للمشهد الثقافي اللبناني، من خلال عرض الأفلام ذات القيمة الفنية وتلك التي تتميّز بمضمونها الإنساني والفكري والثقافي.
ولقد كان العرض الأخير حتى الآن هو العرض الداخلي الأول لـ Movies On The Move في فندق عريق مهجور في عاليه. وتضمّن عرض أفلام قصيرة من مشروع «زيارة» الذي يحكي قصصًا مؤثرة وبطولية من لبنان تترك بصماتها في حياة مشاهديها.
وفي هذا الإطار تقول المهتار: «يحتاج مشروع «زيارة»، برأيي، إلى أن يصل إلى جمهور خارج نطاق المعتاد، فهم يتطلعون إلى إيصال القيمة المضافة الموجودة في «زيارة» إلى عدد كبير ومختلف من المشاهدين». وتضيف: «ونحن بالنسبة إلينا في Movies On The Move فإن فكرة التشارك والحب هي عماد مبادرتنا هذه».
وتعود بنا المهتار إلى أهمية السينما الجوّالة فتقول إن «ما من شيء ثابت في الحياة، إن الأماكن فقط هي التي تبقى ثابتة مدة معينة إلا أنها تعود فتتغيّر، حتى حركة الكواكب تتغيّر»، وتردف: «إنها سينما جوّالة لأنها بهذه الطريقة تصل أسرع وعلى نطاق أشمل، فمن الممكن أن تكون الطامة الكبرى في الثبات الذي يعيق تطوّرنا، إذ نحن في حركتنا نعيش تجارب عديدة نتقدّم من خلالها».

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق