سينما و تلفزيون

“واجب” لآن ماري جاسر .. حين تختبئ السياسة خلف نقد قاس للمجتمع “النصراوي”

يوسف الشايب

لا يمكن القول إن فيلم “واجب” لآن ماري جاسر، مرشح فلسطين للمنافسة على جائزة أفضل فيلم سينمائي أجنبي (غير ناطق بالانكليزية)، يعرّي المجتمع الفلسطيني عامة، وإن كان لا يخلو من انتقادات سياسية ومجتمعية في حوار بين شادي وأبيه، وجسد دور الثاني الفنان محمد بكري، والأول ابنه صالح بكري، بل هو فيلم يعرّي، على وجه الخصوص المجتمع “النصراوي”، بمعنى مجتمع الفلسطينيين الصامدين على أرضهم في مدينة الناصرة منذ النكبة عام 1948.

الحوار الذي يدور بين الأب الذي تركته زوجته وابنه وابنته للارتباط بشخص أحبته الزوجة وأقامت معه في الولايات المتحدة الأميركية، وبين الابن المقيم في إيطاليا مع صديقته، ابنة أحد كبار القيادات السابقة في منظمة التحرير الفلسطينية، يتناول على هامش الحكاية البسيطة القائمة على عودة الابن المؤقتة لمساعدة والده في التجهيز لزفاف الابنة، الكثير من القضايا الإشكالية، ما يتقاطع في بنيته مع عديد الأفلام التي قدمتها السينما اللبنانية مؤخراً.

في الحوار، البطل الأول للفيلم، اختبأت السياسة خلف الكم الهائل من النقد المجتمعي، لكنها كانت تطل برأسها بين فترة وأخرى، وبشكل فاقع وصاخب، كما في ذلك الحوار الذي يتهم فيه الأب والد صديقة ابنه، الكادر في منظمة التحرير بالفساد، بل أوحى بوضوح إلى أنه وكثير ممن هم على شاكلته “بنوا قصورهم” على حساب جيوب الشعب، وفي المقابل اتهم الابن الغاضب والده بالاستكانة لسلطات الاحتلال، لكونه يتعامل معهم، هو المدرس في مدرسة تابعة لوزارة “المعارف” الإسرائيلية، خاصة حين رغب بدعوة روني، أحد المسؤولين في الوزارة، على ما يبدو، لحفل زفاف ابنته، هو الذي وصفه الابن بـ”عميل الشاباك”، في حوار صاخب انتهى بشتيمة كبرى وجهها الأب لابنه.

سطوة الحوار الذي كتبته المخرجة نفسها، كما حال الغالبية العظمى للأفلام الروائية الفلسطينية، حيث المخرج هو الكاتب، أخفى الكثير من الإمكانيات المذهلة على صعيد الأداء لكل من محمد وصالح بكري كفنانين مبهرين بالعادة، لكنهما استطاعا تقديم وجبة فنية طازجة فيها من الكوميديا السوداء الكثير، رغم حصارهما الزمكاني في أربع وعشرين ساعة أو يزيد قليلاً، وداخل سيارة عتيقة أغلب الوقت، وإن كان الأمر لا يخلو من دلالات لها علاقة، ربما، بالحصار النفسي والجغرافي الذي يعيشه الفلسطينيون عامة، و”النصراويون” على وجه الخصوص.

وبالعودة إلى حكاية الفيلم فقد اعتمدت المخرجة الكاتبة، التي قدمت أفلاماً مهمة كان آخرها “لما شفتك”، وسبقه “ملح هذا البحر”، على حبكة “توزيع بطاقات حفل الزفاف” لرصد الحكايات “النصراوية” المتناثرة للمدعوين، وكشف كذبات الأب الصغرى حول ابنه، من بينها أنه درس الطب بينما هو مهندس معماري، وأنه يعيش في أميركا ليس في إيطاليا كما في واقع الحكاية، وأنه يبحث عن عروس في الناصرة، من باب التصالح مع المجتمع!

وفي هذا التحرك، وما رافقه من حواريات، ذكاء كبير لتبرير درامي راق للغوص عميقاً في مجتمع يدرك تفاصيله منتج الفيلم أسامة بواردي ابن الناصرة، وزوجته المخرجة آن ماري جاسر التي باتت على اطلاع عن قرب على هذا المجتمع.

كان ثمة في الفيلم اختراق مبرر أحياناً، وغير مبرر أحياناً اخرى، لـ”التابوهات”، التي لا يجب للفن الانضواء تحت عباءتها، بل خُلق من أجل تحطيمها، لكن شريطة أن يكون ذلك في إطار التوظيف غير المقحم لأي منتج فني.

وفي حالة “واجب”، كان هناك حديث عن فساد في منظمة التحرير، وعن تعايش الفلسطيني الذي يحمل الجنسية الإسرائيلية رغماً عنه مع سلطات باتت دولة معترفاً بها منذ سبعين عاماً بمبرر أو دونه، وعن الكبت الجنسي، وعن مطعم الحمص والفول الذي يستقبل جنود الاحتلال في مدينة تعتبر رسمياً إسرائيلية، بينما كل ما فيها فلسطيني، وعن “الداعشيين” من أبناء المدينة وعلاج “الدواعش” القادمين من سورية في المشافي الإسرائيلية، وعن ابنة العم التي كانت تعيش مع عشيقها دون زواج وتركها وتزوج غيرها، وعن “الزبالة” المنتشرة في أزقة الناصرة، ودور البلدية، والاستخدام المسيء للمعمار في واحدة من “أقدم المدن بالعالم”.

وفي تفاصيل الفيلم كثير مما يقال، لكنه في الجانب الفني، متقشف بما تتطلبه الحكاية على مستوى الصورة التي لم تخل من جماليات اعتدنا عليها من آن ماري جاسر، ومن المميز خلو الفيلم من استعراض عضلات غير مبرر لمخرجة أثبتت حضورها كواحدة من أبرز المخرجات الفلسطينيات عالمياً، وأن النص لا يخلو من سلاسة وكوميديا موجعة جعلته محبباً، وانعكس في شكل قهقهات غصّت بها القاعة كما المتفرجين الذي لم يجدوا لهم مقاعد فجلسوا في الممرات، فهو يحكي الناصرة العابرة للأجيال، ولا أدري إن كان ينتصر لفكرة البقاء في الوطن، أو مغادرته، أو لكليهما معاً بترك النهاية مفتوحة على كل الاحتمالات، كما هو حال احتمالات ما ستؤول إليه القضية الفلسطينية برمتها، أو مصير “النصراويين” في كيان يسعى لتكريس نفسه “دولة يهودية”.

لكن الفيلم، وكما رأيت، ينتصر لعودة كل من الأب وابنه لحقيقة كل منهما الداخلية، أو للمصالحة مع الذات، عبر عودة إلى السيجارة التي كان يتناولها الأب بالسر خشية انتقاد ابنه له بعد عملية “القلب المفتوح”، والتي ادعى الابن أيضاً تخليه عنها، وعبر فنجاني القهوة على الشرفة المطلة على المدينة، كما يطل الفيلم، وكأن كلا منهما قرر الإعلان عن نفسه أمام الآخر كما هو، وسط حالة من الضبابية حول إمكانية حضور الأم لحفل زفاف ابنتها، وبات مرجحاً بعد وفاة زوجها في أميركا، وحول ما إذا كان الأب المدرس الذي عانى الأمرّين في التعاطي مع المسؤولين الإسرائيليين للحفاظ على وظيفته، ما يكفل تربية لائقة لأبنائه، كما أكد، قدّم دعوة الزفاف لـ”روني” من عدمها، وهو ما كان على مدار الفيلم مصدر خلاف كبير وصل مداه بين الشخصيتين المحوريتين لـ”واجب”: “أبو شادي” و”شادي”.

(الايام الفلسطينية)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة