.15مسرح موسيقى

مسرح مصر… كوميديا رمضانية من العيار الخفيف – كمال القاضي

 نستطيع الجزم بأن عهد الخطابة المسرحية قد انتهى في ظل التجربة الفريدة التي يقدمها أشرف عبد الباقي منذ سنوات، ويستمر فيها بنجاح منقطع النظير، فرقة مسرح مصر لم تعلن عن توقفها في رمضان كبعض الفرق المسرحية الأخرى، التي ترى في الكوميديا نمطاً غير ملائم للشهر الكريم وتجمد نشاطها إلى حين، بل العكس هو الذي حدث في التجربة المسرحية الشبابية التي حطمت كل أشكال الإبداع التقليدية واستحدثت لوناً فكاهياً جديداً ومختلفاً، يقوم على أفكار بسيطة وثيمه معاصرة وأسلوب تلقائي في الأداء التمثيلي يجافيه التكلف وتغلب عليه روح المرح المنبثقة من المواقف المكتوبة بخفة، بدون العناية بالقواعد المتعارف عليها في المسرح العربي والمصري.
الفرقة التي يقودها أشرف عبد الباقي، والتي صار كل ممثل فيها نجما يشار إليه بالبنان، تأسست منذ بضع سنوات فقط، ولأنها انتهجت نهجاً مغايرا للسائد، استطاعت أن تكوّن قاعدة جماهيرية عريضة، بدأت بالشباب وانضمت إليها شرائح أخرى من كل الأعمار، رأوا في ما يقدم تعويضاً عن كوميديا راقية مفتقدة غير مسفة، تبتعد عن التقعير والتنظير، وتمثل الهموم الاجتماعية والإنسانية المتصلة بواقع الشباب وحياتهم اليومية، ومداراتهم الفكرية والثقافية واهتماماتهم البسيطة والعميقة، فضلاً عن الطريقة المبتكرة في العرض والأداء، وهي الأقرب في الإقناع والتواصل والتغلغل داخل عقل ووجدان المشاهد، كل حسب درجة وعيه وإدراكه وشعوره، وهو الامتياز الأكبر الذي دفع بالتجربة إلى تحقيق مستويات متصاعدة من النجاح والإبهار والتماس.
لقد لعبت تجربة مسرح مصر دوراً رئيساً في اكتشاف الممثلين الشباب وبلورة قدراتهم التمثيلية وتسليط الضوء على مواطن التألق في أدائهم الطبيعي الفريد، وكانت التجربة ذاتها مسوغاً فنياً مهماً ساعد في وصولهم إلى السينما ودخولهم من باب كبار النجوم، فقد سعى إليهم المنتجون لتعزيز نشاطاتهم الفنية، بقصد الربح واستغلال مواهبهم، الاستغلال الاقتصادي الأمثل في شباك التذكر، بعد ضمان المراهنة وقراءة معطيات النجاح قراءة بينيه دقيقة، والتأكد من نجاح عملية الاستثمار في المستقبل القريب.
ومن أبرز المواهب الصاعدة في السينما، على خلفية النجاح المسرحي، الشاب علي ربيع الذي احتل موقع الصدارة، فحظي بعروض مهمة في هذا العام والعامين السابقين، ففُتحت له آفاق عديدة وأثبت جدارة في بطولات سينمائية ودرامية، من بينها مسلسل «سك على اخواتك» وهو مسلسل كوميدي مشتق عنوانه من المسرحية الشهيرة للفنان الراحل فؤاد المهندس «سك على بناتك»، ويزيد على ذلك تواجده اليومي طوال شهر رمضان في أداء شخصيات متنوعة على خشبة المسرح، الذي كان سبباً في اكتشافه ونجاحه، وكذا أخذ بقية الممثلين الشبان نصيبهم الوفير من الشهرة والنجومية، حمدي الميرغني ومصطفى خاطر ومحمد عبد الرحمن ومحمد أسامة ومحمد أنور وكريم عفيفي وسارة الدرزاوي ودينا، فقد تعددت أعمالهم الإبداعية المتميزة في مجالات شتى، حتى إن شركات الدعاية والإعلان التفتت لمواهبهم فاستعانت بهم ليكونوا وجوهاً لامعة على شاشات الفضائيات، كمروجين لسلعهم ومنتجاتهم، مستغلين في ذلك تأثيرهم الشعبي وقبولهم لدى الجماهير.
تذهب التقييمات والآراء وتبقى المحاولات الإبداعية الجيدة والتجارب الناجحة محل الاهتمام الحقيقي، فلا يمكن لعمل فني معتنى به ومصروف عليه بسخاء أن يذهب أدراج الرياح، فالفن الذي يطرح نفسه بعفوية وصدق يظل هو المفضل لدى السواد الأعظم من الناس، والأبقى في الذاكرة الجمعية، فإن انتهى العمل بانتهاء دورته الإبداعية يظل الصدى موجودا وقويا ومؤثرا.

المصدر: القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة