.15رواية

العالم يغفو على الحكايات – كامل سياريتش

قرأت له ذلك الصباح شيئا من كُتبي. أصغَى وصمت. وعندما قُلت له إن مَن كَتب هذه الكتب “شيرآن” سألني مَن هو؟ وقلت له إنه أحد الفرس الحكماء العلماء الذي مات قبل مئة عام، وترك وراءه مئة كتاب لم أجد أكثر منها حكمة لا من قبله ولا من بعده، وأُعجب هو بذلك، ولكنه لم يفهم ما هو!

كان من الضروري أن أوضح له وأقول بأنه إنسان كتب طوال عمره قصائد وقصصاً بليغة عن الناس، كيف كانوا وماذا صنعوا، أَخَيْراً كان أم شَراً، حتى يتعلم منهم اللاحقون، ولكي تبقى صورهم في صميم الكون.

قلت له إن في كُتب “شيرآن” هائمين، وتائهين، وفاسدين، وفيها إمبراطوريات وممالك، وفيها أبطال، وشحّاذون، فيها الحمقى والأذكياء، وفيها المتواضعون، والجشعون، وفيها السعداء والعاثرون الحزانى، والمَرِحون، تماما كما ولدتهم أمهاتهم، وحدَّد لهم القدر مصائرهم.

قلت له إن كُتبه لديَّ وأقرؤها، وأجد فيها كل ما أحتاجه، وأتناجى من خلالها مع “شيرآن”.

أمد يدي وأمسك الكتاب وأقول تعالَ يا “شيرآن”: إنني وحيد والليل طويل.. تعالَ لنتحاور ولكي تقول لي هذا وهذا وما هذا وهذا.. ما هذا العالم يا “شيرآن”. ويأتي هو إلى هنا ولا أعود وحيداً.. أكون مع الناس ممن كانوا هنا في زمان ومكان ما، ولم يعودوا أحياء.. وبقيَتْ بعدهم الحكايات.. ولو لم تبقَ هذه الحكايات، لم يكن ليعرف أنهم كانوا أحياء في زمن ما.. ولم يكن ليعرف لماذا عاشوا ما خلا أنهم كانوا يأكلون ويشربون يا “شيرآن”.. ولكي يلد “حسن” “حُسيناً”.. ولماذا يلد “حُسيناً” إذا لم تبقَ بعده حكاية الحارسة التي تحرسه لكي يحيا بعد موته يا “شيرآن” لكي يكون له آنية رماد تومئ بما كان عليه “حسن” أبو “حُسين” في ذلك الزمن.

وقُلت بعد ذلك لسيدي:
– سألتَني يا سيدي، وأجبتك مَن هو “شيرآن”.

وبادرني:
– يبدو لي أن “شيرآن” هذا قد كتب الكتب لكي يُسلِّي الخدم.

صمت وفكَّر ثم وكأنه يُبدي الحكمة:
– وجدت لدى الناس من الخدم والعبيد الذين أَسَرتهم في الحرب مع مرور الوقت ضرورة غريبة لرواية الحكايات الفارغة، لكي تهربوا من حاضركم إلى عصر غابر قديم، وتعيشون هناك مع الأموات: وهذا أيها الخادم هو مثلما تذهبون بإرادتكم من البيت وتقبعون في المقابر.. تنامون في المقابر وتبقون هنا لكي تنادوا: أنت أيها الميت “حسن وحُسين” أخبرنا مَن كنت؟ وكيف كنت؟ لكي نتحدث بذلك للملأ!

قلت له: إن العالم يغفو على الحكايات!

قال هو:
– لقد خبرته ينام على حد السيف.. القصص تُنيم والسيف يُوقظ!

الحكاية أيها الخادم، هي ضباب تُعبره ولا تعرف إلى أين، والسيف وحده يقود إلى الأمام.. خرجت – وكان ذلك في غابر الأيام – عند مطلع الصباح إلى السهل متمنطقاً بالسيف على خصري وحولي العشب، وعلى العشب الندى. وتُشرق الشمس من وراء الجبال البعيدة.. أخرجت سيفي من غمده وأشرعته لكي تلتمع الشمس على حَدِّه.. لم ترَ ذلك يا خادمي ولكنني رأيته.. لم يعد السيف سيفاً عندها، كان شُعاعاً من الشمس سيشتعل في يدي.

وقلت لك إن العشب والندى كانا في الأسفل.. لا يوجد في قصصك ما يلذع.. لا سيف فيها ولا ندى ولا عشب لا ولا سهل أخضر هناك، إلا تلك العتمة والضباب التي يروي لك عنها صاحبك “شيرآن” الترَّهات!

رفضت قوله بأنه يروي الترهات..

– حماقات.. حماقات.. ولكنني أفهمه يا خادمي.. كل مَن يتهاوون يعتمدون على الحكايات.. لا بد أنه كان لصاحبك “شيرآن” شأن كبير- أفعال، ملكيات، شهرة – وفقدها وبقي له من كل شيء المحابر والورق ليكتب عما كانه في زمن ما وما ملكت يمينه.. وعن ماذا كان أمر الآخرين وما بحوزتهم وفقدوه وبقوا عُراة مثل الإصبع يا خادمي! أتعرف يا خادمي من هو الرجل الذي كان يملك ولم يعد لديه شيء؟ أعرف بأنك لا تعرف.. أعرف يا خادمي أن لا أحد يعرف ذلك ولا أعرفه أنا.. لا أستطيع أن أعرف.. لا أستطيع يا خادمي أن أعرف كيف يتلاشى الناس وتتلاشى الأطيان.. يأخذها الماء.. يأخذها الزمن.. إلى أين يا خادمي ولماذا؟ ستقول لي لكي يرووا الحكايات، وسأقول شيئا آخر يا خادمي: يقترب منا يوم القيامة.. اليوم الأخير.. يصل الموت إلى مَن يريده والحياة لمَن لا يريدها.. ستتلاشى الجِياد وتبقى الحمير!

قلت له:
– لا.
– قف!

قال لي. وصمت وتطلع إلى البساط ممعناً النظر وواصل
– عادني أحد أصدقائي قبل يومين، ودعني لا أذكر اسمه، يكفي أن أقول إنه صديقي، وله من الأطيان ما لا يمكنك قطعها طوال يوم ركوباً على الحصان دفع ثمنه للعبيد الذين أَسَرهم في هنغاريا.. كنا معاً في هنغاريا وحاربنا معاً هناك يا خادمي.. لوَّح بسيفه وهتف: يا شاه.. باديشاه! يا شاه.. باديشاه! وأسر قرية هنغارية. يا شاه باديشاه وأسر مدينة هنغارية. يا شاه باديشاه! وأسر القلعة الهنغارية والأبنية المرتفعة، وكل ذلك من أجل السلطان وباسمه، وأخذ الله بيده وبسيفه ووصل يا خادمي إلى حيث لم يصل أحد من رجال السلطان.

لو أن صاحبك “شيرآن” حي، لكان روى عنه مئات الحكايات، ولحُسن الطالع أنه ليس حياً.. وليتوقف الكلام عن هذا الأمر.. سأروي لك أنا وأدْفن ما تسمعه، وَضَعْ حجراً عليه حتى يُنسى ولا يُعرف!

جاء عارياً وحافياً. وكما قال الأمير “ميلوش”: لن تبقى في صربيا مزقة خضراء.

لم يبقَ له يا خادمي موطئ إصبع تضغط عليه. حافياً وعارياً مثل إصبع بلا كُشْتُبان يا خادمي!

يا شاه.. باديشاه! أنطق كلماته وهو يبكي وتتساقط على السيف المُغمد في صدره دموعُه مثل طفل تتساقط الدموع على مريلته.

تطلَّع إلى هذا وهو ليس للتطلع يا خادمي.. وهو ليس لكي يُروى، وإنما للصمت وحسب!
– قلت له: ها أنتَ رويتَ حكاية بنفسك!

ورد عليّ:
– لم أروِ شيئاً.. لم تسمع أنت مني شيئاً.. إنها أكاذيب يا خادمي لكي تُروى، وللحقيقة الصمت.. واصمت وليصمت صاحبك “شيرآن”.. لتمضِ الحياة بهدوء يا خادمي.. لتعشْ أو أن تبقى لا تعرف أن تحيا.. لا أرى في ذلك حكمة كبيرة.. ولكن قف: إنني أسحب كلمة الحكمة هذه.. لا تحتاج في الحياة إلى الحكمة. والسعادة هي التي تأتي إليك وحدها يا خادمي، أو أنك تأمل بمجيئها فتكون سعيداً بسبب آمالك هذه

* كاتب بوسني، والنص مقطع من رواية “القُناق: البيت الكبير”، الصادرة ترجمته حديثاً عن “الآن ناشرون وموزعون” في عمّان، ونقله إلى العربية المترجم الأردني إسماعيل أبو البندورة.

* المصدر: العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق