.15قصة

”المومياء“.. قصة للمغربي ”حسن لشهب“

-حسن لشهب-

 

تحركت أجفاني حركات سريعة، كنت أشعر وكأنني خارج لتوي من حالة نوم عميق، نوم غمرتني فيه كوابيس شتى …
رغم لحظة اليقظة لم أكن أميز بين الحلم و الواقع، فقد كنت كالمومياء ملفوفا في الضمادات من قمة رأسي إلى أخمص القدمين.
عضلاتي واهنة و ذهني مشتت و كأنني أعيش حالة هذيان، شفتاي متشققتان  و ملتصقتان، تنزفان بمجرد ما تراودني رغبة في الكلام.
عالمي ”خير و سلام“، كله أبيض في أبيض، و من أراهم من الناس يلبسون البياض، ملائكة أو شياطين لا أعلم؟!
ما أذكره في تلك اللحظة أنني قضيت الليل كله في عراك معها، بعضها قضى بضربة حولته إلى غبار، و بعضها أحرقته بالنار حين حاول قضم جزء من جسدي، معركة استنفذت قواي كلها.
من جديد أشعر بهم يتهامسون من حولي، دوخة تلف كياني، كأنني منتش ليس أكثر، وقد يكون أحدهم دس لي مخدرا في الكؤوس التي يجتهدون في تشجيعي على تجرعها مرغما، أحيانا تنبري إحداهن بابتسامة جذابة وعينين مغريتين لتطلب مني تناول المشروب بلا مقاومة.
بهدوء يتهامسون، والهوينى يتحركون، عيناي غائمتان.. أحاول استيعاب كل ما يجري في كل لحظة وحين، والكشف عن مخططات الموميات والشياطين، أدرك أنهم مصرون على التحكم  في مصيري…
تصور أن تكون تائها في الظلام وتتهاوى على جسدك ضربات مجهولة المصدر، تسمع إغلاق باب حديدي من الصرير الذي يحدثه تشعر به ثقيلا كالقدر، وبين الفينة والأخرى تلمع نجوم في الظلام جراء صفعات تنزل على خديك من حيث لا تدري، ويضربون ويضربون بلا رحمة وبكل قوة يضربون، كأنهم كائنات سوداء نزلت لتوها من غابة مظلمة مخيفة.
في لحظة التقت شرارات النجوم لسبب ما والتهب الكون كله كأن النار التي تعالى لهيبها داخل أعماقك لم يكن من الممكن تخفيف حرارتها إلا بنار أشد وهجا وحرارة.
كثر اللغط والهرج والمرج، كنت أسمع الأصوات من كل حدب وصوب الخافت منها والمتعالي  مثل صوت سيارة الإسعاف حادًّا كان منبعثا من الآفاق، كان ثمة صوت سيارة إطفاء فيما أعتقد، وفكرت أنه من الطبيعي أن يوجد حتى في عالم الزومبي والشياطين شخص يفكر في طلبها فتحضر هذه السيارات بكل صخبها المعتاد والمعلوم.
أتذكر أنني كنت ممددًا فوق الإسفلت وسط بركة دم وبنزين، أصوات وأحذية عسكرية تتقاطع في كل الاتجاهات وشيئا فشيئا اتخذت الأشياء بعض الوضوح تزايد مع مرور الوقت وحلت بالمكان فيما بعد ظلمة تكاد تكون شهية ولذيذة..
غاب النور الصافي الهادئ، وابتلع الصمت الضوضاء التي سادت المكان وغاصت المدينة في الفراغ….
تحولت إلى مومياء  منتشية أو تكاد…
لم يترك لي الأوغاد أي شيء…
لم الكد ولم التعب
ضريبة على الدخل والسكن
تأمين عربة الخضر
فواتير الماء والكهرباء
مصاريف دراسة الأبناء
حاجات الأم والإخوة
رباه ما الذي تبقى،
ما الذي تبقى بعد؟
لقد أخذوا كل شيء، فلم الكد والشقاء، ما الفائدة في غياب النتيجة، لم التعب المضني عبر الأزقة والأسواق ،لم التفنن في التغني بجمال الطماطم والتفاح، لم إغراء الزبائن لاقتنائها بلا أرباح ذات بال.
كل صباح كان من المفروض التكيف مع الرصيد الذي رسمه القدر، كان هذا هو التحدي الأزلي…
أن تفكر وتتجنب الغرق في لجة الخصاص، ويكون عليك الاختيار إما الصوم وإما مواجهة لعنة أفواه مفتوحة على الدوام.
سيجارة تلو الأخرى تؤلمك معدتك الفارغة تراوغها بقضم ما يقع تحت اليد فوق العربة، صارت الأسنان نخرة تعلوها صفرة ، وشفتاك علاها سواد غير قابل للزوال ولو بصابون تازة…
كل يوم كنت ألتقيها في الساحة وهي تحرك ردفيها الثقيلين، ترمقني بنظرات متوعدة، تضرب بيدها اليمنى كفها الأيسر بعصا الشرطة…
فكان ماكان، تحركت نار الكرامة الجريحة حين نزل كفها على خدي الأيمن…
مجرد حدث معتاد عرضي وعابر…
مومياء ولدت وسط الساحة وغلفت  الأشياء والناس ظلمة ساكنة ولذيذة تلتها لحظات غزاها الوميض والنار!

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة