.15إضاءات

الشعر بين المعاصرة والحداثة – محمد الديهاجي

تعني المعاصرة في بعدها العام، التواقت والتزامن بين مجموعة من الظواهر. وفي مجال الشعر، نفهم منها أن المشتغلين في هذا المجال، يعيشون في عصر واحد، ويتزامنون في ضرورة التأثُّر بشروط حضارية يعيشونها، وكذا في ضرورة استلهام أفكارها. كما أن هؤلاء الشعراء الذين يجتمعون تحت لواء المعاصرة يُحركهم هاجس واحد هو الرغبة في الخروج بالشعر من مثالب القدامة إلى مضمار التحديث مظهرا وروحا. فليس المهم عند عز الدين إسماعيل «بالنسبة للتجديد هو ملاحظة شواهد العصر، ولكن المهم هو فهم روح العصر». وإدراك روح العصر لن يتم إلا باتخاذ موقف واضح ومحدد من الماضي والمستقبل، وأن يصبح هذا الموقف جزءا من قناعتنا في هذا الوجود، وأن نربطه بالزمن المعاصر ربطا وجدانيا.
هنا، تحديدا، يغدو مفهوم المعاصرة جسرا يقود حتما إلى مفاصل الحداثة. وبالإمكان حسب خليل أبو جهجه، إبراز التمايزات «بين مفهومات المعاصرة، والحداثة، والجدة، على أساس أن المعاصرة مفهوم له دلالة زمنية تعني التواقت والتزامن بين ظاهرتين أو حالتين أو فعلين، ضد حيز زمني واحد. أما الحداثة فهي ذات دلالة زمنية، لأنها تعني كل ما لم يصبح قديما، وقد تكتسب حكما تقويميا إذا ما قورنت بكل عتيق لأن الحداثة نقيض القدامة».
إن لفظ الحداثة يستقي مفهومه أصلا من (حدث)، في حين أن مفهوم الحداثة الغربية Modernite مشتق من الجذر Mode ، التي تعني الصيغة أو الشكل أو ما يتبدى به الشيء. إن الحداثة كمفهوم كلياني يحمل في طياته بذور التجاوز والتخطي المستمرين، يرتبط ارتباطا وثيقا بالحدث. بمعنى أنه ليس هناك حداثة بدون حدث، أي الفعل المضاد والمعاكس أو بالأحرى الفعل المغاير. وكلما كانت هناك حداثة، كانت الدهشة والقلق والتساؤل. فالحداثة هي انفجار دائم في المكتسبات، وحضور متميز للآخر في الأنا، أي هي تلك الهوية التي تنهض في زمن ما ومكان ما بالحوار المستمر بين الأنا والآخر. إنها النسق المتشكل في التعدُّد المُشبع بـ«وحدة التنوع» أو «التنوع المتعدد»، وبذلك تكون الحداثة حوارا مسجورا بالكشف، وتجاوزا مطلقا للمعيش والنمطي – الأنالوجي.
وفي ضوء ما سبق يتضح أن ظواهر الحداثة تنبني أساسا على منطق العصيان المستمر، والتجاوز الدائم، وعلى ثنائية « الماضي والمستقبل». فبالثورة التي لا تنقطع تنزع الحداثة نحو المستقبل. والشعر الحداثي لا يجيء من الماضي، بل من الحاضر والمستقبل، من الآن وهنا وهناك. هذا الكلام لا يعني إطلاقا القطيعة الكلية مع التراث، ورفض الماضي، بقدر ما يعني تجاوزه بالتفكيك والغربلة. لا مراء إذن في أن الحداثة ترى أن لحظة الشفافية تأتي من المستقبل لا من الماضي، وأن الشعر الذي لم يُكتب بعد هو أرقى وأسمى من الذي كُتب. إلا أن بلوغ هذه اللحظة الشعرية التّشوُّفية ، تشترط أولا العودة إلى التراث لا من أجل تكراره، وإنما من أجل مساءلته وغربلته ومراجعته انطلاقا من منظور نقدي لا قياسي، إذ لا يُمكن الحديث عن نص يُكتب من فراغ. إلا أن هناك اختلافا بين الشعراء في فهم الماضي، وهو اختلاف صحي وطبيعي يشي بنوع من الحيوية، ويُؤسّسُ، حتما، لمبدأ «الاختلاف داخل الائتلاف». والاختلاف المفرط مع التراث يزُجّ بالحداثة في بعدها التغريبي، وكذلك الائتلاف المفرط يزج بها في التنميط والتحنيط، يقول أدونيس في هذا السياق: «الاختلاف المفرط عن تراث اللغة التي يكتب بها الشاعر هو الموت، أي هو التبخر كالدخان، بالقياس إلى نار هذه وجمرها، والائتلاف المفرط هو الموت أيضا، أي التخثر كالحجر».
ولا بد من الإشارة إلى أن مفهوم الحداثة مفهوم شمولي، وأنها ثورة دائمة بتبنيها لمسوغات التجاوز بغاية الجدة والإضافة (الإبداع). ولبلوغ هذه المرحلة من الإبداع، لا يكفي التراشق بالمصطلح واستهلاكه، وإنما يستدعي الأمر ضرورة المشاركة في إنجاز الفعل كفاعلين لا كمنفعلين. فالمساهمة في الفعل التحديثي، في العمق لا في المظهر، هي إحدى اشتراطات الحداثة.

* المصدر: القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة